مدينة ماضي الأثرية في مصر... شاهدة على عصور التاريخ

الاثنين 26 أغسطس 201904:38 م



لمحة عن الفيوم

تقع الفيوم على بعد من القاهرة يقدّر بـ100إلى 120كم، وهي أرض زراعية خصبة تتمتع بطبيعة خلابة وتحفل بالعديد من المواقع الأثرية الهامة، إلا أنها مازالت حتى الآن غير معروفة سياحيًا لدى الكثيرين على المستوى العالمي.

اسم الفيوم مشتق من كلمة "بيوم" التي تعني البحيرة أو بركة الماء. وكانت المستنقعات تنتشر بالفيوم، وقد شكلتها المياهُ العذبة التي كانت تنبع من أحد فروع نهر النيل القديمة (بحر يوسف)، والمياه المالحة التي كانت تنبع من بحيرة موريس الكبيرة (بحيرة قارون). واستمرّ هذا الوضع إلى أن قام ملوك الأسرة الثانية عشرة بتطهير ورَدمِ هذه المستنقعات، وتحويلها إلى محميات طبيعية، وكان على رأس هؤلاء الملوك، الملك إمنمحات الثالث، الذي تمّ تقديسه في فترة العصرين البطلمي والروماني تحت اسم براماس–برومانرس.


ومع الوقت أقيمت، وفي فترات عدة، على الشاطيء الجنوبي من بحيرة قارون، العديدُ من الفنادق التي تتيح للزوار فرصة قضاء رحلة قصيرة أو طويلة على ضفاف هذه البحيرة الغنية بالأسماك، والتي يمكن منها الوصول بسهولة إلى المواقع الأثرية والتاريخية والطبيعية داخل إقليم الفيوم، الذي أصبح حديقة غنّاء في مصر، فضلاً عن كونه منطقة أثرية مهمة، وإن كانت معظم آثارها قد تلاشت أو كادت، فما كاد يبقى من "كريكوديلوبوليس"، عاصمة هذا الأقليم شيء، ولا حتى من أماكن إقامة ملوك الأسرة الثانية عشرة بالقرب من هرم سنوسرت الثاني بقرية اللاهون وهرم إمنمحات الثالث بقرية هوارة، الذي كان متصلاً بمعبد للشعائر الجنائزية يُعرف باسم الـ"لا برنت" أو قصر التيه.

وإلى الشمال من بحيرة قارون وفي منطقة قصر الصاغة، يوجد معبد هامّ غير مكتمل وغير مزخرف، ربما يعود تاريخ تأسيسه إلى فترة الدولة الوسطى. وما يميّز هذا المعبد هو وجود ثلاث مقصورات مفتوحة على صالة عرضية، أما غرب البحيرة فيوجد معبد قصر قارون أو معبد ديونسايس القديم الذي يعود إلى العصر البطلمي.

وأبرز المدن التي مازالت آثارها في حالة جيدة حتى الآن تعود إلى العصر البطلمي والروماني، ومعظمها يقع جهة الأطراف الرملية للواحة القديمة. من بين هذه المدن بقايا قرية كوم أوشيم (كارانيس)، وأم الآثل (باكخياس)، وديمة (سكنو بايوس نيسوس)، مدينة ماضي (نارموثيس) أو كوم ماضي.

هذا ويحتفظ موقع مدينة ماضي بأكبر عدد من بقايا المعالم الأثرية الموجودة في الفيوم، وإليها كان القصد والزيارة.

زيارة الفيوم

كنت قد سمعت من أصدقاء لي عن المدينة، وما فيها من آثار مكتشفة منذ سبعينيات القرن الماضي على يد الأثري الإيطالي أكيلي فوليانو المبتعث من جامعة بيزا، وبفضل تضافر جهوده وتعاون بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة بيزا، برزت مدينة ماضي، والتي أطلق عليها البعض مؤخرًا اسم أقصر الفيوم، فهي تحتفظ بالمعبد الوحيد في مصر الذي يعود تاريخه للدولة الوسطى والذي تزينه النصوص الهيروغلفية والمناظر المنحوتة، كما تحتفظ بمعالم أثرية أخرى من العصر البطلمي والروماني والقبطي، هذا إلى جانب فخرها وزهوها بمعابدها الثلاثة ومقصورة إيزيس وطريق الاحتفالات وتماثيل الأُسود وتماثيل أبي الهول المصغّرة والميدان الروماني الرائع ذي الأروقة. وجميع هذه الشواهد تمّ تقويتها في ختام أعمال الترميم التي تمّت بها.

 تحتفظ مدينة ماضي بالمعبد الوحيد في مصر الذي يعود تاريخه للدولة الوسطى والذي تزينه النصوص الهيروغلفية والمناظر المنحوتة، كما تحتفظ بمعالم أثرية أخرى من العصر البطلمي والروماني والقبطي

قرّرت وبشغف بعد البحث والتنقيب ما بين مواقع الإنترنت وسؤال كلِّ من بيده معلومة، زيارةَ هذه المدينة التي قيل لي عنها إنها أول حديقة أثرية في مصر.

فعزمت وحزمت أغراضي وانطلقتُ محملاً بتشجيع صديق عزيز قرّر أن يصطحبني بسيارتِه، بعد أن أخذه شغف الاكتشاف والزيارة مثلي. فسرنا سوياً من الطريق المعتاد، وهو طريق صعب وممتع في ذات الوقت، يمتدّ من جهة الشرق عبر قرية أبو النور وقرية أبو جندير الواقعتين جنوب النطاق الإداري لمركز ومدينة أطسا، محاذيًا ترعة بحر النزلة، أحد فروع بحر يوسف الذي يربط أراضيها الزراعية بعضها ببعض.

وعلى مسافة تبعد عن قلب مدينة أطسا تقدّر بـ25كم، وبعد خوض الغمار لطريق زاهر بالأراضي الزراعية الممتدّة على مدى البصر، تقع بوابة حديقة مدينة ماضي الأثرية جهة الغرب. وصلنا إليها بعد عبور طريق بيئي غير ممهّد يربط بين منطقة مدينة ماضي الأثرية وبين محمية وادي الريان التي تضم منطقة وادي الحيتان، ذلك المتحف الطبيعي المفتوح الواقع جهة الشمال الغربي لمنطقة وادي الريان، والتي أضحت منطقة جذب سياحي متواصل ومتزايد، وقد تمّ إعلانها محمية طبيعية عام 1989.

ولمدينة ماضي تاريخ طويل ممتدّ عبر آلاف السنين، بدأ منذ 4000 سنة، وتعاقبت فيه الأحداث طيلة عمرها المديد، حتى احتلّت في نهاية المطاف مكانة بارزة على خريطة مصر الأثرية.

بدأ مولد مدينة ماضي خلال فترة الدولة الوسطى 2123ق.م-1778ق.م، مع تأسيس قرية اسمها (جيا) في إطار أعمال الاستصلاح الزراعي لإقليم البحيرة (الفيوم حاليًا). ومع تشييد معبد بدأه إمنمحات الثالث 1842ق.م-1794ق.م، وأتمّه خليفته إمنمحات الرابع 1794ق.م-1785ق.م.

وكان هذا المعبد مكرّساً لعبادة الكوبرا (رننوتت) والتمساح (سوبك)، إله إقليم البحيرة بأكمله، وإله عاصمته شديت التي أصبحت في ما بعد "كريكوديلوبوليس"، وكان المعبد مكرساً أيضاً للإله حورس القاطن في شديت، وهو أحد صور الإله سوبك.

ومنذ الدولة الحديثة طوال سبعة قرون، هجر السكّان المدينةَ والمعبد الفرعوني تدريجيًا ففقد المعبد أهميّته بعد أن غطّته الرّمالُ، ولحق بأجزائه الخراب.

ومع العصر البطلمي (القرن الرابع–الأول قبل الميلاد) استعاد إقليم الفيوم أهمّيته على يد بطليموس الثاني وخلفائه؛ وخلال القرن الثالث والثاني قبل الميلاد نهضت مدينة جيا من جديد باسم يوناني هو "نارموثيس" (مدينة رننوتت-هيرموثيس)، حيث تمّ ترميم وإعادة بناء معبد إمنمحات الثالث وإمنمحات الرابع، وتمّ توسيع مساحة المعبد جهة الجنوب والشمال بإضافة معبد جديد وإقامة سور طويل حول أرض المعبد المقدسة.

وخلال فترة العصر الروماني ظلّت المدينة حية منتعشة، وحتى أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الميلادي، إلى أن ضربها الهجر والترك مرّة أخرى عندما هجر السكان تدريجيًا منطقة المعابد القديمة، وغطّت أرضها أكوام الأتربة والرّمال والأحجار.

تزايد باستمرار انتقال السكّان جهة المنطقة العمرانية الجنوبية، حيث سكنوا المنازل القديمة المهجورة، وبنوا مساكن جديدة لهم أكثر وأكثر.

وخلال فترة حكم الإمبراطور دقلديانوس (القرن الرابع–الخامس الميلادي) تمّ بناء معسكر نارموثوس (50م×50م) في ضاحية المدينة (الطرف الشرقي). وكان هذا المعسكر يستضيف جنود كتائب عدّة، مما يؤكد أهمية مدينة نارموثيس الإستراتيجية.

وخلال العصر القبطي استقرّ السكان في المنطقة الجنوبية وشيّدوا كنائس متعددة خلال القرن الخامس والسادس والسابع تتميز إحداها بتخطيط فريد يتألف من 13 جناح.

وجدتُ في موقع مدينة ماضي الأثرية السلوى التي دائماً ما تحرّك روحي نحو التأمّل والوله بفعل التاريخ وجماله الذي أسرني، مستمتعًا بما يلقيه في طريقي من معلومات، السعيُ إليها بصحبة التصوير الفوتوغرافي يشعرني بلذة متناهية، يبدو أنه كما يقول المصريون في أمثالهم: أن النداهة ندهتني

ومن القرن الثامن إلى القرن الحادي عشر اقام العرب في بعض أجزاء المدينة ولكنهم ما لبثوا أن هجروا المكان الذي صار يعرف باسم مدينة ماضي، وهو الاسم الوارد على خرائط الفيوم في كتاب موسوعة وصف مصر الذي ألفه فريق من علماء الحملة الفرنسية على مصر.

إلى أن اكتشف أكيلي فوليانو عالم الآثار والبرديات الإيطالي موقع مدينة ماضي، وعكف على دراستها في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي، وعثر فيها على أهمّ البقايا والقطع الأثرية، مثل معبد إمنمحات الثالث، وإمنمحات الرابع، ومجموعة المعابد التي ألحقت به خلال العصر البطلمي والروماني، مما أحدث صدى كبيرًا في عالم الآثار، والذي يُعدّ من أهم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين.

الشاهد في الامر أنني وجدت في موقع مدينة ماضي الأثرية السلوى التي دائمًا ما تحرّك روحي نحو التأمّل والوله بفعل التاريخ وجماله الذي أسرني، ولازال في شباكه منذ صغري وحتى ما بعد فترة دراستي الجامعية، مستمتعًا بما يلقيه في طريقي من معلومات من جعبته، السعي إليها بصحبة التصوير الفوتوغرافي يشعرني بلذة متناهية، يبدو أنه كما يقول المصريون في أمثالهم: أن النداهة ندهتني.

ما يلي من صور هو محاولة توثيق صغيرة لآثار مدينة ماضي (حديقتها الأثرية/ الدروموس أو طريق الاحتفالات/ أزواج الأسود/ الجوسق الشمالي والجنوبي/ بوابة ايزيس/ المعابد/ حضانة التماسيح).






إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard