سوق الإمام الشافعي بالقاهرة... أسئلة لا يجيب عنها التاريخ

الجمعة 30 أغسطس 201906:29 م

9 كيلو مترات، تفصل بين وسط العاصمة (القاهرة)، وأحد أشهر الأسواق الشعبية في مصر، "سوق الإمام"، هذا المكان الذي يتحول إلى بقعة مشتعلة بالحياة، في صباح يوم الجمعة من كلّ أسبوع، حيث يقصده المئات من المصريين من جميع الطبقات، للبيع والشراء، وسط حالة من الانبهار والبهجة، تُبدِّد صمت المنطقة التي تطوقها المقابر من كلّ جانب، حيث يقام السوق على أرضها، بالقرب من ميدان السيدة عائشة، بمصر القديمة، ويحمل السوقُ هذا الاسم، لمجاورته لشارع الإمام الشافعي.

طيور زينة، وحيوانات أليفة، يحملها أصحابها في أقفاص حديدية، ويعرضونها بأسعار أقلّ من السائد. بضع خطوات، لتجد أقفاص الحمام، وثمة صقور مجنحة، يعرضها بزهوٍ بالغ، رجلٌ على مشارف الخمسين من العمر، وثعابين غير ضارّة، يعرضها رجل آخر من الجنوب، تماثيل فرعونية يحكي قصتها، لأحد المتجوّلين، شاب ثلاثينيّ.

صورة حية عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر، يُجسدها سوق الإمام الشافعي، غير أن الجانب الأكثر تفردًا له، يتمثل في الكنوز التاريخية، التي يحتويها شارع 16 بالسوق، من مقتنيات، وكتب نادرة، ولوحات تشكيلية مفقودة
يعرض الباعةُ، بضائعهم المتنوعة، بأسعار زهيدة، ولا يكفون عن الغناء، كما أن الفقراء لا يكفون عن الشراء، فالسّوق بالنسبة لهم فرصة ثمينة، تساعدهم في التغلب على غلاء الأسعار، واقتناء ما يحتاجون إليه دون الإحساس بحالة البؤس اليومي

على الأرض، تجلس امرأة مسنّة، عارضة على قفص خشبي، منتجاتها اليدوية؛ حقائب بجميع الأحجام والألوان، وأخريات يعرضن المنتجات الغذائية والمنظفات، بثمنٍ بخس. وعلى جدران المقابر، يعرض باعة آخرون، بضائعهم المتنوعة، بأسعار زهيدة، ولا يكفون عن الغناء، كما أن الفقراء لا يكفون عن الشراء، فالسّوق بالنسبة لهم فرصة ثمينة، تساعدهم في التغلب على غلاء الأسعار، واقتناء ما يحتاجون إليه دون الإحساس بحالة البؤس اليومي، التي يعاني منها المصريون.

شارع 16 والكنوز التاريخية

صورة حية عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر، يُجسدها سوق الإمام الشافعي، غير أن الجانب الأكثر تفردًا له، يتمثل في الكنوز التاريخية، التي يحتويها شارع 16 بالسوق، من مقتنيات، وكتب نادرة، ولوحات تشكيلية مفقودة؛ هذه الكنوز، يُفتش عنها بالكثير من الشغف، جامعو المقتنيات، وتجّار اللوحات.

فلسفة خاصة للبيع والشراء ومفاجآت كثيرة في شارع 16، يكشف عنها الحاج كرم، أحد أكبر تجّار سوق الإمام الشافعي، المتخصصين في تجارة مقتنيات الفنّ التشكيلي والتحف، حيث يقول لـ"رصيف 22": "بمرور الوقت، أصبح هناك العديد من المتخصصين، في تجارة اللوحات داخل السوق، غير أن تخصصهم لا يعبّر بالضرورة عن علمِهم بقيمتها، بل لأنهم لا يشترون ولا يبيعون غيرها. بعض هؤلاء التجار، لديهم أبناء متعلمون، يساعدونهم ويفتحون الطريق أمام آبائهم لفهمِ قيمة تلك اللوحات والمقتنيات، وهناك العديد من التجّار الأميين الذين يُعدّون فرصة سانحة أمام جامعي المقتنيات لخداعهم، واقتناص الفرص النادرة التي غالبًا ما تكون لوحاتٍ لكبار الفنانين بثمنٍ بخس، أي أن هناك الكثير ممن يحاولون استغلال عدم علمِ بعض التجار في السّوق بقيمة اللوحات، لاقتناصها وإعادة بيعها لهواة الاقتناء أو الغالريهات."

"والآن، أصبح هناك العديد من النجوم وجامعي المقتنيات الذين يترددون على السوق متخفّين، أو يقومون بإرسال مندوبين عنهم، للبحث في السوق عن الفرص الكبيرة. أما التجار ففُرصُ حصولهم على الغنائم من الفنّ التشكيلي، تأتي غالباً عن طريق الصّدفة من خلال البضائع التي نقوم بشرائها من تجار الروبابيكيا، أو بشراء أثاث بعض الشقق التي أغلقت لفترات طويلة بسبب وفاة أصحابها، وتكون الفرصة سانحة عندما لا يدرك الورثة أن المقتنيات والأثاث المباعة، تضمّ الكثير من الأشياء القيمة."

الربح السريع

هناك حكاية حدثت داخل السوق أثارت ضجة كبيرة العام الماضي، يسرد تفاصيلها الحاج كرم قائلا: "قامت مجموعة من الفنادق بطرح عدد من اللوحات الفنية في مزاد كبير يضمّ 900 لوحة. المتخصصون الذين حضروا المزاد لم يستطيعوا الاطلاع على جميع اللوحات، بسبب كثرة عددها، ففاز بالمزاد في النهاية أحدُ تجار السوق. كان سعر اللوحة الواحدة وسط جملة اللوحات لا يزيد عن الـ80 جنيهاً، والمفاجأة أن ابن التاجر، الذي فاز بالمزاد، فؤجي بوجود لوحات لأسماء كبيرة في عالم الفنّ التشكيلي وسط اللوحات، فقام بفصلها عن باقي اللوحات، ليتمّ بيعها بشكل منفرد بأرقام فلكية، وهو ما جعل جميع تجار السوق يلتفتون إلى تجارة اللوحات باعتبارها غنيمة قد تقود إلى ربح سريع.

في السوق... كونوا محدِّدين

المنتج حسام علوان، أحد هواة جمع المقتنيات، وممن يتردّدون على منطقة سوق الإمام، يصف السوقَ بالعالمِ الموازي والمتحف المفتوح للتاريخ الاجتماعي للمصريين. يقول "علوان" لـ رصيف 22": سوق الإمام، نستطيع التعرف من خلاله على أساليب الحياة في الماضي، حيث يجيب على أسئلة لا يجيب عنها التاريخ، وأهمّ شيء في التعامل مع السوق هو بناء خبرة تراكمية بما هو متكرر، و ما هو نادر و مميز؛ بالنسبة لهواة التجميع هناك دائمًا فكرة البحث عن كنز ما، وفي الحقيقة لا يوجد كنز، حتى و إن حدث بالصدفة، ولكن توجد متابعة مستمرة لإرضاء شغف البحث. بعض الناس يذهبون إلى السوق كلّ يوم جمعة للتمشي فقط، من دون غرض حقيقي و لا رغبة في الشراء، و هؤلاء هم المريدون الحقيقيون الذين لا يشغلهم الكنز ، وإنما متعة الفرجة، وحسب."

بعض الناس يذهبون إلى السوق كلّ يوم جمعة للتمشي فقط، من دون غرض حقيقي و لا رغبة في الشراء، و هؤلاء هم المريدون الحقيقيون الذين لا يشغلهم الكنز ، وإنما متعة الفرجة، وحسب

"يجب أن تعرفوا ماتبحثون عنه : هل تبحثون عن أثاث رخيص، هذا ستجدونه هناك، لكن هذا، قد يقودكم للتعرّف على أثاث قديمة وثمينة، مرتفعة الثمن، ومن ثمّ فقد تنحرفون عن هدفكم؛ لذلك كونوا محددًين!."

"السادات ورحلة السلام" كتابٌ نادر، صدر قديمًا عن مؤسسة الهلال المصرية، يضعه صاحبه على سطح بوتاجاز قديم، وسط مجموعة من الأنتيكات، يجاوره طبعات قديمة لبعض روايات أديب نوبل نجيب محفوظ، وفي المقابل ثمة بورتريهات لأسرة محمد علي، ملقاة بجانب مجموعة من الأسطوانات. ولا شكّ أنكم ستعثرون على مجموعة من المقتنيات النادرة مثل درع جامعة القاهرة، أيقونات قبطية، أحجار كريمة، وساعات ونظارات أصلية"، هذا إذا قادتكم الصدفة إلى أبي حسين، الرجل الستيني، الذي يقف أمام بضاعته الثمينة، على ناصية شارع 16 منذ أكثر من 30 عامًا. لا يفضل أبو حسين إفشاء أسرار مهنته، يقول فقط إنه تاجر لوحات، وأنتيكات. لديه زبائن من نجوم الفنّ والثقافة، الذين -بحسب قوله- يتلهفون على اقتناء الأشياء النادرة التي دائمًا ما تقع في طريقه بمحض الصدفة.

العودة إلى الأصل

وقال وزير الثقافة المصري الأسبق، الدكتور شاكر عبد الحميد، لـ"رصيف 22" إن معادلة الأصل والمستنسخ، تبشّر بصعود مستمرّ لتجارة المقتنيات ولوحات الفن التشكيلي الأصلية، مضيفًا أن فكرة البحث عن القديم، تسجّل مؤشرات صاعدة، ليست في مصر فقط، ولكن في جميع أنحاء العالم، وأشار الوزير الأسبق أن الكاتب الألماني، فالتر بنيامين، تحدث في العديد من مقالاته عن الهوس باقتناء الأصل، والفرق الكبير بينه وبين المستنسخ، مما يؤكّد أن الباحثين عن النسخ الأصلية للمقتنيات واللوحات، سيكونون دائمًا في ازدياد.

فيما تحدث الدكتور محمود الضبع، رئيس دار الكتب والوثائق المصرية الأسبق، لـ"رصيف 22" عن المسار التاريخي، لعملية العثور على المخطوطات النادرة، عن طريق الصدفة، حيث قال: إن المخطوطات العربية، لم يبدأ جمعها رسميًا إلا في عام 1869، عندما طلب علي باشا مبارك من الخديو سعيد، إنشاء دارٍ لحفظ المخطوطات التي كانت موزعة بين بيوت الأمراء والأعيان والأثرياء، ومن هنا أُنشئت الكتُبخانة (دار الكتب والوثائق القومية)، غير أن المخطوطات واللوحات الفنية ليست مجموعة كاملة في الدّور الرسمية للدول العربية، بل هناك الكثير منها ما يزال ملكًا لأصحابها بالوراثة أو الشراء من الأسواق العالمية، أو المزادات الرسمية، ويضاف إلى ذلك المخطوطات التي يعثُر عليها أصحابُها في جدران المنازل القديمة أو مدفونة تحت منازلهم ، وهو أمر يحدث كثيرًا في الوطن العربي

ويضيف الضبع: هناك شريحة من المخطوطات، يحتفظ بها أصحابها عن طريق الميراث ولا يعرفون قيمتها، فقط لأنها كانت ملكًا لأجدادهم، وهذا ما جعل بعضَ الدول العربية تقوم بعمل مبادرة رسمية بترميم هذه الأوراق لأصحابها مقابل الحصول على صورة ضوئية منها، إلا أنه من جهة أخرى ينبغي الانتباه إلى عمليات التزوير التي يمكن أن تتمّ على مخطوطات ولوحات أصلية، وبخاصّة مع تطور وسائل التكنولوجيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard