المرشح الذي يغري الناخبين بالدراما التركية والمعكرونة… هل يخلط اعتقال القروي الأوراق في تونس؟

السبت 24 أغسطس 201906:51 م

قبل ثلاثة أسابيع من الانتخابات الرئاسية في تونس، اعتقلت السلطات في 23 آب/أغسطس أحد أبرز المرشحين للرئاسة: رجل الأعمال والاتصال نبيل القروي. وأصدرت محكمة الاستئناف بياناً في اليوم نفسه قالت فيه إن دائرة الاتهام المكلفة النظر في قضايا الفساد المالي التابعة لها نظرت في شكاوى قدمتها منظمة “أنا يقظ” (منظمة تونسية مستقلة لمحاربة الفساد) ضد الشقيقين نبيل وغازي القروي، ومن التهم الموجهة إليهما غسل الأموال باستخدام شركاتهما في الجزائر والمغرب واللكسمبورغ. المحكمة أعلنت كذلك أنها رفضت رفع منع السفر بحق الشقيقين القروي وإلغاء تجميد أموالهما.

وفور توقيف نبيل القروي وهو رجل أعمال وصاحب قناة نسمة التلفزيونية ومختص منذ عقود في الاتصال، أعلنت قناته أن القروي “اختطف” على الطريق السريعة تونس مجاز الباب (شمال غربي البلاد) على يد قوات الأمن وأن من اعتقلوه “رفضوا الكشف عن مكان إيقافه”. 

وفيما تأكد اعتقال نبيل القروي، بقي مصير شقيقه غازي مجهولاً. و رجحت بعض المصادر الإعلامية التونسية أن يكون قد فرّ إلى الجزائر فور صدور بطاقة الإيداع بالسجن بحقه وبحق أخيه. وربما مكان اعتقال الأخير على الطريق السيارة مجاز الباب القريبة من الحدود التونسية الجزائرية يرجح هذه الفرضية.

اتهامات لرئيس الحكومة

أول المعلقين على خبر اعتقال القروي (الذي روجت له قناته على أنه اختطاف) كان حزبه الناشئ “قلب تونس” الذي قال في بيان إن “اختطاف القروي حلقة في سلسلة الممارسات الفاشية بدأت منذ تصدر اسمه (القروي) كل نوايا التصويت”. 

وشدد الحزب على أن الاعتقال ممارسة غير ديمقراطية “تذكر بسوء الأنظمة الاستبدادية”، وهاجم البيان ما أسماه “صمت الأحزاب والمنظمات” واعتبره “جريمة بحق الثورة”.

وفور اعتقاله سارع أعضاء في حزب “قلب تونس” إلى اتهام رئيس الحكومة يوسف الشاهد بالضلوع في الأمر، وقال مستشار رئيس الحزب أسامة الخليفي إن الحزب تلقى “تهديدات اليومين الأخيرين من عصابة رئيس الحكومة لمنعه من مواصلة حملته الانتخابية”. وأبلغ الخليفي أنصار القروي بأنه ترك رسالة تقول “إن سجنت فأنا سجين سياسي”.

الغنوشي يعلق  

في أول تعليق له على اعتقال القروي، صرح  زعيم حزب النهضة الإسلامي راشد الغنوشي في 24 آب/أغسطس “لم يسرنا هذا الاعتقال ولا تعطيل أي مسؤول حزبي في البلاد”، ملمحاً إلى شكوكه بشأن تشابك السلطتين القضائية والسياسية، قائلاً: “نحن أمام زمن سياسي وزمن قضائي ونخشى أن يختلط الزمانان... نحن حريصون على التمييز بينهما”. 

تصريح الغنوشي يأتي بعد أيام قليلة من تصريح القروي الذي كشف عن نيته التحالف مع النهضة في الانتخابات التشريعية إن لم يفز “قلب تونس” فوزاً مريحاً يغنيه عن التحالف. وقال في 20 آب/أغسطس إن حزبه “ليس لديه إيديولوجيا ولا موقف معاد من النهضة”.

وكان للقروي دور غير مباشر في كسب النهضة انتخابات عام 2011، حين بثت قناته قبل الانتخابات بقليل فيلماً إيرانياً من نوع الكرتون بعنوان “برسيبوليس” اعتبره العديد من التونسيين حينذاك “مساً بالذات الإلهية” لاحتوائه على مشهد يتضمن حواراً بين طفلة والله، وقد خرجت جموع من المحتجين يومذاك في الشوارع وبلغ المئات منهم مبنى قناة نسمة وهاجموها. حوكم القروي إثر ذلك بتهمة “النيل من الشعائر الدينية”و “تعكير الصفو العام”.

وقد اعتبر مراقبون في ذلك الوقت أن التيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي استفاد كثيراً من بث قناة نسمة ذلك الفيلم حين أشاع نوعاً من المخاوف في نفوس قاعدة شعبية بعد الثورة بأن “الإسلام مهدد”، وربما رجح كفة التصويت للنهضة من قبل فئة لم تكن قد حسمت خيارات تصويتها بعد حتى وقعت “واقعة برسيبوليس”.

وقد نفى آخرون دور قناة نسمة والفيلم في فوز النهضة التي كانت بالفعل أكبر المستفيدين من سقوط نظام بن علي بعد عقود من الديكتاتورية والمطاردات الأمنية والمنافي.

من رجل اتصال محنك إلى منافس شرس

شعبية القروي بالأرقام أميط اللثام عنها قبل أسابيع من انطلاق سباق الرئاسة في تونس، حين كشف سبر آراء محلي عن تقدمه في نوايا التصويت في الرئاسة بنسبة 23٪ يليه أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد بـ 20٪ ثم عبير موسي (مناصرة للرئيس الأسبق زين العابدين بن علي) بـ 12٪ ويوسف الشاهد (رئيس الحكومة) بـ 7٪.

هذه الأرقام لم تفاجئ المتابعين، فالقروي الذي كان يطل على جمهوره من خلال قناته الخاصة “نسمة” يعرف تماماً من أين تؤكل كتف الناخب. قبل ثلاث سنوات قاد القروي حملة شعبية لجمع التبرعات باسم ابنه الذي لقي حتفه في حادث سير في آب/أغسطس 2016، فكانت حملة “خليل تونس” التي تعهد من خلالها توزيع ما جمعه من تبرعات على محدوي الدخل في المناطق المحرومة في تونس.

البرنامج التلفزيوني الذي كان يبث في نسمة ويصور حيثيات توزيع المساعدات على الأسر المتعففة في مختلف جهات تونس وبكاء محدودات الدخل واحتضان القروي لهن كلفه عقوبات من الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري المعروفة باسم “هايكا” بعدما اعتبرت ما فعله استغلالاً لقنوات إعلامية في حملة انتخابية سابقة لأوانها. الخلاف بين القروي والهيئة بلغ ذروته حين رفض الالتزام بتوصياتها واعتبرها “هيئة غير شرعية"، فما كان منها إلا التحرك في 25 نيسان/أبريل الماضي لغلق القناة بالقوة العامة، معللةً ذلك بعدم امتلاك القروي رخصة بث.

على إثر تلك المواجهة أعلن القروي في 27 أيار/مايو الماضي ترشحه للرئاسة مستفيداً من دعم تلك الفئات المحرومة لكن بموازاة ذلك ظهرت عينة أخرى من داعمي القروي لم يكن الشعب التونسي يعرف ثقلها وتتمثل في متابعي قناته من المولعين بالمسلسلات التركية التي كانت قناته تبثها، وكان لغلق القناة أثره المباشر فيهم أدى لاحقاً إلى ملاحظة أن أولئك المتابعين، ومعظمهم من ربات البيوت البسيطات، يشكلون قاعدة ناخبين لا يستهان بها، وقد تغير المعادلة في صناديق الاقتراع بالفعل. 

السبسي ينقذ القروي

قبل أسبوع من وفاته في 25 تموز/يوليو الماضي، رفض الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي توقيع القانون الانتخابي الذي صادق عليه البرلمان في حزيران/يونيو الماضي والقاضي باستبعاد مرشحين أو قائمات حزبية انتفعت من الإشهار السياسي (الإعلان السياسي عبر وسائل الإعلام). وكان ذلك القانون قد نصّ على عدم وجود أموال أجنبية أو تبرعات من شركات، أو توزيع مساعدات أو إعلانات سياسية قام بها المرشح. 

 هذا القانون كان يستهدف بالأساس نبيل القروي الذي استخدم فعلاً قناته الخاصة في هذا النوع من الإشهار،  لكن السبسي رفض التوقيع على القانون معتبراً إياه “إقصائياً”.

النتيجة أن ترشح القروي سليم ولا يمكن للقانون (الذي بقي حبراً على ورق) منعه، لكن ثمة قضايا أخرى كانت تنتظره تتعلق بالفساد المالي وقد أثارتها منظمة “أنا يقظ” منذ سنوات.

تشويش انتخابي ومعارك مرتدة بين المنافسين على كرسي الرئاسة مداها قد يتجاوز صناديق الاقتراع لإعادة خلط الأوراق السياسية وخارطة التحالفات... هكذا يقرأ البعض حيثيات اعتقال المرشح الرئاسي التونسي نبيل القروي بتهم الفساد وتبييض الأموال 

حملة نبيل القروي الانتخابية التي اتخذت من محاربة الفقر شعاراً لها وسبقها نقل مباشر بتوزيع سلال معونات تحوي المعكرونة والطماطم المعلبة والكسكسي، اكتسبت بتوقيفه زخماً جديداً قد يطيح الرجل وقد يقفز بشعبيته إلى القمة

القروي و "أنا يقظ”… تهديدات وتسريبات

لاعتقال القروي بالأمس خلفيات قديمة، ففي عام 2017 نشرت منظمة “أنا يقظ” تسريباً صوتياً يتوعد فيه القروي (في اجتماع تحرير في قناته) العاملين في المنظمة، متحدثاً عن مخطط لتعقبهم وتشويه سمعتهم، رفعت على إثره المنظمة دعوى قضائية. وسبب العداء كان تحقيق “أنا يقظ” في شبهات بالفساد والتهرب الضريبي في قناة نسمة ومالكيها.

وكانت المنظمة قد نشرت في تموز/يوليو الماضي تقارير محاسبات الشركة المالكة لنسمة لسنوات 2011 و2012 و2013 وعلقت أنها تثبت “التحايل على البنوك وعلى الضمان الاجتماعي” وتهريب الأرباح إلى الخارج. وفي 13 آب/أغسطس الجاري اتهمت “أنا يقظ” القروي بمحاولة زرع جهاز تنصت في سيارة مديرها التنفيذي السابق مهاب القروي.

تزامن إيقاف القروي مع توجيه حافظ السبسي ابن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي في 23 آب/أغسطس، اتهامات لرئيس الحكومة يوسف الشاهد بالتحريض ضده حتى يفتش “بشكل مذل” في مطار قرطاج، حادثان لم يستطع كثيرون فصل أحدهما عن الآخر، لأن القروي والسبسي الابن تربط بينهما علاقات قوية بل شُنت هجمات ضد الشاهد من خلال قناة نسمة حين بلغ الخلاف بين الشاهد وحافظ السبسي أوجه.

هذه الأحداث الطارئة يراها البعض تشويشاً انتخابياً ومعارك مرتدة بين المنافسين على كرسي الرئاسة لكن مداها قد يتجاوز صناديق الاقتراع لإعادة خلط الأوراق السياسية وخارطة التحالفات. لكن اللافت الآن أن حملة القروي الانتخابية التي اتخذت من محاربة الفقر شعاراً لها وسبقها نقل مباشر بتوزيع سلال معونات تحوي المعكرونة والطماطم المعلبة والكسكسي، اكتسبت اليوم بتوقيفه زخماً جديداً قد يطيح الرجل وقد يقفز بشعبيته إلى قمة أعلى تحوله من رجل الاستشارات الاتصالية إلى رئيس تونس المقبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard