"كانوا يعيشون المزاج العالي"... ذكريات الطعم اللاذع لـ"البوظة"

الأربعاء 28 أغسطس 201909:41 ص

"تشرب بوظة "؟

تداعت إلى ذهني الصورة التقليدية لمشروب البوظة في المحلات والبيوت بالمناطق الريفية والشعبية، وبسبب معرفتي بأنواع البوظة فقد استبعدتُ أن نكون ذاهبين لتناول "البيرة المصرية التقليدية".

كنا مجموعة من شباب وشابات العائلة الذين قرّروا قضاء يوم عطلة في يوم من أيام ديسمبر، في معبد سيتي الأول بمدينة "البلينا" بمحافظة سوهاج، وبسبب الطبيعة الحارة لإقليم صعيد مصر بدا علينا تأثير الجوّ من عطش، وعرق رغم الشتاء.

تستغرق المسافة من مدينة "سوهاج" إلى "العرابة المدفونة"، الاسم الشعبي لمعبد ستي الأول بالبلينا، حوالي ساعة ونصف عبر طريقٍ زراعي ضيق، يقطعه عدد كبير من المراكز والقرى والنجوع.

كنّا على وشك بلوغ منتصف المسافة قبل أن تنحرف بنا السيارة إلى جانبٍ من الطريق تظلله الأشجار، وتبدو في خلفيته مساحة كبيرة من اللون الأخضر، الذي لم ينقطع طوال الطريق تقريباً.

أخبرنا قائد رحلتنا أنَّه كان يفكّر في اختيار بائع جيد قبل أن نسلك الطريق المشهور بانتشار باعة البوظة.

يتذكر الجميع هناك أن البوظة  كانت تُصنع في منزل العائلة منذ الطفولة، لكن ربما كانت تلك المرة هي الأولى التي أشرب فيها البوظة عند البائع بعد أكثر من 20 عاماً على المرَّة الأخيرة لشربها.

على حافَّة مساحةٍ زراعية توقفنا أمام شاب يضع أمامه برميلين و "جردل" مملوء بالمياه لغسيل الأكواب "الاستانلس ستيل".

يذكّر الطعم اللاذع أو "مزازة " البوظة بطقوسٍ تعرفها معظم البيوت، ليس في إقليم "الصعيد" فقط، بل ومدن وقرى الدلتا،  خاصة في الشرقية والمنصورة المحافظتان الشهيرتان بإعداد هذا المشروب، وسكر المصريين القدماء، وأفلام السينما القديمة، وأبرزها  دور فريد شوقي السكير في "أصدقاء الشياطين".

مشروب بلا تكلفة

في بيوت مدن الصعيد تجمع بقايا الخبز "الكسرات" لتصنع منها النساء مشروباً للعائلة.

تقول فاطمة حسن موظفة متقاعدة لرصيف22: "تعلّمنا عمل البوظة من أمهاتنا، مثل معظم البيوت، تكبر البنات وتتعلم طرق ووصفات الأكل والحلوى".

البوظة المصرية، وهي تختلف عن نوع من الآيسكريم شائع في دول الشام يُقال أنّ أصله يعود للصين، من المشروبات التقليدية كالعصائر في معظم بيوت الصعيد، وكانت الأمهات تخمّرها في المنزل قبل أن تباع على عرباتٍ متجولة أو محلات العصير المنتشرة في سوهاج.

تفضّل فاطمة الخبز "الفينو" لاحتوائه على قدرٍ أكبر من الخميرة تساعد على سرعة إنجاز المشروب، وقد يلجأ البعض لاستخدام الخبز التقليدي، لكنه يضطر لإضافة القليل من الخميرة، بحسب فاطمة.

طريقة إعداد البوظة بشكلٍ عام لم تتغير عمّا عُرف من عصر الأسرات المصرية قبل الميلاد، إلا ان الناس حديثاً وضعوا لمساتٍ إضافية، فمنهم من يضيف إليها السكر وبعضهم اللبن. في وصفات أخرى يضيف البعض القليل من الأرز، وقد تضاف المكسرات وجوز الهند، ليصبح أشبه بمكونات مشروب "السوبيا" الحلو.

يُذكِّر الطعم اللاذع لـ"البوظة" أو "البيرة التقليدية" التي تعرفها معظم البيوت، بسكر المصريين القدماء، وأفلام السينما القديمة

تختلف هذه اللمسات من مدينة لمدينة أو قرية إلى أخرى، إلا أن ما يميز البوظة هي تخمير خبز القمح، بأن يترك مبللاً في مكان دافئ بعد تغطيته لنصف يوم على الأقل.

تُعدّ البوظة من المشروبات الرئيسية على مائدة الإفطار في شهر رمضان أيضاً.

يقول أحمد الهواري، (70 عاماً) موظف متقاعد، لرصيف22: "لم تكن البوظة تباع في الشوارع أو المحلات حتى الوقت الذي وصلت فيه سن العشرين".

يتذكر الهواري: "كان هناك محل شهير أقرب للمقهى اسمه "العقاد"، يتردد عليه الكثيرون، قبل ذلك لم يكن مشروب البوظة يباع، قبل أكثر من خمسة أجيال من الزمن تقريباً وضع الباعة الجائلين مشروب البوظة كصنفٍ جديد بجانب الآيس كريم والعصائر والقائمة الشعبية الطويلة، نظراً للطلب المتزايد ممن تعود على مذاقه المميز حتى خارج محيط العائلة".

في أماكن معروفة وقليلة كانت تصنع البوظة المُسكرية أو "البيرة التقليدية القديمة"، فهي من نفس المكونات لكنها تخمّر لوقت أكبر، وليس لها حضور الآن.

البوظة في "وسط بلد" الصعيد

اختفت عربات الباعة من الأرصفة، ولكن استمرّ مشروب البوظة بشكله التجاري الرخيص الثمن إلى اليوم، مع احتفاظ بيوتٍ وعائلاتٍ قليلة نسبياً بطقس صناعته.

بجوار مقامٍ صوفي شهير في سوهاج، كان يقف بائع بـ"جردل" من الصفيح ، يؤكّد لنا من عاشوا هناك هذه الفترة التي تجاوزت 50 سنة، أنه كان يدعى شعبان، ونظراً للطلب الكبير من زوار "ميدان العارف" ووسط المدينة، كان يبيع البوظة لأيام قليلة في الأسبوع، ليس كالمقاهي الكبيرة ذات العمالة والمفتوحة طوال الأسبوع، بسبب احتياج خليط البوظة وقتاً ليختمر بكميات، و كان شعبان في تلك الأيام التي لا يقدّم فيها "البوظة" يعتذر للزبائن، ويستبدل البوظة بالليمون، كمشروبٍ شعبي في حرِّ "الصعيد" في "جردل" آخر، حتى تطيب البوظة للتناول.

وعلى الرغم من التاريخ الطويل للمشروب المصري، إلا أن البوظة المسكرة حُظر بيعها، وانتشرت أخبار منذ العقد الأول من الألفية الجديدة عن تسمّم العشرات في مناطق مختلفة بعد تناولهم مشروب "البوظة"، وأثّرت الدعوات بتحريمها، وهي الصورة التي عزّزتها السينما.

عرف المصريون البوظة المُسكرة "البيرة المصرية القديمة" في زمن حديث، فعلى الرغم من تواجدها كمشروبٍ أساسي على موائد المصريين القدماء، إلا أن طريقة صنعها لم تُعرف بدقة حتى الآن، وإن عُرفت الفكرة العامة للبيرة المصرية عبر النصوص التاريخية والأبحاث حول عادات الأكل والشرب.

"منذ عشرين عاماً فقط كانت الأسر السودانية  في مصر تصنع 'البيرة التقليدية' في المنازل، ولا تبيعها خارج البيوت، فهي ليست للتجارة، وتُقدّم في المناسبات، ويتجمع حولها الشباب"

ويروّج سودانيون مهاجرون إلى مصر أنَّ بلدهم هي الأصل في الطريقة التي تصنع بها البوظة المصرية

يروّج سودانيون إلى أنَّ بلدهم هي الأصل في الطريقة التي تصنع بها البوظة المصرية.

يقول بكر، سوداني أربعيني يعيش في الصعيد، لرصيف22: "منذ عشرين عاماً فقط كانت الأسر السودانية تصنع البيرة النمطية في المنازل، وهي ليست مثل الخمر ولكن أقرب لفكرة النبيذ في أوربا، ونادراً ما تباع خارج الأسر السودانية، فهي ليست للتجارة، إنما يمكن أن تدفع ثمن المكوّنات لسيدةٍ ماهرةٍ في الصناعة، ثم تُقدّم في المناسبات، ويتجمّع حولها الشباب لطعمها".

قمح وشعير وثلاث ساحرات

تقول الأسطورة الإغريقية أن الإله "باخوس" كان يصنع الخمر من القمح والشعير بمساعدة ثلاث ساحرات، حيث عُرف "باخوس" في النصوص اليونانية القديمة بأنه إله الخمر ومصدر النشوة.

أما في مصر القديمة، فيشير بحثٌ أعده شريف إبراهيم، باحث وشيف الخارجية المصرية بالنرويج، إلى مجموعةً من النصوص المصرية القديمة تتحدث عن صناعة البوظة، والبيرة المصرية القديمة.

تحت عنوان عن إحياء تراث الطهي القديم، تقع قائمة طويلة لأصناف المطبخ المصري القديم، يتناول البحث جدولاً غنياً بالأصناف تحمله ورقة البردي "إبيرس"، نص طبي من العصور القديمة، يحتوي على 600 من الوصفات لكل داء معروف في ذلك الوقت، والبيرة هو عنصر رقم 118 منها.

واعتمدت الوصفات على أنواعٍ من المشروبات، مثل جذور نبات البردي، والينسون بالعسل، والعنب المعصور دون تخمير، وعسل النحل، والفواكه، والجميز، وحب العزيز، بالإضافة إلى البيرة النمطية، وكانت تُقدّم جنباً إلى جنب مع الخبز، وتشرب يومياً، وكانت "المشروب المفضل للبشر ، والآلهة، وطبقة من الأغنياء، وأهل السلطة... وكانت تقدم حتى للأطفال".

وعن تأثيرها على الحالة النفسية للمصريين، يكتب "تقريباً كل المصريين كانوا يعيشون شعور المزاج العالي".

وكانت هناك محاولة لفهم طريقة إعداد هؤلاء للبوظة المسكرة من قبل كل من باتريك ماكجفرن، والعالم إيان هورنسي، ودُونت في عدّة كتب، ولكنهم في النهاية لم يتوصلوا لطريقة التخمير القديمة بشكل كامل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard