الوجه الآخر للبكاء... الدمع هو الإنسان فلا تخجلوا من دموعكم

الخميس 22 أغسطس 201906:21 م

"الدموع كلماتٌ في القلب، لم يستطع اللسان نطقها ولم يستطع القلب تحمّلها".

البكاء هديةٌ أعطاها الله للإنسان لكي يفرّغ مكنونات قلبه ويعبّر من خلال دموعه عن الحزن، الألم، الغضب وأحياناً الغبطة...

والحقيقة أن هذه القطرات والحبيبات الصغيرة التي تخرج من عيوننا، هي أصدق تعبيرٍ عن مشاعرنا وأحاسيسنا وعن مدى الجرح الكامن في قلوبنا، وبالرغم من محاولاتنا الحثيثة لإخفائها إلا أنها تخرج أحياناً من دون إنذار، فنبكي مرارة الأيام وقساوتها علينا، وقد نبكي أيضاً بعد تجرّع كأس الفرح والنجاح.

 البكاء مرادف للحياة

منذ أن نخرج من رحم أمهاتنا أول ما نفعله هو أن نستقبل الحياة بالصراخ والدموع، فالمولود حديثاً يبكي بعد ولادته مباشرةً بسبب تفتّح القناة التنفسية لأول مرة تزامناً مع خروجه للحياة.

منذ أن نخرج من رحم أمهاتنا أول ما نفعله هو أن نستقبل الحياة بالصراخ والدموع

وهكذا ترافقنا الدموع منذ أن تبصر عيوننا النور لأول مرة، ويمكن اختصار مشوارنا في هذه الحياة بكلمتين: دمعة وابتسامة، وهو كان قد ذكره الأديب اللبناني جبران خليل جبران بقوله: "أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرّها الكآبة من جوارحي وتصير ضحكاً. أتمنى أن تبقى حياتي دمعة وابتسامة: دمعة تطهر قلبي وتفهمني أسرار الحياة وغوامضها، وابتسامة تدنيني من أبناء بجدتي وتكون رمز تمجيدي الآلهة. دمعة أشارك بها منسحقي القلب، وابتسامة تكون عنوان فرحي بوجودي".

فما هي الفوائد الكامنة وراء الدموع؟

في سبعينات القرن الماضي، قام الدكتور ويليام فراي في جامعة مينيسوتا، بتحليل التركيب الكيميائي للدموع المنعكسة، التي تتشكّل استجابةً لأمرٍ ما، كتقطيع البصل مثلاً، مقابل الدموع العاطفية والتي تظهر عند فقدان شخص عزيز مثلاً أو أثناء مشاهدة فيلم حزين...والنتائج التي توصل إليها فراي كانت مذهلة بالفعل: في حين أن الدموع المنعكسة تعمل بشكلٍ عام على حماية العيون عن طريق تنظيفها، فإن الوظيفة الرئيسية للدموع العاطفية هي مساعدة الجسم على التعافي من حالةٍ نفسيةٍ مرهقة، عبر طرد الكورتيزول (المعروف باسم "هرمون التوتر") الزائد من الجسم، ما يجعل الشخص يشعر بالراحة بعد البكاء.

الدموع هي أصدق تعبيرٍ عن مشاعرنا وأحاسيسنا وعن مدى الجرح الكامن في قلوبنا، وبالرغم من محاولاتنا الحثيثة لإخفائها إلا أنها تخرج أحياناً من دون إنذار، فنبكي مرارة الأيام وقساوتها علينا، وقد نبكي أيضاً بعد تجرّع كأس الفرح والنجاح

والمفارقة أن الدموع من شأنها أن تحمي الجسم من الإصابة بالمرض، لكونها تحتوي على "ليزوزيم" وهي مادةٌ طبيعيةٌ مضادة للجراثيم يمكنها تدمير ما يصل إلى 95% من البكتيريا التي تتلامس مع أعيننا في غضون 10 دقائق.

هذا وتحتوي الدموع أيضاً على "لوسين إنكفالين"، وهو أندورفين مسؤول عن الحدّ من الألم وتحسين الحالة المزاجية، لذلك فإن البكاء يجعل المرء يشعر بتحسن من خلال إطلاق مسكّنات ألمٍ طبيعية.

ماذا عن الشق العاطفي والروحاني الكامن وراء الدموع؟

تكشف كارلا ماكلارن، صاحبة كتاب The Language of Emotions: What Your Feelings Are Trying to Tell You أن الحزن، بعيداً عن كونه عاطفة سلبية، يجلب معه الشعور بالتحرّر، الانسياب والراحة...مشيرةً إلى أن إطلاق الدموع الحزينة هي طريقةٌ طبيعيةٌ يستخدمها الجسم والعقل والروح، لمعالجة الفترات النفسية الصعبة.

وفي السياق نفسه، أكّد علماء النفس في سبعينيات القرن الماضي أنه عندما يقوم الشخص البالغ بذرف الدموع، فهذا يدلّ على الشفاء والتكيّف بدلاً من الاستمرار في الضيق، بمعنى آخر فإن الدموع تجعل المرء ينسى همومه بشكلٍ أسرع وتساعده على المضي قدماً في دروب الحياة.


البكاء أمام الناس

الحقيقة أننا نبكي كثيراً بيننا وبين أنفسنا خاصة في عتمة الليل، والوسادة هي الشاهد الرئيسي على ذلك، فهي التي تستقبل أوجاعنا وتفتح أذنيها لسماع أنيننا في الليل، أما في الصباح فإننا ننهض من فراشنا وكأن شيئاً لم يكن، أو على الأقل نوهم أنفسنا بذلك، فنتجهز للخروج من قوقعتنا، دون أن ننسى بالطبع أن نضع الابتسامة على ثغرنا حتى لا يكشف أحد سرّنا.

لماذا نحاول أن نقمع دموعنا في العلن؟

"البكاء في العلن هو دليل ضعف وموقف يسبب الإحراج"، هذا ما رسّخته الموروثات الثقافية والاجتماعية في رأسنا، غير أن هذه النظرة خاطئة، فالبكاء ليس مرادفاً للضعف، وفق ما أكّدته الروائية والشاعرة الإنجليزية شارلوت برونتي بقولها: "البكاء لا ينمّ عن ضعف منك، فمنذ لحظة ولادتك هو الدليل على أنك على قيد الحياة"، غير أن التداعيات الإيجابية لإظهار المشاعر والبكاء على الملأ قد تختلف وفق الآراء الشخصية عن البكاء.

فقد خلصت دراسة أجرتها ليا شارمان، إلى أن آراء الشخص عن البكاء تؤثر على مدى استعداده للبكاء، وعلى حالة الشخص النفسية بعد البكاء.

واعتبرت شارمان أن معتقدات الشخص وتوقعاته عن البكاء والسياق الاجتماعي وكذلك تجاربه الخاصة السابقة، قد تؤثر على عدد المرات التي يستسلم فيها للبكاء وشعوره بعده، وحتى على نظرته لجدواه، وما إذا كان يساعده في التعامل مع الحدث المثير للانفعالات.

وبهدف استكشاف آراء الناس إزاء البكاء، ابتكرت شارمان وأعضاء فريقها اختباراً قياسياً، ففي البداية تم طرح على مجموعةٍ من المتطوعين بعض الأسئلة مثل: كيف تقيّم تأثير البكاء على أنفسكم عندما تكون مع الآخرين؟ ومن ثم تمّ وضع مجموعة مؤلفة من 40 عبارة ليختار من بينها المشتركين الإجابة التي تناسبهم، مثل "بعد البكاء أشعر بالإفراج عن التوتر العاطفي"، أو "البكاء أمام الآخرين يجعلني أشعر بالضعف"...

وقد تبيّن لشارمان أن هناك 3 معتقدات رئيسية تدور حول البكاء:

-البكاء على انفراد هو أمرٌ مفيد: إن الأشخاص الذين يتبنون هذا المعتقد، يؤيدون بعض العبارات مثل: "البكاء يساعدني في التنفيس عندما أشعر بالإرهاق"، أو "سوف أشعر بالراحة على المدى البعيد لأنني بكيت".

-البكاء على انفراد غير مفيد: يعتقد هؤلاء الأشخاص أن البكاء بمعزل عن الآخرين يجعلهم يشعرون بالسوء عندما يكونوا لوحدهم.

-البكاء في العلن أمرٌ غير مفيد: يعتبر هؤلاء الأشخاص أن البكاء في العلن وأمام الآخرين (إن لم يكونوا من الأصدقاء أو أفراد العائلة)، يجعلهم يشعرون بالخزي والعار، أما البكاء أمام الزملاء في العمل فيجعلهم عرضة للأحكام المسبقة.

وعندما جمع أعضاء الفريق النتائج، تبيّن لهم أن المشتركين يجمعون على أن البكاء على انفراد لن يضرّ، بل قد يساعد في التغلب على المشاعر السلبية، في حين أن نصف المشتركين تقريباً يرون أن البكاء في العلن ليس مجدياً.

وخلصت شارمان إلى القول إن هناك ارتباطاً بين نظرتنا للبكاء وبين سلوكياتنا، فإذا كنا ننظر للبكاء مثلاً على أنه سلوك غير مقبول، أو أننا نظن أن الآخرين يتوقعون منّا أن نكون دائماً إيجابيين، فقد نميل إلى كبت مشاعرنا ونجاهد لإخفائها عن الآخرين.

وقد يرجع هذا الانقسام في آراء المشاركين إلى أن تأثير البكاء في العلن على الحالة النفسية يخضع لعوامل عديدة، مثل نظرة الناس للأشخاص الذين يبكون.

وكتبت شارمان في نهاية الدراسة، أن نظرة المرء للبكاء تتغير على مدى حياته بحسب انطباعات الآخرين وردود فعلهم المختلفة إزاء بكائه، وقد تؤثر آراء المرء عن البكاء- التي شكلتها ردود فعل الآخرين- على مدى استعداده للاستسلام للبكاء مستقبلاً، إلى أن يأتي الوقت الذي يشعر فيه بأنه يحتاج لتغيير آرائه لأنها لم تعد تجدي نفعاً.


البكاء حكر على النساء؟

منذ الصغر يعلّمنا المجتمع المعايير الاجتماعية عن الأساليب المقبولة وغير المقبولة للتعبير عن المشاعر، وهذه القواعد قد تختلف باختلاف النوع الاجتماعي.

فقد وجدت دراسة هولندية أن الرجال يبكون أقل ولفتراتٍ أقصر من النساء، وذلك يعود بشكلٍ خاص إلى الصورة النمطية السائدة: بكاءُ الرجل ضعفٌ ونقصٌ في رجولته.

وفي هذا الصدد كشف موقع سيكولوجي توداي أن الذكور يتربون على كبت مشاعرهم وقمع دموعهم، وفي حين أن هناك اختلافات ثقافية هائلة حول متى وتحت أي ظرف يُسمح للرجال بالبكاء، فإنه يتوقع من الرجال في الغالب أن يكونوا باردين وغير عاطفيين في معظم الحالات.

وفي الكثير من المجتمعات وبخاصة العربية منها هناك محاولة مستمرة لقمع الدموع وحصرها في قالبٍ أنثوي، وكأن الرجل كائن صلب مكوّن من الفولاذ وممنوع عليه أن يبكي، بحسب ما ترسخه الأفكار التقليدية المتعلّقة بالذكورة والأدوار الجندرية: "الرجال لا يبكون، النساء وحدهنّ من يبكين".

بخلاف أخته، لم يكن يُسمح لأنطوني (27 عاماً) بالبكاء حتى وهو طفل صغير: "من نحنا وصغار ربونا أهلنا على فكرة إنو أوعا تبكي متل البنات...عيب إنت صبي"، ويكشف الشاب اللبناني الذي يعمل في شركةٍ هندسة أن هذا الموضوع كان يزعجه، فيقول لرصيف22: "كنت حس أوقات إني عم بختنق من جوا، وكل ما بدي ابكي فوت على الغرفة وسكر الباب وحط موسيقى عالية تما حدا يسمعني"، أما عن الدموع التي غدرت به وخرجت إلى العلن من دون أن يتمكن من إخفائها يقول: "مرة واحدة بحياتي بكيت قدام حدا كانت قدام البنت يلي بحبها وقتا طلبت مني إنو ننهي العلاقة".

بدوره يتحدث عمر (60 عاماً) وهو شابٌ مصري يعمل في مجال الفن، عن تعامل المجتمعات العربية مع الغريزة الإنسانية وحاجة المرء إلى البكاء، فيقول: "الإنسان كيان واسع، بعض الثقافات تقدّر أشياء وثقافات أخرى تقدر أشياء أخرى، فالاستجابة المكبوتة للغريزة محببة لدى العرب المحافظين، هكذا الأمر بالنسبة إلى الدموع عند الرجل"، ويضيف: "في ناس منسجمة مع قمع الدموع وناس لا، وناس بتندم لو بكت...".

وعن تجربته الخاصة مع البكاء، يقول لرصيف22: "أنا كانت دمعتي قريبة...في صديقة رفضت علاقتها معي بسبب إني مش رجل كفاية، مش قاسي كفاية ...نوع من الذكورية مثير لمشاعر وغرائز بنات كتيرة في مجتمعاتن"، وعمّا إذا كان يفضل إطلاق العنان لدموعه في العلن أم في الخفاء، يجيب: "في أوقات الثورات والاضطرابات كنت ببكي كتير في العلن، أما فيما يحدث لأصحابي أغلق غرفة المكتب علي، وأضع رأسي على الطاولة، ومع الأيام تعودت أحوش دموعي وأبكي كل يوم قبل النوم".

البكاء هو الاستسلام والقبول والخضوع إلى حقيقة ما نشعر به، فنحن في نهاية المطاف نبكي عندما تتحرّك الأوجاع داخلنا، نبكي لنكسر حلقة الموت ونحيا من جديد

هذا وقد أكّد عمر أنه عندما نحزن في السرّ فإن هذا يعني أننا نواجه الجانب المظلم من الحياة لوحدنا: "الحزن زيّ الحب بيكون أنبل وصحي لما يكون حالة جماعية تشاركية، والدموع إلها لذة سحرية لما تكون عفوية قدام أشخاص بتحبهم وبيحبوك".

باختصار إن البكاء هو الاستسلام والقبول والخضوع إلى حقيقة ما نشعر به. لا شيء يمكن أن يكون أكثر صحّةً من السماح لمشاعرنا بأن تخرج إلى العلن، فنحن في نهاية المطاف نبكي عندما تتحرّك الأوجاع داخلنا، عندما نرتشف كأس النجاح والفرح، نبكي لنكسر حلقة الموت ونحيا من جديد...لذلك لا تقمعوا دموعكم بل دعوها تتدفّق وستجدون أنفسكم أكثر هدوءاً وارتباطاً مع نفسكم ومع الأشخاص حولكم...ولا تخجلوا من البكاء فالدمع يذكركم دوماً بإنسانيتكم، بحسب ما جاء في قصيدة الحزن لنزار قباني: "لم أعرف أبداً أن الدمع هو الإنسان، أن الإنسان بلا حُزنٍ ذكرى إنسان".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard