الإعلام الفلسطيني وقضايا التعددية الجنسية والجندرية... تحدي تحويل "الهامشي" إلى نقاش مجتمعي

الخميس 22 أغسطس 201907:16 م
Read in English

على مدار يومي الجمعة والسبت الماضيين، انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي -على الأقل في وجوهنا كنشطاء وطاقم مؤسسة "القوس" - بحالة من التهديد والوعيد والغضب، شملت كل شخص يعيش توجهاً جنسياً أو جندرياً مختلفاً عما هو مهيمن في المجتمع.

بدأت الحالة بعد قيام بعض أصحاب الحسابات المشهورة - نسبياً - بنشر إعلانات للقوس، أحدها لفعالية عُقدت في مدينة نابلس مطلع الشهر، وآخر لفعالية موعدها نهايته.

اشتعلت هذه الحالة بشكل أكبر عندما نشر المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية لؤي ارزيقات بياناً يعلن فيه منع فعاليات مؤسسة القوس، ويتوعد القائمين عليها، بل يدعو المواطنين إلى التبليغ عن أي شخص على علاقة بالمؤسسة. 

كان من الواضح لنا أن البيان جاء تحقيقاً لأهداف شعبوية، وانصياعاً للأصوات العنيفة من بعض فئات شعبنا الفلسطيني، وما أوصل إليه في الواقع هو تشجيع حالة العنف على الاستمرار في تهديد أمن شريحة من الفلسطينيين.

"ليست أولية للمجتمع الفلسطيني"

حاولنا في القوس معالجة الموضوع من جوانب مختلفة من خلال بيانات أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أو مداخلات مع منصات إعلامية مختلفة، إلا أن محاولة استغلال الأسطر التالية للإضاءة على حضور الإعلام الفلسطيني ودوره في الأحداث الأخيرة تبدو مفيدة، وتقودنا بالضرورة إلى سؤال أكبر حول هذا الحضور والدور في قضايا التعددية الجنسية والجندرية بشكل عام.

لا يخفى على  أحد الدور المركزي الذي يلعبه الإعلام في أي قضية سياسية أو اجتماعية، بما فيها قضايا التعددية الجنسية والجندرية، والخوض في ذلك هو خوض في بديهيات عالمنا المعاصر. 

بدأنا في القوس اقتحام العالم الإعلامي بشكل ممنهج ومدروس بعد سيرورة طويلة من العمل والتفكير، تضمنت بحثاً أنجزناه عام 2013 استطلع آراء المجتمع المدني حول الحقوق الجسدية والجنسية، وأوصى بضرورة تواصل القوس مع وسائل الإعلام لما لها من تأثير، وهذا ما قادنا إلى بحث ميداني آخر درس مواقف وتحولات الإعلام الفلسطيني تجاه قضايا التعددية الجنسية والجندرية، وشكّل لنا أرضية صلبة لفهم التركيبة الإعلامية في فلسطين وعلاقتها مع هذه القضايا.

"انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي -على الأقل في وجوهنا كنشطاء وطاقم مؤسسة القوس - بحالة من التهديد والوعيد"... مراجعة لتعامل الإعلام الفلسطيني مع نقاش التعددية الجنسية والجندرية وما طرأ عليه خلال الشهر الحالي

بعد أحداث شهدتها الساحة الفلسطينية، من طعن الشاب المثلي إلى تهديد مؤسسة القوس... يجد الإعلام الفلسطيني نفسه أمام أسئلة مهمة وغير مسبوقة، منها استغلال الاستعمار الصهيوني لمسألة التحرر الجنسي والجندري في تعزيز سياساته الاستعمارية

أما الخطوة الأكثر تأثيراً بشكل مباشر على الحقل الإعلامي، فكانت إصدارنا "الدليل الصحفي لتغطية قضايا التعددية الجنسية والجندرية"، الذي هدف لتشكيل مرجع للصحافيين عند تغطية هذه القضايا، لما يوفره من معلومات وأدوات مهنيّة للصحافيين بغية التعامل مع الموضوع.

تبع إصدارنا للدليل الكثير من المحاولات للوصول إلى منصات إعلامية محليّة فلسطينية، برغم صعوبات كثيرة حالت في معظم الأحيان دون تحقيقنا إنتاجات ملموسة وواضحة، طبعاً مع يقيننا أنها حققت وستحقق تغييراً على المدى البعيد، وبشكل تراكمي وتدريجي، كما هو الحال مع عملنا بشكل عام.

كان التعامل مع مؤسسة القوس والدعوات من أجل تغطية فعالياتنا أو حتى أي مواضيع تتعلق بالتعددية الجنسية والجندرية، يتم على نطاقين؛ الأول تمثل برفض الموضوع ورفض تغطيته، على اعتبار أن هذه القضايا "ليست أولوية للمجتمع الفلسطيني" أو حتى "خارجة عنه ولا تخصه"، وهو بالطبع امتداد للخطاب المجتمعي المهيمن حول شيطنة أو "أخرنة" (من فلسفة "الآخر" والآخر في هذا السياق يعني "كل ما هو مختلف عن الأصل") أي تجارب جنسية وجندرية خارجة عن النمطي والمسيطر. 

وفي أفضل الأحوال، إن كان للمؤسسة الصحافيّة توجه تقدمي أو مساند، تُؤْثر عدم الخوض في الموضوع لعدم "إثارة حساسيّات" أو "الوقوع في بلبلة هي في غنى عنها".

أما التوجه الآخر، فكان تناول هذه القضايا والإضاءة عليها، لكن في إطار صحافة صفراء لا تهدف سوى لزيادة المشاهدات أو القراءات من دون أي هدف مجتمعي أو سياسي يذكر، فتكون التوجهات معززة لصور نمطية أو خطابات مسيئة مثل "تحقيق صحافي حول وجود مثليات جنسياً في رام الله وسهراتهن"، أو حول "المثليين الفلسطينيين اللي بعيشوا في تل أبيب"، أو العمل على تقرير مصور عن المؤسسة ثم المفاجأة أثناء التسجيل بأسئلة حول "كيف علاقتك مع أهلك؟ وهل صحابك بعرفوا عن ميولك؟". وهذه كلّها أمثلة فعلية من تجربتنا في العمل في الميدان. 

هنا، تغدو قضايا التعددية الجنسية والجندرية مجرد مادة غرائبية وبعيدة، يعيد العمل الصحافي إنتاجها كذلك.

طبعاً لا يمكن تجاهل بعض المؤسسات الصحافية الفلسطينية التي شكلت دائماً منصات تقدمية ومهنية على مستوى عالٍ، وفتحت أبوابها للقوس للتعبير وطرح المواضيع التي يستلزم طرحها، إلا أن الجدير ذكره أن هذه المنصات، عدا عددها الذي لا يتجاوز أصابع الكف الواحدة، فهي مقتصرة على شريحة معينة من القراء، ولا تصل إلى مستويات شعبية واسعة مثل مواقع أو صحف أو إذاعات أخرى.

انقلاب هائل في شهر 

في ظل هذا المشهد - الذي لا بد أنه كان يتغير شيئاً فشيئاً بجهود القوس وغيرها من قوى التغيير السياسي والمجتمعي، حصل انقلاب هائل في شهر آب/ أغسطس الحالي، سيكون محطة تاريخية لن ننساها كمؤسسة أو حتى كحراكات نسوية وكويرية فلسطينية وعربية.

افتتحنا هذا الشهر بوقفة احتجاجيّة في مدينة حيفا كانت الأولى من نوعها ضد العنف الممارس بحق الأشخاص الذين يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة، قادتها القوس بالشراكة مع مؤسسات نسوية وكويرية أخرى على إثر طعن فتى فلسطيني بسبب هويته الجنسية على يد أخيه، واستكملنا الشهر لاحقاً ببيان الشرطة والأحداث الأخيرة التي تحدثنا عنها أعلاه.

كنتيجة طبيعية للحدثين المذكورين، ضجّ الفلسطينيون في جميع أنحاء فلسطين من نهرها إلى بحرها في القضية، واشتعل النقاش لتتحول قضايا التعددية الجنسية والجندرية إلى قضية رأي عام، ولم تعد تقتصر على مؤسسة فلسطينية كالقوس تقاتل ليل نهار من أجل توسعة النقاش حول هذه القضايا، ولم تعد حتى "قضية المثليين والمثليّات" المغلقة المحصورة، بل تحولت لتكون قضية مركزية على الفلسطينيين خوضها. 

"بالتحديد ما نحاول في القوس العمل عليه، سواء من خلال خطابنا الإعلامي أو تدريباتنا أو عملنا السياسي، هو تحويل قضايا التعددية الجنسية والجندرية من قضايا هامشية إلى قضايا محط نقاش مجتمعي"

وبما أن الإعلام وليد المجتمع ومؤثر فيه، وجد الإعلام الفلسطيني نفسه أيضاً أمام سؤال ملح يتصل بكيفية تعامله مع هذه القضايا.

نشهد في القوس على هذا التحول، وتحديداً في الأيام الثلاثة الأخيرة بشكل غير مسبوق، إذ غطت الغالبية العظمى من المنصات الإعلامية الأحداث المتعلقة بالمؤسسة وكل الجدل الاجتماعي الذي يدور حولها.

وعلى الرغم من أن التغطية ما زالت تنقصها المهنية والموضوعية في بعض الأحيان، إلا أنها كانت إشارة واضحة للإعلام والمجتمع تقول إنه لا يمكن تجنب قضايا التعددية الجنسية والجندرية، التي تمس المجتمع بأكمله، وتقع في صلب القضايا الاجتماعية والسياسية الأخرى.

في المقابل، تعاملت وسائل إعلام كثيرة مع الموضوع بالطريقة الصفراء ذاتها التي ذكرناها، فكان من الواضح نسخ العناوين والصور والمعلومات ولصقها كما هي دون أدنى جهد في تحري صدقيتها أو دقتها، وتحديداً في اليومين اللذين تليا بيان الشرطة. كما لم تكلّف العديد من جهات الإعلام نفسها أن تقرأ بياننا أو تزور موقعنا الإلكتروني، وهذا ما أبقاها - وأبقانا - عالقين في دوامة خرافات شعبية ومجتمعية.

من "قضايا هامشية" إلى نقاش مجتمعي

على الرغم مما سبق، وجد الإعلام الفلسطيني نفسه أمام أسئلة مهمة وجدية يطرحها على نفسه للمرة الأولى، من قبيل استغلال الاستعمار الصهيوني لمسألة التحرر الجنسي والجندري في تعزيز سياساته الاستعمارية، أو مدى الأذى الذي قد يلحق بالمجتمع نتيجة الشرعية التي يكسبها تعنيف الأشخاص الذين يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة، وغيرها من الأسئلة التي لا بد لنا من إثارتها لبناء مجتمع أكثر تقدماً وقوة.

هذا بالتحديد ما نحاول في القوس العمل عليه سواء من خلال خطابنا الإعلامي أو تدريباتنا أو عملنا السياسي، وهو تحويل قضايا التعددية الجنسية والجندرية من قضايا هامشية إلى قضايا محط نقاش مجتمعي، بشكل مسؤول وبنّاء لتحقيق التغيير فيها، ويبدو أن الشهر الماضي كان درساً جيداً لنا كفلسطينيين وإعلام فلسطيني للانتباه أكثر إلى ما هو مهمش وغائب.

لا أحاول أن أرسم صورة وردية أكثر من اللازم عن أثر الأحداث الاخيرة، فلا شك أن الكثير منها أعاد إنتاج الأداء والخطاب الإعلامي نفسيهما، ولا شك أن المعمعان المشتعل هذا الأسبوع سيخفت وتنساه الناس، لكن من الواضح جداً أن هذا الشهر كان نقلة نوعية في طريقة تعاطي الإعلام الفلسطيني مع الموضوع، أكان ذلك بقرار منه أم نتيجة الظرف الموضوعي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard