هل المشيمة حقّ للأمّ أم للطفل... وماذا يتوقّع الطبّ مستقبلاً من فوائدها؟

الأربعاء 21 أغسطس 201902:00 م

ربما لفت أنظاركم مرة تصريح بعض مشاهير هوليوود – مثل آل كاردشيان وكاثرين هيجل وآليشيا سلفرستون – أنهن أكلن المشيمة بعد ولادة أطفالهن، أكل المشيمة هنا لا يتضمن طبخها أو قليها في الزيت كما يتندرون، وإنما يتم تجفيفها وتعليبها بحجم كبسولات الفيتامينات، أو تجفيفها وإضافتها إلى عصائر مع الثلج.

تعود قصة أهمية المشيمة وطقوسها إلى عصور قديمة، فالأمهات في الحضارات الآسيوية قديماً، كن يطبخن المشيمة ويأكلنها بعد الولادة، اعتقاداً بقدرتها على منح الصحّة وتقوية البدن الذي أعطى خلاصته لطفلٍ وأخرجه للحياة، وفي الثقافة الشعبية لدول أمريكا اللاتينية، مهمّة الأمهات بعد الولادة أن يدفِنّ المشيمة ويزرعن فوقها شجرة، لتنمو مع الطفل وتكون رمزاً لحياته واحتراماً لعطاء الأرض لأم.

أما في صعيد مصر، كانت "الداية" أو القابلة، تقوم بقطع "السرّة" أي الحبل السري للطفل باستخدام سكين أو مقص ثم تربط السرة بقطعة معدنية بحزام من الشاش، وتقوم القابلة أو قريبة الأم بالحصول على المشيمة ومخلفات الولادة في صرّة وإلقائها في النيل مع الدعاء للمولود بطول العمر والصحة والمناعة، ويجب أن تفعل ذلك وهي مبتسمة وضاحكة لضمان سعادة الطفل في المستقبل، كما كن يقمن بدفن المشيمة – أو "الخلاص" كما يطلقن عليه - أمام عتبة المنزل مع رغيف خبز ورطل ملح لاسترضاء الجن ودفع أذاهم عن المولود، بحسب وينيفريد بلاكمان، في كتابها "الناس في صعيد مصر: العادات والتقاليد" ومعايشتها للنسوة في الصعيد في عشرينيات القرن الماضي.

تعود قصة أهمية المشيمة وطقوسها إلى عصور قديمة، فالأمهات في الحضارات الآسيوية قديماً، كن يطبخن المشيمة ويأكلنها بعد الولادة

أما الآن، فالأمهات المؤمنات بأهمية أكل المشيمة بعد الولادة، يقلن إنها تساهم في إدرار اللبن، وتحسّن المزاج العام للأم ومحاربة أحزان الولادة "baby blues" وبعضهن يبالغن في تأثيرها وأنها قادرة على علاج "اكتئاب ما بعد الولادة" "postpartum depression".

كما أن هناك أمهات يحكين قصصهن الإيجابية مع المشيمة، فهناك أيضاً من كانت لها تجربة سلبية، حيث تناولت إحدى المدوّنات المشهورات مشيمتها على شكل كبسولات بعد الولادة، لتعاني من التورّم وإدرار اللبن بشكلٍ مبالغ فيه وبدأت تشعر بالاكتئاب، وعندما شاركت قصتها على مدوّنتها الشخصية الخاصة بالأمومة والطفولة التي يتابعها الآلاف، أرسلت لها إحدى قارئاتها معاناتها مع الآثار السلبية أيضاً، فقررت التوقف عن أخذ الكبسولات، وفي خلال 24 ساعة شعرت بالتحسن، وعاد اللبن إلى المنسوب الطبيعي.

حفظ المشيمة في بنوك عامّة

سواء كان هذا الرأي أو ذاك، فهذه الأعراض ليست مثبتة علمياً وخاضعة تماماً لتقديرات ومشاعر البشر المتباينة، فتركيب المشيمة علمياً لا يأخذ في اعتباره هذا المشاعر، فهي تتكون بعد عملية الإخصاب وتصل بين الأم والجنين عن طريق الحبل السري أثناء الحمل، لتغذيته ومدّه بالأوكسجين والتخلص من فضلاته، لكنها من ناحية أخرى مليئة بالخلايا الجذعية stem cells، وهي خلايا لها القدرة على الانقسام والتكاثر وتجديد نفسها لتعطي أنواعاً مختلفة من الخلايا المتخصصة، كخلايا العضلات والكبد والخلايا العصبية والجلدية وغيرها، ويتوقع العلماء أن يشهد منتصف القرن الحالي تقدماً كبيراً في العلاج بالخلايا الجذعية لأمراض مستعصية أو مزمنة، كأنواع من السرطان والسكّري وأمراض الكبد، ما دفع الكثير من الأطباء للقيام بحملات تدعو الأمهات لحفظها في بنوك عامة، والتبرّع بها لإنقاذ حياة أطفال آخرين يعانون بالفعل من أمراض خطيرة.

دفعت هذه التطورات في اتجاه تغيير تفكير الأمهات بخصوص أكل المشيمة أو التخلّص منها، وبدأت أهميتها في علاج الأمراض المستقبلية للطفل أو للعائلة أو لها شخصياً تطغى، وظهرت بنوك لحفظ المشيمة في أنحاء العالم، أشهرها في الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا، حيث تطلب الأم من الطبيب أو المستشفى أو دار الولادة الاحتفاظَ بالمشيمة بعد ولادة الطفل، وتتم عملية النقل والحفظ بمعرفة البنك المسؤول، للانتفاع من الخلايا الجذعية إذا ما ظهرت الحاجة إليها في المستقبل، مقابل مصروفات سنوية بتكاليف تبدأ من 2000 دولار بالإضافة إلى تكاليف الحفظ السنوي.

ورغم اعتبار المستشفيات أن المشيمة نفايات طبية يتم التخلص منها، إلا أنها تعتبر قطعة من جسد الأم أيضاً ولها الحق في أن تقدّم وتوقّع على طلب بالاحتفاظ بها، وفي بعض الولايات الأمريكية يجب أن تأخذ حكم محكمة ليمكنها من الاحتفاظ بالمشيمة وإخراجها من المستشفى، ما يدفع للتفكير أن المشيمة قطعة من جسد الأم، وليس لأحدٍ حق التصرّف فيها إلا هي، لكنه يظل حق باهظ التكلفة، ويخضع للقدرات الفردية لكل أم.

وفي دول العالم الثالث ومنطقة الشرق الأوسط، يظل هذا الحق حكراً على طبقات معيّنة والتي تستطيع الوصول إلى بنوك الخلايا الجذعية ولديها الوعي بالأساس، ففي مصر منذ عشرة أعوام أو أكثر قليلاً بدأت هذه البنوك في الظهور، أولها وأشهرها حصل على رخصة ممارسته العمل في عام 2009، وتصل تكلفة حفظ المشيمة فيه إلى 30 ألف – 35 ألف جنيه، بالإضافة إلى تكاليف التجديد السنوي، وتستخدم هذه البنوك في دعايتها واجب الحفاظ على صحة العائلة في المستقبل وأهمية الاحتفاظ بالمشيمة لعلاج الأمراض، أو الحاجة لزراعة أعضاء في العائلة، لكنها تواجه جدلاً، فالمشيمة بصفتها قطعة من جسد الأم، ترى بعض النساء أن الحق في استخدامها قاصر على الأم فقط، فيما يرى البعض الآخر أنها حق للطفل والعائلة، وهناك من يرى أن الأم وحدها غير قادرة على التكفل بتكاليف الحفظ لطفل ولآخر، مما يجعل دعاية هذه البنوك الموجهة للأسرة منطقية.

رغم اعتبار المستشفيات أن المشيمة نفايات طبية يتم التخلص منها، إلا أنها تُعتبر قطعة من جسد الأم ولها الحق في أن تقدّم على طلب بالاحتفاظ بها، وليس لأحدٍ حق التصرّف فيها إلا هي، لكنه يظل حق باهظ التكلفة، ويخضع للقدرات الفردية لكل أم
المشيمة بصفتها قطعة من جسد الأم، ترى بعض النساء أن الحق في استخدامها قاصر على الأم، فيما يرى البعض الآخر أنها حق للطفل، وهناك من يرى أن الأم وحدها غير قادرة على التكفل بتكاليف حفظها، مما يجعل دعاية بنوك حفظ المشيمة منطقية

حقّ الاحتفاظ بالمشيمة 

فاطمة عابد، أم مصرية لطفلين في الثلاثينيات من عمرها، فكّرت في حفظ مشيمتها أثناء حملها للطفل الأول ولم تفعلها لأسباب مادية وقتها، أما في الطفل الثاني، تقول فاطمة: "لم أفعلها لسببين، لكني فكّرت كثيراً وسألت عن الأسعار وعن تفاصيل الاستفادة من الخلايا الجذعية فيما بعد، ووجدت أن النسبة للمطابقة واستفادة الأب والأم والإخوة من الخلايا حوالي 50%، لكن بسبب أن أطفالي غير أشقاء، فستكون نسبة المطابقة للخلايا فقط 25%، فشعرت أن نسبة المطابقة والنجاح لا ترجّح اختيار الحفظ، كما فكّرت أني سأعطي لطفلي الثاني حقاً لم أحفظه للأول، وكان هذا هو السبب الأول، أما السبب الثاني، فإنني أثق وأتمنّى في نفس الوقت أن التقدّم العلمي المتسارع حالياً، قد يكفل اختيارات أوسع للعلاج من نفس الأمراض المستعصية التي يمكن علاجها في المستقبل عن طريق الخلايا الجذعية، أما الآن فأنا لم أتعرض لتجارب ومعلومات وأرقام كافية تقنعني بأهمية عملية الحفظ".

وعندما سألتها عن رأيها في حقّها في المشيمة، بالاستفادة منها لها فقط، قالت: "رأيي أن المشيمة حق للطفل، وهذه أمانة لدى الأم، تحفظها لطفلها لحين تصرّفه أو استخدامه لها، بالطبع لو مرض أحد أفراد الأسرة وكان هذا هو الحل لإنقاذ حياته سأتبرّع بها، ولو مرضت الأم نفسها تستخدمها، سيكون وقتها الأولى هو رعاية المريض وإنقاذ حياته، لكن هذه القطعة من الجسد لم تكن لتوجد لولا هذا الطفل، وبالتالي هي حقه".

دكتور رامي متولي، منسق مشروع "الحب ثقافة"، وزميل الجمعية الأوروبية للطب الجنسي، يرى أن "أهمية المشيمة تنحصر في أنها مليئة بالخلايا الجذعية stem cells، والاحتفاظ بها - وفقاً لأبحاث علمية تجري حالياً - قد يساهم في المستقبل في إعادة تكوين أعضاء هامة في الجسم وزرعها للمريض المحتاج، ومعالجة أمراضٍ مستعصية، كالفشل الكلوي والسكري وأنواع من السرطان، كما لا يوجد دليل علمي على فائدة تناول الأم للمشيمة بأي صورة، فليس في تركيبها ما يساعد الأم على العلاج من الاكتئاب أو إدرار اللبن، فهي مجموعة من البروتينات التي يمكن تناولها عن طريق أي مصدر آخر".

وبما أن المشيمة هي عبارة عن حلقة اتصال بين الأم والجنين لا تختلط فيها الدورتين الدمويتين لهما، حيث لا يحدث هذا الاختلاط إلا في المرحلة الأخيرة في الولادة، يرى د.متولي أن المشيمة تعتبر من خلايا الجنين وناتجة عن تكوّنه، فهي حق للطفل وتمثل جيناته وليس جينات الأم، وعالمياً الحق يكون للطفل في المشيمة وخلاياها الجذعية، وهو قرار نقوم به لصالحه حتى يتمكن من رعاية نفسه، ولكن بشكل عام، يمكن الاحتفاظ بها لأقارب الطفل من الدرجة الأولى أيضاً.

وسواء كانت المشيمة حكراً على الطفل أم حقّاً للأم، فبالتأكيد حفظها أو التخلص منها هو قرار للعائلة، فكل من الطرفين ساهم في تكوين هذا الجنين، وفي سياق استمرار اتفاقهما على شروط الحياة، سيقومان بتنشئتهِ معاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard