هل يستعد "داعش" للعودة في ثوب "القاعدة"؟

الثلاثاء 20 أغسطس 201906:11 م

في الأشهر الأخيرة، طرأت مستجدات عدة على ساحة التنظيمات "الجهادية" إقليمياً، أعادت طرح تساؤلات تأسيسية تتعلق بنفوذ تلك التنظيمات، وأهدافها المحتملة، وخططها في الانتشار.

في آذار/مارس الماضي، تمت استعادة الباغوز من مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية"، فسقطت آخر المعاقل الجغرافية ليصبح التنظيم بلا "دولة" عملياً. لا يمثّل هذا التطور ضربة قاصمة لهيكل التنظيم ونفوذه فحسب، إنما يمتد كذلك إلى الأساس النظري الذي نشأ عليه لا سيما بعد الخلاف بين قطبي الجهاد العالمي أيمن الظواهري وأبي بكر البغدادي حول فكرة "تأسيس دولة الخلافة، ذات الحدود والنظام"، إذ وجد الأول أن الفرصة سانحة لذلك، فيما تمسك الثاني بفكرة "الإرجاء (لتأسيس الخلافة) والتمكين (للمجاهدين)".

من ناحية تنظيم "القاعدة"، وعلى الرغم من حفاظه على بضع معارك مفتوحة في سوريا واليمن غير تلك المندلعة في دول خارج المنطقة، تحديداً في آسيا وأفريقيا، فإنه يتعرض لمنحنى تنظيمي دقيق، لا أحد يعلم نهايته بالضبط. عنوان هذا التحول المرتقب تدهور صحة قائد التنظيم المصري (الظواهري) ومقتل نجل مؤسس التنظيم حمزة أسامة بن لادن الذي كان يعدّ لتولي القيادة بعد وفاة الظواهري.

استعادة تكتيكات "القاعدة"

في أواخر نيسان/أبريل الماضي، نشرت مجلة "النبأ" (الدورية المركزية) التابعة لتنظيم "داعش" مقالاً بعنوان "إسقاط المدن مؤقتاً كأسلوب عمل للمجاهدين". كان هذا المقال بمثابة الاعتراف الأوضح من قبل التنظيم بأن عهد "ولايات دولة الخلافة" قد تعرّض لتغيرات أساسية، قد تطيح بالأساس الذي قام عليه انشقاق "داعش" عن "القاعدة".

أوضح المقال المنشور على ثلاثة أجزاء متتالية "أسلوب عمل المجاهدين" بأنه "يعتمد على مفاجأة قوات العدو في مناطق ضعيفة يمكن تأمين تفوق في القوة للمجاهدين فيها، واقتحام قرية أو أكثر أو إحدى البلدات أو المدن بحسب طاقة المجاهدين، ومن ثم ضرب أو تحييد قوة العدو داخلها، على نحو يمكّن المجاهدين من التحرك داخل المنطقة بحرية، وتحقيق أهدافهم من الغزوة خلال ساعات قليلة، ثم الانسحاب من موقع الهجوم، مع تجنب الدخول في معركة حاسمة ضد العدو والسعي لتجنب الخسائر في صفوف المجاهدين قدر الإمكان".

يدور المقال حول الكثير من التفاصيل في أسلوب التنظيم الجديد، لكنه يعود للنقاط الأساسية نفسها: سيطرة لا تتجاوز "الساعات" وتجنب للدخول في "المعارك الحاسمة".

استعادة "داعش" لتكتيكات "القاعدة" تناولتها كذلك مجموعة الرصد التحليلي، التابعة لمجلس الأمن الدولي، في تقريرها عن "حالة التنظيمات الإرهابية العالمية". 

يقول التقرير الصادر مطلع آب/أغسطس الجاري: "ترمي القيادة (في سوريا والعراق) إلى التكيف والبقاء وتوحيد الصفوف في المنطقة الرئيسية، وإلى إنشاء خلايا نائمة على المستوى المحلي، تحضيراً للعودة إلى الظهور من جديد مستقبلاً، بينما تستخدم الدعاية للحفاظ على سمعة التنظيم بوصفه رائد الإرهاب العالمي- الخلافة الافتراضية". 

ويُضيف التقرير: "حين يتوافر الوقت والمجال لتنظيم الدولة الإسلامية كي يعيد الاستثمار في بناء القدرة على الاضطلاع بعمليات خارجية، سيقوم بتوجيه وتيسير هجمات دولية إضافة إلى الهجمات المستوحاة من التنظيم التي لا تزال تحدث في مواقع عديدة في مختلف أنحاء العالم".

وبحسب تقرير المجموعة، فإن "تنظيم الدولة الإسلامية بصدد التحول إلى شبكة تتألف من مركز وأفرع في ولاياته النائية، في امتداد منطقي لنهج القيادة المتناثرة والمفوضة. فالجماعات المنتسبة الأكثر رسوخاً تضطلع بعناصر من المسؤولية عن الجماعات الأقل شأناً، إذ تتولى نقل الأموال والمساعدة في الدعاية. وبمرور الوقت، قد يترتب على ذلك إضفاء الطابع الجهوي على جداول أعمال تلك الشبكات. وقد حدث ذلك بالفعل في حالة تنظيم القاعدة، الذي انخرط منذ أمد بعيد في المسائل والسياسات المحلية".

وجاءت أغلب المخاوف التي عدّدها التقرير مرتبطة بخروج العناصر عن "داعش" والانضمام إلى تنظيم "القاعدة"، أو تأسيس جماعات إرهابية أخرى.

ويشرح التقرير: "قد ينضم البعض إلى تنظيم القاعدة أو قد ينضوون تحت رايات إرهابية أخرى قد تظهر إلى الوجود. وسيصبح بعضهم قادة أو ممن ينشرون الفكر المتشدد، بما في ذلك داخل السجون إذا جرت محاكمتهم في الدول الأعضاء غير القادرة على مواجهة هذا التحدي داخل نظمها الجنائية. وقد يُشكِّل أولئك الموجودون مثلاً في مخيم الهول (النازحون واللاجئون) تهديداً إذا لم يتم التعامل معهم بشكل مناسب (..) وهو ما يعني أن التهديد الآتي من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، أو الجماعات المماثلة، من غير المرجح أن يتراجع أكثر".

هذه التطورات تذهب بنا إلى عنوان للعمليات لطالما كان حكراً على تنظيم القاعدة والتنظيمات الرديفة له، وهو "الذئاب المنفردة".

يلجأ التنظيم إلى الاعتماد على هذا الأسلوب حفاظاً على سمعته الدولية، وتحسباً من انفراط عقد مجموعاته والانشقاق عنه، أو على الأقل فك الارتباط التنظيمي به.

 يقول الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر أحمد كامل البحيري لرصيف22 إن "داعش قررت اعتماد فكرة الذئاب المنفردة منذ سقوط الباغوز، لكنها طرحت الأسلوب تحت أسماء أخرى تبدو أكثر جاذبية كغزوة الثأر للشام أو غزوة الاستئناف".

مقال بعنوان "إسقاط المدن مؤقتاً كأسلوب عمل للمجاهدين" نشرته المجلة الدورية لـ"داعش"، كان بمثابة الاعتراف الأوضح بوجود تغيرات أساسية قد تطيح بأسباب الخلاف بين "داعش" و "القاعدة"... 

لم يشكّل سقوط آخر المعاقل الجغرافية لـ"داعش" ضربة قاصمة لهيكل التنظيم فحسب، إنما امتد إلى الأساس النظري الذي نشأ عليه الخلاف بين قطبي الجهاد العالمي الظواهري والبغدادي... فهل تستعد "داعش" للعودة في ثوب "القاعدة"؟

بالعودة إلى تقرير مجلس الأمن، فإن القلق الأساسي لدى الدول الأعضاء، ولاسيما الأوروبية منها، هو بدء تطبيق هذا الأسلوب مع عودة المقاتلين الأجانب، أو "المسافرين المحبطين" كما وصفهم التقرير، إلى الدول التي هجروها في سبيل العودة إلى "دولة الخلافة".

تقرير مجموعة المراقبة استند على تقارير استخبارية أخرى مقدمة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وكان من ضمن التفاصيل التي كُشف عنها في التقارير تقديرات هؤلاء المقاتلين الأجانب، إلى جانب التقديرات العددية لمقاتلي التنظيم عموماً.

وتراوحت التقديرات لمن انضم إلى تنظيمات الخلافة من خارج سوريا والعراق ما بين 30 ألف و40 ألف مقاتل، من بينهم ما بين 5 آلاف و6 آلاف مقاتل هاجروا من دول أوروبية، 75% منهم انضم إلى أفرع تنظيم "الدولة الإسلامية". وفيما بلغت نسبة القتلى في صفوف هؤلاء بين 30 و40%، فإن نسبة المحتجزين في بعض المناطق لا تتجاوز 15% وعاد بالفعل ما بين 30 و40% منهم إلى أوروبا، ولا يزال مصير أغلبهم مجهولاً.

هل يأتي الحل من أفريقيا؟

بالابتعاد عن مركز التنظيم في الشام والانتقال قليلاً تجاه شمال وغرب أفريقيا، فإن الأمر يبدو مختلفاً، على الأقل من جهة علاقة التنظيمين الكبيرين ببعضهما: "القاعدة" و"داعش".

يقول مصدر عسكري ليبي، يحتفظ رصيف22 بهويته، إن الأوضاع في ليبيا قادرة على منح صورة واضحة لما قد يكون عليه مستقبل عمل "التنظيمات الإرهابية" في المنطقة.

"داعش والقاعدة تعلما الدرس من سوريا، هنا في ليبيا لم يحاربا بعضهما البعض فحسب، إنما عملا سوياً وساهما في انتزاع مساحات جديدة من النفوذ"

يشرح المصدر أكثر بالحديث عن "تزامن هزيمة داعش في سوريا والعراق مع عودة عناصر التنظيم في ليبيا"، ويقول: "إلى جانب الدعم الدولي الذي يتلقاه هؤلاء في ليبيا، فإن داعش والقاعدة تعلما الدرس من سوريا، هنا في ليبيا لم يحاربا بعضهما البعض فحسب، إنما عملا سوياً وساهما في انتزاع مساحات جديدة من النفوذ".

وذكّر المصدر العسكري بشخصية الجهادي المصري هشام العشماوي، والذي كان ضابطاً سابقاً في الجيش المصري قبل طرده على خلفية تطرفه الديني.

وقال: "العشماوي كان يقود العمليات في شرق ليبيا، تحديداً في مدينة درنة. من هناك عمل ضد المصالح المصرية وخطط لهجمات طالت بلاده، ومن هناك أيضاً كان يدير المحادثات الفقهية مع عناصر داعش، وعندما ألقى الجيش الوطني القبض عليه، كان يتستر على عشرات المقاتلين من داعش".

وحالياً، يتواجد مقاتلو "داعش" في ليبيا في المنطقة الواقعة جنوب الساحل والتي تمتد من جنوب حقول النفط في الشرق إلى الحدود مع الجزائر في الغرب.

وبخصوص الإمكانيات المادية للتنظيم في ليبيا، فقال التقرير "لا يزال يُعتقد أن لدى التنظيم في ليبيا موارد مالية كبيرة حصل عليها من مصادرة 50 مليون دينار ليبي من مؤسسات مالية (...) وتفيد التقارير بأن الجماعة تستثمر بعض مواردها في مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم وفي مؤسسات التحويلات المالية (...)

وأفادت التقارير بأن "التنظيم سرق آثاراً من مدينة شحات في الشمال الشرقي من ليبيا، وأن تلك الآثار قد ظهرت في إحدى الدول الأوروبية الأعضاء. وتشمل مصادر الدخل الأخرى ابتزاز المواطنين (إتاوات الحماية) وفرض الضرائب على شبكات الاتجار بالبشر. وبالإضافة إلى ذلك، أُفيد بأن مبلغاً لا يقل عن مليون يورو قد دفع فدية لتحرير العمال المنتمين إلى شركة نفط تركية موجودة في جنوب ليبيا".

التعاون بين مقاتلي "داعش" و"القاعدة" ليس موجوداً في ليبيا وحدها، إنما يمتد كذلك إلى منطقة الساحل والغرب الأفريقي، إذ قالت إحدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن للجنة: "تشمل أبرز التطورات الدولية خلال الفترة قيد الاستعراض الطموح والمدى المتناميين للجماعات الإرهابية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث يتعاون المقاتلون الموالون لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية على تقويض الولايات الوطنية الهشة. وقد ازداد عدد الدول الإقليمية المهددة بعدوى حالات التمرد في منطقة الساحل وفي نيجيريا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard