اعتُقل وعُذّب في غزّة وعندما خرج للبحث عن حياةٍ أفضل كان مصيره الموت

الخميس 22 أغسطس 201907:15 م

مساء 20 آب/ أغسطس، فُجع الشارع الفلسطيني بخبر وفاة الصيدلاني تامر السلطان. لم يكن الشاب البالغ من العمر 38 عاماً يعلم أنّ نهاية رحلته في هذه الحياة ستكون على طريق بحثه عن عيش أفضل.

ثلاثة أيام انقضت قبل أن يصل خبر وفاته في أحد مستشفيات دولة البوسنة والهرسك إلى عائلته التي تقيم في شمال قطاع غزّة. تضاربت الروايات حول أسباب وفاته، لكنّها لم تتضارب أبداً حول الأسباب التي دفعته إلى الخروج من القطاع المحاصَر، هو الذي تعرّض للاعتقال مرات عدّة ومكث عشرات الأيام في سجون الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس، على خلفية ممارسته لحريات مشروعة في كل القوانين المحلية والدولية.

لم يكن السلطان يريد سوى حياة كريمة بعيداً عن اساليب الاعتقال والتعذيب.

ما هو سبب الوفاة؟

ترك السلطان غزّة في مطلع أيار/ مايو الماضي، وتوجّه إلى تركيا ومنها سلك طريق تهريب أوصله إلى شواطئ اليونان حيث مكث في جزرها قليلاً، قبل أن يبدأ رحلة جديدة من أجل طلب اللجوء في دولة أوروبية.

خلال تلك الفترة، تدهور وضع الشاب الصحي. ذكر مستشفى Dr. Irfan Ljubijankić الواقع في مدينة بيهاج في بيان أنه دخل إليه في نهاية الأسبوع الماضي، وهو يعاني من حمى ونزيفٍ في الجهة اليسرى من جسده، فنقل على الفور إلى قسم الأمراض المعدية.

وأشار البيان إلى أنه حُوّل بعد ذلك إلى قسم العمليات الجراحية داخل المستشفى وأجريت له عملية جراحية عاجلة، وخلالها تعرّض لنزيف حاد في جدار بطنه، ما استدعى إعادة تقييم وضعه الصحي وإجراء فحوصات جديدة له، كانت نتيجتها تشخيص الأطباء أنه مصاب بسرطان الدم النخاعي، فاتخذوا قراراً بنقله إلى مستشفى آخر مختص بأمراض الدم، وفي الطريق فارق الحياة.

يروي ساهر السلطان، الشقيق الأصغر لتامر، لرصيف22 أن أخاه حاول الخروج من اليونان إلى البوسنة والهرسك عدّة مرات، كانت آخرها ناجحة خلال عيد الأضحى، عندما استطاع أن يعبر الحدود برفقة عدد من الأشخاص، ووصلوا إلى غابات حيث عاشوا فترة قاسية وقاتلة، وكانت أوضاعهم المعيشية لاإنسانية وظروفهم مخيفة إلى حدٍ كبير.

وينفي ما جاء في بيان المستشفى ويقول: "تعرّض تامر لعدة إصابات في جسده خلال تواجده في الغابة، بحسب ما نقل لنا مَن كانوا برفقته، ما سبب له نزيفاً وألماً شديداً"، مضيفاً أن أخاه لم يكن مصاباً بالسرطان حتى خروجه من اليونان.

وعلم رصيف22 من مصادر داخل السفارة الفلسطينية في البوسنة والهرسك، وهي الجهة التي تابعت التشريح الأولي للجثمان صباح 22 آب/ أغسطس، أن سبب الوفاة هو الإصابة باللوكيميا. لكن ساهر يقدّر أن شقيقه تعرّض لتسمم داخلي نتيجة الجروح.

وكانت منصات التواصل الاجتماعي قد ضجت برواية تناقلها عدد من النشطاء، قالوا فيها إن تامر بدأ يعاني، بعد فترة من وصوله إلى اليونان، من آلام شديدة وارتفاع في درجات الحرارة، وبعد المتابعة تم الاشتباه بإصابته بسرطان الدم النخاعي.

هروب من بطش الأجهزة الأمنية 

يذكر ساهر أن الأجهزة الأمنية في غزة ساهمت بشكل كبير في دفع أخيه نحو الخروج من بلده، كونها كانت تتعرض له دائماً وتتعمد إهانته في مراكز التحقيق والاعتقال، كما أنها كانت تقيّد عمله الحزبي في حركة فتح، وتضع عراقيل أمام ممارسته لحريته الفكرية.

ويوضح أن ذلك زاد الاحتقان في نفسه، فصار يحاول النجاة بما تبقى من إنسانيته عن طريق التفكير بالسفر، لكن عائلته كان تقف حائلاً أمام ذلك في كل مرة، ويشير إلى أن تامر نجح في إقناع أهله بضرورة سفره بصعوبة شديدة.

"تفاصيل السجن مرعبة جداً، ومنفّرة لأي إنسان. فكيف لك أن تمرّ في شارع تشاهد فيه سجانك الظالم الذي عذبك وأذاك ولا تستطيع فعل شيء له، فقط لأنه صاحب سلطة وسلاح"، يقول ساهر الذي كان رفيقاً لأخيه في إحدى مرات الاعتقال.

يعود إلى الوراء قليلاً ويتحدث عن كيفية معاملة رجال الأمن لهم، وكانت تراوح بين "الإهانة، والتعذيب، والإهمال الصحي"، ويوضح أنه اعتُقل برفقة تامر خلال "حراك بدنا نعيش"، ووقتها كان الراحل يتجهز للسفر، لكن السجن حال دون ذلك، فاضطر للتأجيل مرغماً.

بدوره، يروي وائل السلطان، ابن عم الراحل، لرصيف22 أن تامر ترك القطاع بائساً مكتئباً، فهو متعلق جداً بأطفاله وعائلته، ولم يفكر بالهجرة إلا بعد أن "رأى من العذابات ألواناً داخل أقبية التحقيق وفي الزنازين الانفرادية"، منوهاً إلى أن خبر وفاة تامر "الطيب والخدوم" حل كصاعقة على كل مَن عرفه، وبالأخص على والدته التي تعرّضت لنوبات غيبوبة متكررة بعد سماعها الخبر، وكذلك زوجته الحامل وصغاره الثلاثة الذين لا زالوا يعيشون الصدمة حتى الآن.

واستنكر محاولة بعض وسائل الإعلام الحزبية استغلال الحادثة لأغراض فئوية وغير مهنية.

على المستوى الرسمي، قالت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية في بيانٍ لها، إنها تتابع من خلال سفارتها في البوسنة قضية "شهيد لقمة العيش" وضحية الحصار الإسرائيلي المستمر لقطاع غزة، وذكرت أنه أحد نشطاء "حراك بدنا نعيش"، وأنها تتواصل مع ذويه لتسهيل نقل جثمانه إلى مسقط رأسه، فيما اعتبرت السلطة الفلسطينية السلطان "أحد شهداء الثورة الفلسطينية".

تجارب في الاعتقال ونشاط مجتمعي

أمين عابد، وهو أحد الناشطين في حراك "بدنا نعيش" ومن أصدقاء تامر المقربين، ذكر لرصيف22 أن الراحل اعتُقل في نهاية العام الماضي لمدة ثمانية أيام تعرّض خلالها للتعذيب القاسي من خلال تجريده من ملابسه في البرد القارس، ورشه بالمياه الباردة داخل زنزانة انفرادية صغيرة.

اعتقلته الأجهزة الأمنية التابعة لحركة حماس في غزّة مرات عدة. تعرّض للتعذيب بأشكال مختلفة. وعندما حاول اللجوء إلى أوروبا توفي على إحدى طرق الهجرة غير الشرعية... قصة تامر السلطان
قيل بعد وفاته: "اكتبوا اسم تامر على جدران المخيمات، وفي الأزقة، اكتبوه على حوائط مراكز التوقيف، والمساجد والكنائس، وعلى أبواب منازل قادة الأمن، والجنود، ومسؤولي الفصائل"... ما قصة ابن غزّة الشاب تامر السلطان؟

وأضاف أنه اعتُقل مرة أخرى في شباط/ فبراير الماضي لمدة خمسة أيام وتعرّض للتعذيب مجدداً، وفي الشهر ذاته اعتُقل مرة أخرى من قبل أجهزة الأمن التابعة لحركة حماس في غزة، بسبب نشره صوراً لآثار التعذيب على جسده.

ويشير إلى أن رفيقه تعرّض للاعتقال مرة أخرى لمدة عشرة أيام خلال الحراك الشعبي في منتصف شهر آذار/ مارس الفائت، وكان حينها من أشد المناصرين له ولفعالياته، وكان مشاركاً دائماً في الحملات الداعمة له على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولفت إلى أن تامر تغيّر كثيراً بعد الاعتقال الأخير لا سيما أنه تعرّض خلاله للإهانة والحط من الكرامة، لذلك سارع في إجراءات السفر من غزة بحثاً عن حياة أفضل وليتخلص من الظلم الذي لاقاه على مدار سنوات طويلة.

يستذكر عابد الذي اعتُقل مع صديقه أكثر من مرة مواقف واجهاها معاً في السجن، ويقول: "في يوم 26 شباط/ فبراير الماضي كنا معتقلين ونتجهز للترحيل إلى السجن المركزي. وقتها استبدل الأمن أسماءنا بأرقام فكان رقم تامر (6202) ورقمي (6203)، وأبلغونا أن هذين الرقمين سيرافقاننا كبديل عن اسمينا"، ويضيف: "عصبوا أعيننا واقتادونا إلى الحافلة وهم ينهالون علينا بالشتم والضرب، فاعترض حينها تامر على ذلك، فانهال عليه رجل أمن ضخم الجثة بالضرب والشتم".

"تامر كان يعاني في أوقات كثيرة من ضعف في السمع تضاعف تأثيره بسبب تعرضه لعدد من الضربات على رأسه في السجن" يروي عابد، منبهاً إلى أن ذلك كان يؤثر على تأخر إجابته حين ينادى على رقمه، ما كان يسبب له الضرب والإهانة من جديد، دون مراعاة لوضعه الصحي.

وفي ختام كلامه يؤكد أن مطلبه وكل "محبي الشهيد تامر" هو أن يعود جثمانه إلى وطنه "ليُلقوا عليه نظرة الوداع الأخيرة ويعاهدوه على مواصلة درب البحث عن الحرية".

ونعى حراك "بدنا نعيش"، في بيان نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، "رفيق النضال وأحد الناشطين في العمل الاجتماعي والإعلامي"، مشيراً إلى أنه توفي "بعد رحلته في البحث عن حياة كريمة، هروباً من الواقع السياسي الذي اتسم بالقمع والتعذيب لكل مَن يطالب بحقوقه".

وأضاف البيان أنه "حيال هذه الفاجعة نعتقد أن جدار الخزان سيتم طرقه مجدداً، لنسترد كرامتنا، وننقذ شبابنا من التوجه نحو الهجرة".

الفقيد تامر مع صديقه أمين عابد وصديق آخر

منصات التواصل الاجتماعي تنتفض

حالة من الغضب الشديد عمّت منصات التواصل الاجتماعي منذ إعلان خبر الوفاة. نشر عشرات المغردين الفلسطينيين تغريدات عبّروا فيها عن استنكارهم للحادثة ولما تعرض له السلطان من انتهاكات من قبل الأجهزة الأمنية في غزّة.

ومن بين المتفاعلين مع القضية كان الكاتب محمود جودة الذي قال: "اكتبوا اسم تامر على جدران المخيمات، وفي الأزقة، اكتبوه على حوائط مراكز التوقيف، والمساجد والكنائس، وعلى أبواب منازل قادة الأمن، والجنود، ومسؤولي الفصائل".

وأضاف: "اكتبوه في بيوتكم، سموه لأطفالكم، شيدوا باسمه الميادين، حاصروا باسمه كل مَن سجن وعذب وأمر بالاعتقال، ومَن صمت عنه، حاصروهم جميعاً باسم تامر السلطان، اجعلوا أثر جريمتهم حيّاً إلى الأبد، عاقبوهم باسم تامر وتعبه وشوق أطفاله له، حاصروهم بدم تامر وصورته، اسجنوهم في ثوب الخطيئة إلى الأبد، وعندما يوقفك رجل الأمن ويسألك عن اسمك، قل له: اسمي تامر السلطان".

ونشر الصحافي فارس الغول منشوراً على فيسبوك قال فيه إن "تامر سلطان مات ظلماً مرتين، مرة عند هجرته وخروجه من غزة بسبب ظلم الحكومتين في الضفة وغزة والحصار، ومرة عندما مات وأصبح الجميع يتبادل الاتهامات ويحمّل الطرف الآخر مسؤولية وفاته".

وعلق الناشط محمد أبو القمبز على الحادثة قائلاً: "تامر السلطان الأب لثلاثة أولاد هو شهيد لقمة العيش، شهيد البحث عن الكرامة والحياة الكريمة، شهيد الهروب من الظلم وبطش الميليشيات، شهيد التعبير عن الرأي وقول الحق، شهيد رحلة الموت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard