"ماذا لو أطلقت النار؟ درّبناك على ذلك"... جيش الاحتلال يتخلى عن جنوده المضطربين نفسياً

الخميس 22 أغسطس 201902:48 م

يبلّغ جندي إسرائيلي واحد من أصل 12 بإصابته باضطرابات ما بعد الصدمة، ولكنّه يكافح من أجل تلقي المساعدة.

هذا ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانية في 21 آب/أغسطس في تقرير لها بعنوان "اتهام الحكومة الإسرائيلية بالتخلّي عن جنودها الذين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)" ناقلةً شهادات جنود أدّت انتهاكاتهم بحقّ الشعب الفلسطيني إلى إصابتهم باضطرابات ما بعد الصدمة  وهي حالة نفسية تتطلب العلاج ناتجة لتعرّض الشخص لحدث صادم.

واستندت الصحيفة في تقريرها إلى وثائق وشهادات من جماعات الصحة العقلية في إسرائيل إلى جانب مجندين سابقين، مشيرةً إلى أن عدم الاعتراف بالمشاكل النفسية الناتجة عن الانتهاكات ترك العديد من الجنود السابقين من دون علاج بعد مغادرتهم جيش الاحتلال الإسرائيلي.

"أطلقتُ الرصاص على أول فلسطيني قبل بلوغي الـ19 عاماً. أصبت بجنون. كنت أحرق الأشياء، ضربت أمي، وكنت أستيقظ من نومي متبولاً على سريري"… جنود إسرائيليون يقدمون شهاداتهم بعد إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة لانتهاكهم حقوق الشعب الفلسطيني
يبلّغ جندي إسرائيلي واحد من أصل 12 إصابته باضطرابات ما بعد الصدمة نتيجة الانتهاكات التي يمارسونها بحق الشعب الفلسطيني الذي يعاني 54% من فتيانه و47% من فتياته بين 6 و12 سنة، اضطرابات انفعالية أو سلوكية نتيجة العنف… وهذه بضع الشهادات

أطلقتُ أول رصاصة قبل الـ19 عاماً

وفي شهادة نقلتها الغارديان، قال طبيب مسعف وضابط قائد في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أور إيلون (24 عاماً): "أطلقتُ الرصاص على أول شخص فلسطيني قبل بلوغي الـ19 عاماً". 
ولفت إلى أنه عانى أعراضاً حادة نتيجة إصابته باضطراب ما بعد الصدمة، قائلاً: "أصبت بجنون. كنت أحرق الأشياء، ضربت أمي، وكنت أستيقظ من نومي متبولاً على سريري... إنه أمر مخيف".
وتم تشخيص إيلون والتأكد من إصابته باضطراب ما بعد الصدمة مباشرةً بعد إنهاء فترة خدمته العسكرية، إلا أن الأمر تطلّب ثلاث سنوات لتعترف وزارة الدفاع بمرضه، وهذه خطوة أساسية لتلقي العلاج الذي تدفع الحكومة تكلفته، وفقاً للغارديان، وهذا ما دفع إيلون لقول: "يريدونك أن تستسلم… فيدخلونك في متاهات". 
وخاض جيش الاحتلال الإسرائيلي ثلاث حروب كبرى في غزة خلال العقد الماضي. وفي وقت سابق من العام الجاري، اتهمت الأمم المتحدة جنود الاحتلال بإطلاق الرصاص الحي عمداً على المدنيين في قطاع غزة المحاصر. 
وقالت منظمة الصحة العالمية في تقرير حول الأحوال الصحية في فلسطين إنه استشهد في العام الماضي 299 فلسطينياً (منهم 61 طفلاً، و7 سيدات، ومسن واحد) وجُرح نحو 30 ألفاً، بينهم 6239 مصاباً بالرصاص الحي، تعرض 113 منهم لحالات بتر وأصيب 21 مواطناً بالشلل، و9 بفقدان دائم للبصر، ويُعاني 210 آلاف فلسطيني اضطرابات صحية نفسية "وخيمة أو متوسطة" في غزة.
وكما يعاني الجنود الإسرائيليون اضطرابات نفسية، أشار التقرير ذاته إلى أن العنف الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي يؤثر على الصحة النفسية للفلسطينيين، إذ يُعاني 54% من الفتيان و47% من الفتيات بين 6 و12 سنة، اضطرابات انفعالية أو سلوكية.

وماذا لو أطلقت النار؟ درّبناك على ذلك

وأصيب جندي سابق، يدعى بن غور ليفي (39 عاماً)، باضطراب ما بعد الصدمة بعد إطلاقه النار على رجل فلسطيني وقتله ولكنه حارب سنوات عدة ليتلقى اعترافاً رسمياً من وزارة الدفاع.
وقال في شهادته: "الطبيب النفسي في الجيش شخّص حالتي باضطراب ما بعد الصدمة لكن الأمر تطلّب 8 سنوات من وزارة الدفاع للاعتراف به والموافقة عليه. حاولت التهرّب من مسؤوليتها، وقالت لي: 'وماذا لو أطلقت النار على أحدهم؟ لقد درّبناك لتفعل هذا'". 
وأسس هذا الجندي السابق منظمة "جنود إلى الأبد" (Soldiers for Life) مع جندي سابق آخر يدعى إيدو غال رازون لمساعدة جنود سابقين في "العملية" التي يخوضونها كلهم لتلقي اعترافاً بشأن حالتهم الصحية، ومن ثم تلقي العلاج اللازم. 
وقال المحامي والمستشار القانوني السابق لجيش الاحتلال، غاي كونفورت، إن الحصول على اعتراف رسمي بتشخيص اضطراب ما بعد الصدمة عقب الخدمة العسكرية هو "مشروع قانوني كبير"، يتطلّب الكثير من المال، وقد يستغرق سنوات عدة، لأن وزارة الدفاع تطالب بدليل على أن الجندي أصيب خلال فترة خدمته. 
وقال جندي سابق يدعى مور غوزلان (29 عاماً)، تم تشخصيه باضطراب ما بعد الصدمة بعدما تعرّضت وحدته لهجوم عام 2011، إنه لا يزال حتى اليوم يعاني أعراض هذا الاضطراب الذي يتسبب له بنوبات هلع ويجعله غير قادر على مغادرة منزله، مضيفاً: "يطلبون منّي وثائق جديدة لا يمكنني الحصول عليها كل ستة أشهر… مرّت على تلك الحادثة 8 سنوات، أتمنى أن يتحمل الجيش المسؤولية". 
وقالت وزارة الدفاع في تعليق لها إنها "ملتزمة تماماً توفير الرعاية الاجتماعية والصحية للذين أصيبوا أثناء خدمة بلدهم، ولكن يجب على مقدم الطلب إثبات أن الإعاقة قد حدثت أو تفاقمت أثناء خدمته العسكرية أو نتيجة خدمته العسكرية."

الوطنية الإسرائيلية هي معارضة الاحتلال

في سياق متصل، قال الجندي الإسرائيلي السابق آفنير جفارياهو في شباط/فبراير2018 في مقابلة مع الصحافي البريطاني ستيفن ساكور، في برنامج "هارد توك" (Hard Talk) إن أعلى مستويات "الوطنية الإسرائيلية" هي "معارضة الاحتلال". 

وأشار في المقابلة إلى أنه كان يتلقى أوامر لا بد من تنفيذها، أصعبها عليه هو مداهمة أحد المنازل الفلسطينية في نابلس منتصف الليل، راوياً: "أَجبرْت الزوجين وابنتهما على البقاء في غرفة النوم، وجلست في غرفة معيشتهم وعندما طلب الزوج مني الخروج من الغرفة للذهاب إلى الحمام، شعرت أنني في المكان الخطأ".
ولفت إلى أن الجندي الإسرائيلي لا يصحو من نومه، قائلاً: "يجب أن أعنّف الفلسطيني اليوم"، ولكن جيش الدفاع الإسرائيلي يجبره على التفكير في سؤال: "كيف يمكننا البقاء؟". وفي هذا السياق، يؤكد جفارياهو أن هناك "معادلة مخطئة يتم اتباعها وهي فكرة نسف الاستقرار، أي جعل الفلسطينيين غير مستقرين من شتّى النواحي".
 وجفارياهو هو المدير التنفيذي لمنظمة "كسر الصمت" الناقدة لجيش الدفاع الإسرائيلي، التي أُسست عام 2004 لتشجيع جنود إسرائيل الذين ارتكبوا جرائم أثناء خدمتهم على الإدلاء بشهاداتهم لعرض الواقع كما هو، بهدف إيقاف الاحتلال الإسرائيلي.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard