في ليبيا كل شيء يوصل إلى الموت… حتى الحصول على رغيف خبز

الخميس 22 أغسطس 201904:27 م

في مدينةٍ تقع في منتصف الصحراء الكبرى الليبية، لا وجود للخبز، الدقيق والبنزين أيضاً، ولهذا السبب انطلق أبو بكر بسيارته نحو مدينةٍ قريبة جداً من مدينته، تبعد فقط مائتي كيلو متر تقريباً، لغرض الحصول على أكياس دقيق تستطيع والدته خبزها على الحطب، فالمسافات في الصحراء الليبية لا تقاس بالكيلومترات، بل ببعد النجوم عن بعضها البعض، وما أقرب النجوم في سماء الصحراء الليبية، وما أبعد حاجات الإنسان عنه للعيش فوقها.

 أبو بكر شاب في بداية عشرينيات العمر، ارتكب خطأه عندما قصد المدينة وعاد محمِّلاً سيارته بأكياس الدقيق في وضح النهار، حيث نسي أمر اللصوص وقطّاع الطرق، والذين أصبحوا لا يتسترون بظلام الليل، بل يعملون على مدار الساعة، وهو أمر كلّفه رصاصة في الجمجمة وأخرى في عموده الفقري، جعلته يعاني من شللٍ في مدينةٍ لا مستشفيات فيها ولا مواصلات سريعة لأقرب مستشفى عبر الصحراء.

بعد تعرّضه لوابلٍ من الرصاص أثناء فراره من قراصنة الصحراء، وجد أبو بكر نفسه مرمياً في غرفةٍ سيّئة التجهيز في مستشفى محلي غير قادر على الحركة، والآلام لا تقف عبر كل جسده، وهو وضع بقي يعانيه أبو بكر برفقة عائلته وأخيه محمد لمدى سنتين، قضى كثيراً منها على الطرقات بين العاصمة الليبية تارةً والعاصمة التونسية تارةً أخرى، قبل أن يتحصّل على فيزا للسفر نحو العاصمة الألمانيّة برفقة أخيه فقط.

وسأخبركم قصة فيزا السفر هذه، والتي رمت بالشقيقين في مدينة دوسلدورف الألمانية، لا يعرفان فيها أحداً، ولا أحد يعرف ماذا يريدان، وهما يتحدّثان لغة لا يتقنها أحدٌ خارج الصحراء الكبرى نفسها، حيث التقيت بهما صدفة بمعونة مواقع التواصل الاجتماعي، وعرضت عليهما مساعدتي التي أستطيع تقديمها، وهي ليست بالمساعدة التي توصل إلى حل، فمشكلة أبو بكر هي أكبر تعقيداً من أن يستطيع حلّها شخص واحد.

بعد فشلهما في الحصول على فيزا علاجية، وجد "محمد" نفسه بمعونة وساطة أحد منسّقي رحلات علاج ثوار ليبيا إلى الخارج، في حضرة السفير الألماني في تونس، والذي ما أن رأى حالة أبو بكر حتى أخبر موظفيه أن يصدروا فيزا للشخص الذي أنهكه ألم ساقيه المشلولتين، وثقب في أسفل ظهره بسبب النوم لعامين في مكانٍ واحدٍ، واعتقد "محمد" أن وجوده في قائمة جرحى ثوار فبراير سيضمن لأخيه علاجاً ممكناً في ألمانيا.

خرج الشقيقان من السفارة، واختفى موظف وزارة الجرحى والشهداء و"القتلى" الليبية، ليجدا نفسيهما أمام خيارٍ واحدٍ لا غير، وهو السفر إلى ألمانيا برفقة لا أحد، لقد كان أبو بكر هنا مجرّد اسم في قوائم اختلاسات المال العام الليبي، وهي عادة ليبية يزاولها الكثيرون، دونما اهتمام أن الأمر قد يكلّف حياة إنسان آخر برمّتها.

برفقة أخيه فقط، ودون وثيقة علاج، لكن مع ورقة تحوي عنوان مشفى في برلين، ومبلغٍ ضئيل من المال يكاد ينتهي وهو يدفع تكلفة إقامته في تونس، بالإضافة الى صياح أخيه الذي لم تعد مسكّنات الألم تعينه على تحمّل طعنات آثار الرصاص في عموده الفقري، وجد محمد نفسه في طائرة هي الأرخص، لكن نحو دوسلدورف، لا نحو برلين، حيث يمتلكان فقط ورقة مكتوباً فيها عنوان مستشفى.

 ارتكب أبو بكر "خطأه" عندما قصد المدينة وعاد محمِّلاً سيارته بأكياس الدقيق في وضح النهار، حيث نسي أمر قطّاع الطرق، وهو ما كلّفه رصاصتين جعلتاه يعاني من شللٍ في مدينةٍ لا مستشفيات فيها ولا مواصلات سريعة لأقرب مستشفى عبر الصحراء الليبية

لا زالت ليبيا شبه دولة لا تكترث لأمر مواطنيها في الداخل كما في الخارج، في قصّة مثلها العشرات، لكن الحظ الذي كشّر عن أنيابه لأبي بكر وابتسم بعدها نصف ابتسامة، لا يصادف الكثيرين في ليبيا، حيث كل شيء يوصل إلى الموت، حتى الخبز

وفي فندق يهدّد بانتهاء النقود التي يمتلكها، والتي كانت ثمن مجوهرات والدته، والتي لم يجدوا سواها لبيعها وسداد ثمن تذاكر السفر والإقامة في طرابلس، تونس وألمانيا، عبر رحلةٍ يملأها الخوف والألم والمعاناة، وجد الشقيقان نفسيهما في موقف لا يحسدهما عليه أحد، ليطلق صديقٌ لهم نداء استغاثة على صفحات "الفيس بوك" وألقاها أنا، كوني ببساطة أقيم في المدينة نفسها التي يوجد فيها الفندق.

بدأت الرحلة يومها والتي لم تنته إلى اليوم، لكن عبر هذه الرحلة وجد أبو بكر بصيص أملٍ للتخلّص من آلامه المبرحة، بينما طبيبٌ ألماني يكشف عن حالته في سيارة إسعافٍ طلبها له شرطي قصدناه سائلين المساعدة، ليقف الشرطي مذهولاً من الجسد المتهالك أمامه على كرسي متحرّك، ومن ثم في مستشفى في وسط المدينة، حيث كنت أترجم بين المريض وشقيقه من جانب والأطباء المعالجين من جانبٍ آخر بلغتي الألمانية، حيث أخبرني الطبيب أنهم لا يستطيعون، وبسبب عوائق القانون والتأمين الصحي، إدخال أبو بكر للمستشفى، وهي نفس الحجّة التي احتج بها الشرطي، والذي بعد الاطلاع على جوازات سفر الشقيقين والفيزا سارية المفعول، أخبرني أنّه لا يستطيع فعل شيء، وأنه عليهما السفر إلى مدينة "بوخوم" حيث هناك وهناك فقط، يمكنهما طلب اللجوء الإنساني، وسيكون لهما وضع قانونيّ جديد يسمح بإجراء أي تدخّل طبي ممكن.

وعبر الهاتف رافقت الأخوين في رحلتهما عبر القطار إلى المدينة سالفة الذكر، وهم يطلبون المساعدة من المارة، وما أكثر الطيبين في شوارع ألمانيا، وما أقلهم في مؤسسات الدولة الليبية... وبعد أيامٍ من ختم الأوراق والتنقل بين مؤسسات اللجوء وأماكن إقامة اللاجئين، وهي عملية أنهكت الأخوين، انتهى الأمر بقبول لجوء أبو بكر ورفض طلب أخيه محمد، ليبقى أبو بكر يتنقّل بين المستشفيات الألمانية، ويتلقى محمد، رغم رفض لجوئه، معونةً شهرية هو وأخوه، وغرفةً مجانية ينامان فيها، وهو يرافق أخيه بين المستشفيات التي بقيت تحاول حل مشكلة آلام أبو بكر المزمنة، لكنّ جروحه بدأت في الالتئام، ووزنه بدأ في الزيادة، واختفت مشاعر الخوف، المعاناة والألم، رغم وجود شيء قابعٍ في قلب كل من الأخوين، ويهاتفني محمد قائلاً إنه متعب، وأن البيروقراطية الألمانية أرهقته، لكن ليس بمقدار التعب الذي رآه في وطنه، حيث فقد شقيقه نصف جسده فقط لأنه أراد أن يأكل رغيف خبز.

ولا زالت الرحلة الشاقة للشقيقين لم تنتهِ، ولا زالت ليبيا شبه دولة لا تكترث لأمر مواطنيها في الداخل كما في الخارج، في قصّة مثلها العشرات، لكن الحظ الذي كشّر عن أنيابه لأبي بكر وابتسم بعدها نصف ابتسامة، لا يصادف الكثيرين في ليبيا، حيث كل شيء يوصل إلى الموت، حتى الخبز.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard