"الفواخير" في مصر القديمة… "متحف حيّ" مُهدَّد بالانقراض

الأحد 25 أغسطس 201910:10 م

تحتوي على 50 ورشة تعمل يومياً لإخراج منتجات الفخَّار والخزف المستخدمة في الطهي أو الزينة، بداية من خلط الطمي وتشكيله ثم دخوله الفرن حتى زخرفته، ويكون ذلك أمام الجمهور في قرية الفواخير بالفسطاط  العتيقة في القاهرة، المنطقة التي تتخيلها عندما تراها متحفاً حياً.

تُعدّ حرفة صناعة الفخَّار من المهن العتيقة، ترجع جذورها إلى ما قبل الميلاد، استخدمها المصريون القدماء، واكتُشفت أواني وأدوات فخارية في المقابر بجوار المومياوات، واستمرَّت حتَّى وقتنا الحاضر.

يعمل عباس إبراهيم (32 عاماً) في تشكيل الفخَّار منذ ١9 سنة،  ويؤمن بأنَّها أحد أنواع الفنون الصعبة، "العجين بطبيعة الحال يتأثَّر بالجوّ، إذا غفلت لحظة عنه يمكن أن تتغيَّر طبيعته، ويصبح صلباً".

يبدأ يوم العمل عند إبراهيم من 8 صباحاً حتى 6 أو 8 مساءً، وعلى الرغم من الوقت والمجهود، تُعتبر المهنة فقيرة، يوضح إبراهيم لرصيف22،  والإنتاج يساوي دخل الحرفي، وإذا لم تنتج لن تحصل على مقابل، بعكس الوظائف الأخرى، كما أنَّنا نعاني نقص اليد العاملة.

انخفض الطلب، وغابت الدولة

كل شخص داخل الورشة له وظيفة مهمة، بحسب إبراهيم، ويطلق على الورشة اسم "الدولاب"، وتدعى مهنة المسؤول عن عجن الطين لكي يصبح مُلينًا (عجَّان)، أمَّا المسؤول عن تشكيل الطين على حجر دائري "الفخاري"، وفي لغة العُمَّال يطلق عليه (صنايعي)، وحلقة الوصل بينهما هو "الصبي"، ينقل الطين بينهما، ويُخرج القطع الجاهزة إلى خارج المحلّ، في الباحات، وبعد مرور سويعات قليلة تتعرض فيها إلى الشمس، يُدخلها الفرن.

يُعجن الطين أكثر من مرَّة بإضافة القليل من المياه ليصبح رطباً، وبعد ذلك تُنقل بواسطة الصبي إلى الفخاري المسؤول عن تشكيلها على الحجر الدائري، وبعد ذلك ينقلها الصبي عنصر الوصل بين العاملين في الدولاب إلى غرفة أو ساحة فارغة حتى تتصلَّب نسبيًا، ويجب أن يرصّ القطع بجوار بعضها بمسافات محسوبة ومتساوية، على ألَّا تخدش أو تميل قطعة على الأخرى حتى لا يتلف كل الإنتاج، وبعد ذلك يُدخلها إلى فرن بدائي يعمل بنار الخشب، وتظلّ فيه 12 ساعة، وبعد ذلك تصبح جاهزة. بحسب إبراهيم.

انجذب صلاح محمد (58 سنة) إلى حِرفة الفخار منذ أن كان صبيًا، لما فيها من فنّيات، سواء تشكيل الطين على الحجر أو تفريغه، والنقش عليه، وتلوينه، يقول لرصيف٢٢: عملت في السبعينيات والثمانينيات، والشغل كان كثيرًا، وتعاونتُ مع وزارة الزراعة، حينها كانت تطلب نحو مليون أصيص زرع بين الحين والأخر، وكان صعبًا أن أuمل على هذا العدد في ورشتي فقط، إنما عملت عليها  بمشاركة مع 20 ورشة، وكل ورشة تحتوي على 6 عمَّال فخار (صنايعية) يعملون 12 ساعة يوميًا.

يقول محمد: "إنّ الدنيا زمان كانت رخيصة، والطين كان يباع بأسعار زهيدة، وذلك نتيجة كثرة الأراضي الزراعية، وسهولة الحصول عليه من نهر النيل، أما الآن الأراضي الزراعية تم البناء عليها، كما أن الوزارة استبدلت أصيص الفخار بآخر بلاستيك، ونتيجة لخفض الطلب، وارتفاع أسعار المواد الخام انخفض الإنتاج.

مهنة للهواة وضد الميكنة

يعمل أحمد محمد زكي (59 عاماً)، في الفخَّار منذ 51 سنة، وشغف به منذ طفولته حتى بلغ 25 عاماً، وأصبح يملك ورشة بجوار مسجد عمرو بن العاص، ورئيس الجمعية الإنتاجية لصناعة الفخَّار والخزف.

تحتوي على 50 ورشة تعمل يومياً لإخراج منتجات الفخَّار والخزف المستخدمة في الطهي أو الزينة، بداية من خلط الطمي حتى زخرفته، ويكون ذلك أمام الناس في الفسطاط بحي مصر القديمة

مهنة صناعة الفخَّار لا ينجح فيها إلَّا من يهواها، بحسب زكي، لأنها تعتمد على اليد والعقل كرأس مال، وتفتقر إلى الميكنة، موضحًا: "المهنة فيها إرهاق ومجهود عضلي وذهني، بخلاف بعض المهن الأخرى التي تتطلَّب مجهوداً واحداً، لكن الفخار تجمع بين الاثنين".

ورث زكي المهنة عن والده، وكان يرغب أن يورثها لنجله لكنه يرى أن الطريق غير مُمهَّد، "على الرغم من أنَّ المهنة كانت مربحة حتى أوائل الألفية الجديدة، وكنت أصدّر منتجاتي إلى إيطاليا وإنجلترا سنة 1998و 1999م".

بأنامله الصغيرة يشكّل زكي أواني الفخَّار، بادئاً مرحلة تنقيتها من الزوائد والشوائب، ويفضّل العمل على الفخار الملوّن، سواءً بالغمر في الألوان أو بالرشّ، وبعد ذلك يرصّها بالتساوي داخل فرن كهربائي يعمل على درجة حرارة 70 درجة مئوية لمدة 12 ساعة، ويستغرق غلق الفرن يوماً كاملاً، يحتفظ فيها الفخَّار بالحرارة، وبعد ذلك يفتح الفرن، ويكون جاهزًا للبيع.

"يدوية": تنمية مهارة الحرفي أولوية

في عام 1999 تدخلت الحكومة في المهن التي ينتج عنها تلوث جوي، وتؤدي إلى السحابة السوداء، وبدأت تقنين أوضاعها، على سبيل المثال الفخار والمدابغ ومصانع الطوب، وأغلب تلك المهن توقفت حينها،  ولكن مهنة صناعة الفخّار تم دعمها كمشروع تراثي مصري بإنشاء قرية تجمع كلّ ورش الفخار.

" مهنة صناعة الفخار لا ينجح فيها إلا من يهواها، لأنها تعتمد على اليد والعقل كرأس مال، وتفتقر إلى الميكنة"

يواجه أصحاب حرفة صناعة الفخَّار تحديات عدة، أهمها عدم توفير دعم من جهات حكومية أو منظمات مجتمع مدني، يشبّه زكي الحيّ الذي يعمل فيه بأنه "متحف حي"، ويشدد على أهمية الحفاظ على تراث مهنته.

ويوضح زكي في حديثه لرصيف٢٢: "كان مُخططًا أن يحدث إحلال وتجديد منطقة الفواخير، على أن يُفتتح فيها 152 ورشة صغيرة، ومتناهية الصغر، ومركز تكنولوجي، ومحال خدمات، لكي تصبح المدينة متكاملة، وتمَّ وضع حجر الأساس في يونيه 2006 على أن تفتتح في يونيه 2007، لكن حتى الآن المشروع لم يكتمل أو تدخل المرافق له بشكل كامل، الأمر الذي أدّى إلى تسرّب الأيدي العاملة من الفخَّار إلى مهن أخرى".

يرى زكي أن أحد عوامل عزوف الشباب عن العمل في الفخَّار، وبعض المهن اليدوية التقليدية الأخرى هو التقليل من شأن الحرفي، وعدم توفير سبل الدعم ليسهّل عملية الإنتاج، إضافة إلى تشتت الكيانات المعنية بتطوير الفخار بين وزارات الصناعة، والزراعة، والتعاون الدولي، ويعتقد أن إنشاء جهة واحدة صاحبة قرار سيطوّر المهنة بشكل واضح.

وفي سياق مواجهة التحديات التي تواجه الحرف التقليدية كصناعة الفخار، أشار أسامة غزالي، مؤسس مركز ي"يدوية" لتنمية التراث، إلى أن إحياء الحرف اليدوية وخاصة التي نخشى أن تندثر، يكون عبر تدشين هيئة واحدة للحرف اليدوية، تهتمّ بالحِرَفي، ويحدث تعاون بين تلك الهيئة، ووزارة التربية والتعليم الفني لتدريب الطلاب في مراكز إنتاج طوال العام بالتوازي مع وجودهم في المدرسة، وبذلك يُدار لهم دخل، حتى لا يشعر الطالب أنه حصل على حصة تدريب فقط، لكنه في الوقت نفسه تدرَّب، وانخرط في العمل، وأخذ مقابل مادي، هذا الأمر سيجعله يستمر، ويرى المهنة من بدايتها، ويجعل للحرف التقليدية مستقبل.

وذكر مؤسس "يدوية" أسباب تُهدِّد الحِرَف اليدوية بالاندثار: عدم وجود أجيال جديدة تدخل المهنة، الأمر الذي سبَّب أزمة في نقل الخبرة من الأجيال الحالية، وشعور بعض الحرفيين بعدم التقدير في ظل غياب الضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي، وأخيراً عدم وجود مظلة تحمي الحرفة اليدوية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard