المرأة سلعة للرأسمالية… وعرضة لأقسى أشكال الاستغلال

السبت 24 أغسطس 201906:33 م

لعل لم يفكر البعض بهذه المصطلحات: المتعة الجنسية، الدور الجنساني، التمييز الجنسي والتوازن الجنسي، ولعلّ النطق بكلمة جنس فقط أمام المارة كفيلة بأن تفاجئهم "سلبياً" أو تجعلهم يخجلون، ولكن المجتمع هو العادات والتقاليد التي نُحكم بها، فما إن يقبل الطفل على الحياة والاكتشاف حتى يأتي موعد ذاك السؤال المرعب :"أمي، أبي من أين وكيف أتيت؟"، فننهال عليه بشطحات الخيال خجلاً أو جهلاً: "وجدناك على باب المسجد، أتينا بك من خارج البلاد، من بطني، من البقالة…"، كلها أعذار لفعل طبيعي وصم بالعيب المجتمعي تم تخطيه بالطبع بتكثيف الأفلام والمواقع الإباحية وروادها حول العالم.

مصطلح الجنسانية

هو مصطلح حديث نسبياً من مفاهيم العلوم الإنسانية، يدمج بين "جنس وإنسانية"، وهو مزج بديع وطبيعي وإنساني. تاريخياً كان الجنس مأخذاً أو مدخلاً للسلطة على المواطنين، فعندما كانت تحكم الكنيسة كان نظام صكوك الغفران مفعلاً: تمحى الخيانة باستغفارك واعترافك للكاهن.

وفي كتابه "تاريخ الجنسانية"، والذي تحدث من خلاله عن إلغاء الفوارق بين الجنسين، اعتبر الفيلسوف ميشيل فوكو في حديثه عن الجنسانية، أن الجنس شيء قمعته العصور السابقة، خاصة في القرن التاسع عشر، وأنّ العصور الحديثة كافحت من أجل تحريره. وفق تفسير فوكو، بُنِيَ الجنس من قبل الخطابات المرتبطة مع الممارسات والمؤسسات الاجتماعية المتنوعة: الكيفية التي يتعامل بها الأطباء، ورجال الدين، والمسؤولون الحكوميّون، والعمال الاجتماعيون وحتى الروائيون، مع الظاهرة التي يعرّفونها على أنّها ظاهرة جنسية".

"وقد تطفّل رجال الدين على الحياة الجنسية للمواطنين بكل ما تحمل من رغبات ومشاعر وكان ذلك تحت ذريعة تقديم التوبة والخلاص. وقد أدى ذلك إلى اقتناع المواطنين أن العملية جزء من الدين وبالتالي ترسخت داخل الهوية الدينية لديهم. لكن ذلك لم يكن سوى طريقة غير مباشرة لزيادة ترسيخ فكرة كون لا شيء يخفى على السلطة، وأنها تتدخل حتى في أمورك الشخصية الأكثر حميمية. لكن في حالة رفض الاعتراف طوعاً كان الأمر يتحول إلى عملية انتزاع مرفقة بالتعذيب. مما يؤدي بالإنسان إلى إيجاد نفسه أمام خيارين: التوبة أو العذاب. الشيء الذي يكرهه على الاعتراف دون إمكانية منه للرفض. حتى لو كان يحس بأن من حقه عدم الاعتراف".

في الإعلانات يتم استخدام النساء ضمن صورٍ نمطية يتم خلقها عبر تكرار بثّها، لخلق نموذج لكافة النساء وخلق معايير الجمال بما يخدم الشركات المصنعة لمواد التجميل مثلاً

منذ نشأتها قامت الرأسمالية على الربح المطلق، فبحثت عن توسيع الأسواق قدر المستطاع مستغلة كافة نواحي الحياة البشرية، لتعزيز ثقافة الاستهلاك وربط المجتمعات بالمنتج الرأسمالي استهلاكياً، فكان استغلال النظام الرأسمالي للشهوة الجنسية عبر خلق صورةٍ نمطيةٍ للمرأة تساعد على الترويج للثقافة الاستهلاكية، وبهذا حوّل هذا النظام المرأة من كائن اجتماعي قادر على الإنتاج إلى أداة يتم استهلاكها بتشكيل صورتها، بما يخدم مصالح الرأسمالية في الوعي الجمعي لهذا السوق.

تشير الدكتورة رانية المصري، المتخصصة في العدالة البيئة والاجتماعية مع تركيزها على فلسطين، في ندوة لها بعنوان "كيف يقولب النظام الرأسمالي البطريركي… علاقتَنا بالجنس، مفهوماً وممارسةً وكلاماً": "النظام الرأسمالي ينظر إلى أفراد المجتمع بوصفهم محضَ مستهلكين. وعليه، فإنّه يستخدم الجنس كما يستخدم أيَّ شيء آخر: للبيع، للتسليع".

كيف حولت الرأسمالية المرأة إلى سلعة؟

في حديث مع صفاء طميش، مديرة منتدى الجنسانية في فلسطين، عن تحويل المرأة إلى سلعة، قالت: "نتشابه نحن البشر في تركيبتنا لكن نختلف بطرق تعبيرنا عنها، فتسليع المرأة و بيع الأجساد والصناعة الإباحية ككل، لا تقل أرباحها وجدواها الاقتصادية منها عن بيع السلاح وتجارة الأعضاء، حيث استغلال الأفلام الإباحية مثلاً لأجساد الاطفال والنساء واستعباد والتسويق للمرأة كسلعة وهو الشكل الأكثر انتشاراً، أما في الوطن العربي فهو موجود أيضاً ولكن لا يتم مواجهته بشكل واضح، فهناك إهانة لفكرة الجنس نفسها، وبيع للأجساد بأشكال مختلفة في هذا السياق".

وتتابع طميش: "لكن يمنع الحديث عنها أو العادات والتقاليد تتحكم غالباً، خاصة مع ظهور داعش ومجموعات المقاتلين انتشرت فكرة إخراج النساء بصورة هدية أو مكافئة للمجاهد، لكنها أيضاً موجودة في العالم الغربي، حيث النساء تباع بشكل "متحضر" في العالم "المتحضر"، وبشكل رخيص وغير "حضاري" في العالم " المتخلف". في نظرة استشراقية تتسم بالاستعلاء الغربي الذي يرى المجتمعات الشرقية متخلفة وبالتالي فإنه يرى أنماط الاستهلاك نفسها ضمن هذا التخلف".

في حقبات باكرة من تاريخ البشرية ارتبط تسليع المرأة بالعبودية، فكانت القوى الكبرى تستعبد الضعيفة وتسخّر نساءها في العبودية وتجبرهن على العمل في الدعارة، حيث اتسمت تلك الفترات من تاريخ البشرية بحكم الأقوى، وبالتالي كان الضعيف خاضعاً بكل تفاصيل حياته، ولذلك فإن الفقراء والضعفاء بيعوا أو باعوا أنفسهم مجبرين لتلبية شهوات الأقوياء من جهة، ولضمان قوتهم من جهة أخرى.

تجليات التسليع الإعلامي للمرأة

يُعتبر الإعلام الرأسمالي الأداة التي يمرّر عبرها الخطاب الرأسمالي نفسه وثقافته، ويرسم بها صورة المجتمع بأكمله وبضمنه المرأة. فتظهر فيه النساء كسلع تروّج بها منتجاته، ويتوسع من خلاله سوقه الحرّ الذي لا يضبطه أي قانون أخلاقي، فالغاية في الوعي الرأسمالي تبرر الوسيلة.

وبذلك فإنه لا يتهاون في استغلال أي وسيلة تسهم في زيادة الربح، ولا يضع أي اعتبارات للحاجات الإنسانية والاجتماعية والثقافية بقدر ما يضع اعتباره الأول لتحقيق التراكم الرأسمالي نفسه، وهنا يتبدى في الإعلام بكافة أنواعه استغلال المرأة وتحويلها لسلعة يتم بيعها في أسواق الربح الرأسمالي، بعبودية حديثة تبررها قوانين العصر الحالي.

ففي الإعلانات الترويجية يتم استخدام النساء ضمن صورٍ نمطية يتم خلقها عبر تكرار بثّها، لخلق نموذج لكافة النساء وخلق معايير الجمال بما يخدم الشركات المصنعة لمواد التجميل مثلاً. فصورة المرأة النموذجية التي ترغب بها شركات إنتاج هذه المواد والمحتوى الكلامي المرافق للصورة كثيراً ما يستثير أو يلمح للجمال جنسياً، ليشكّل مع تكراره صورةً نمطية، لدى المرأة والرجل على حد سواء، للمرأة الجميلة المرغوبة، فتقلّدها المرأة بشراء المنتجات تلك على أمل الوصول "للجمال" من أجل إرضاء الرجل.

يُعتبر الإعلام الرأسمالي الأداة التي يمرّر عبرها الخطاب الرأسمالي وثقافته، ويرسم بها صورة المجتمع بأكمله وبضمنه المرأة. فتظهر فيه النساء كسلع تروّج بها منتجاته، ويتوسع من خلاله سوقه الحرّ الذي لا يضبطه أي قانون أخلاقي

إن النظام الرأسمالي بطبيعته قائم على استغلال الأقوياء للضعفاء، وبذلك فإن واقع المرأة في نهاية السلم الاجتماعي السفلي يبقيها عرضةً لأقسى أشكال الاستغلال، لأن الطبيعة الرأسمالية الربحية ونظام السوق الحرّ فيها لا يعطيان لها أي فسحة لتحقيق ذاتها ديمقراطياً

النسوية ومقاومة الرأسمالية

حاولت بعض الحركات النسوية مقاومة الفعل الرأسمالي عبر محاربتها لثقافة الاستهلاك وتسليع النساء والمطالبة بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات. لكن الفعل النسوي لإقناع المجتمعات بالقدرة على الوصول لهذه المساواة ما زال عاجزاً أمام المنظومة العملاقة للرأسمالية الاستغلالية، والتي تمارس دوماً استغلالها للأضعف في المجتمع لتحقيق الربح المطلق، وذلك عبر الإعلام وتعميم الخطاب الاستهلاكي بكل أشكاله.

حتى في المجتمعات الأوروبية التي تدّعي الديمقراطية، وبالرغم من تمثيل المرأة في الحقول السياسية والتنفيذية، إلّا أن مظاهر استغلال النساء ما زالت في أبشع صورها، حيث تنتج هذه الدول أكبر مواقع الأفلام الإباحية وتمارس أكبر الفظائع بحق النساء، رغم كل القوانين التي أطلقت فيها سعياً للمساواة الجنسية، ولم تتمكن النساء من الوصول لمساواة وعدالة كاملة.

ختاماً فإن النظام الرأسمالي بطبيعته قائم على استغلال الأقوياء للضعفاء، وبذلك فإن واقع المرأة في نهاية السلم الاجتماعي السفلي يبقيها عرضةً لأقسى أشكال الاستغلال، لأن الطبيعة الرأسمالية الربحية ونظام السوق الحرّ فيها لا يعطيان لها أي فسحة لتحقيق ذاتها ديمقراطياً، شأنها شأن كل الطبقات التي يسحقها هذا النظام، بل إن اضطهادها يتضاعف اجتماعياً، فإضافة لاضطهاد النظام الرأسمالي لها فإنها تتعرّض لقمع مجتمع ذكوري داخل الطبقة الفقيرة نفسها، وبذلك تنطبق عليها مقولة "المرأة مضطهدة المضطهدين". ولا يمكن الحديث عن حريتها ومساواتها دون حرية ومساواة مطلقة في المجتمع نفسه، فلا يمكن تحقيق أي مساواة طالما بقي شكل من أشكال الاستغلال قائماً في المجتمعات الإنسانية، بل ستبقى المرأة تلك السلعة الرخيصة بيد التجار والساعين لتحقيق الأرباح دون اعتبارات إنسانية وأخلاقية وقانونية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard