من قصر الخديوي إلى أيقونة النباتات النادرة... حديقة الأورمان المصرية

الجمعة 6 سبتمبر 201902:46 م

لكلّ واحد منا مؤثرات خاصة بحياته تجعل من نفسيته أفضل، ولكن، مَن منّا لا تتحسن حالته بين المساحات الخضراء الواسعة، والزّهور المُبهجة مختلفة الأشكال والألوان، مع أصوات العصافير المتأرجحة على الأشجار هُنا وهُناك، فبالطبع جميعنا في حاجة لمثل هذا الهدوء النفسي الذي ينتابنا بمجرّد قضاء جلسة واحدة في هذا الصفاء.

ويصبح الأمر أكثر إشراقاً إذا كان ذا تاريخ عريق وأشجار نادرة من حول العالم، فيبدأ الاندهاش بتاريخ حديقة الأورمان بداية من وصولكم أمام بوابتها الخضراء التي لا تختلف كثيراً عن أشجارها، وعلى جانبك تمثال نهضة مصر الذي يقف معبراً عن شموخ الحضارة المصرية، ثمّ تسيرون في ظلال أشجارها بالمكان المخصّص للمشاة على جانب الطريق حتى تصلوا بابَ الدخول.



وبمجرّد دخولكم الحديقة تأخذكم أقدامكم بلا توقف لتكتشف أرجاء المكان، وأنت تتبعون روائح الورود المنبعثة من جميع الأركان، ورغم اكتساء المكان بأكمله باللون الأخضر، إلا أنه لا يشبه أحدهم الآخر، فتجدون تدرّجات لونية من الفاتح إلى القاتم بين الأشجار والنباتات وأوراقها التي تختلف في أشكالها وأنواعها هي الأخرى.

تتّضح بقايا التفاصيل الملكية بعدة أركان من الحديقة فتجدون مثلاً "بوابة الحرملك" مازالت تحتفظ بالنافورات الرخامية القديمة، لتجدوا الاغتناء بالتراث الذي يتجاوز عمره 144 سنة، لتتحوّل زيارتكم من مجرّد جولة صفاء ذهن، لزيارة مكتملة الأركان، تخرجون منها بحصيلة تاريخية ونباتية

لم يتوقف إندهاشي لحظةً طوال مدّة تجوّلي بين الأشجار، فكلّ خطوة شجرة جديدة ودهشة جديدة،  وكأنّ كلّ شجرة جاءت من عالمها الخاص، وعبرت عن رونقها المميز بطريقتها الخاصة، وكأنهم مثل البشر منهم من عبرت السنين على أنسجتها فتشققت مُعبرة عن قسوة الزمان، ومنهم من لا تزال مُحتفظة بعنفوان الشباب برونقها الحماسي. تجدون هنا أشجاراً هادئة مُسالمة تماماً، وأشجاراً قوية حاربت تغيرات الفصول الأربعة، وبقيت على ثباتها، ليكتمل أمامكم مزيج رائع من جذور الماضي وأوراق الحاضر وبذور المستقبل.

وكلٌّ منها تمتلك بطاقة تعريفية عن ذاتها، كلّما مرّ الزمن عليها توضع لها أخرى جديدة. فرأيت تصالحاً بين الماضي والحاضر في كلّ تفاصيل المكان.

مشاهد بحديقة الأورمان

لم تتوقّف نشاطات زوّار حديقة الأورمان على مجرّد الاستمتاع بجمال المكان والتجوّل بين أرجائه فقط، فوجدتُ  مثلاً بين اختلاط أصوات الطيور والأطفال التي تلعب هُنا وهُناك جلسات عائلاتهم التي تملؤها الضحكات والأحاديث معاً.

وعلى الجانب الأخر من البُحيرة مجموعة من الشباب والبنات يرسمون في صمت تامّ بين الأشجار أمام المياه مع موسيقى تُكمل هدوء المشهد.

وتدور أعينكم قليلاً فتجدون زوجين في أعمار ستينية يصور كل منهما الآخر مبتسمين، ثمّ يكملون جولاتهم ببطء دون اختفاء الابتسامة مع تبادل الحديث.

بدأت القصة عندما خطر على بال الخديوي إسماعيل إنشاء حديقة، يُحكى عنها داخل مصر وخارجها، خاصة بعد زيارته لغابات بولونيا في باريس، فاستعان بتصميمات عالمية ومهندسين فرنسيين وخبراء مصريين

تراث حديقة الأورمان

تتّضح بقايا التفاصيل الملكية بعدة أركان من الحديقة فتجدون مثلاً "بوابة الحرملك" مازالت تحتفظ بالنافورات الرخامية القديمة، لتجدوا الاغتناء بالتراث الذي يتجاوز عمره 144 سنة، لتتحوّل زيارتكم من مجرّد جولة صفاء ذهن، لزيارة مكتملة الأركان، تخرجون منها بحصيلة تاريخية ونباتية، وتوفّر لكم عشرات النشاطات التي تجعلها زيارة مُثمرة، كما حدث لي داخلها.

تمتلك الحديقة تراثاً مُثمراً وتاريخاً ميّزها وجعل منها مرجع للحدائق العالمية، فهي امتداد لعصرالملوك، مع تأسيسها بتصميمات عالمية، على مساحات مذهلة، وبنباتات نادرة.



وقبل أن نتطرق إلى قصة الحديقة والخديوي، وكيف تم إنشاؤها، وما هو التراث الذي أتحدّث عنه، نتعرف أولاً على المعنى اللفظي لكلمة الأورمان؛ فهي كلمة تركية الأصل وتعني الغابة، وفي حقيقة الأمر بعض منها يشبه الغابات فعلاً، خاصة الأطراف الجانبية لها، الحركة هادئة ولن يصل إليها الكثير فتجدون أنفسكم تتجوّلون بمفردكم بين الأشجار العالية وتنغمس أقدامكم في النباتات الصغيرة. ها هي واحدة من أكبر حدائق العالم التي كانت تشغل مساحة قدرها 95.2 فدان، وقت إنشائها.

الخديوي وحديقة الأورمان

بدأت القصة عندما خطر على بال الخديوي إسماعيل إنشاءُ حديقة، يُحكى عنها داخل مصر وخارجها، خاصة بعد زيارته لغابات بولونيا في باريس، فاستعان بتصميمات عالمية ومهندسين فرنسيين وخبراء مصريين، وكان على رأسهم المهندس الفرنسي ج. دليشفاليرى ، وخبير الزراعة في تلك الفترة إبراهيم حمودة. فنعمت في تلك الفترة بجميع الأحداث التي عاصرت الخديوي، فكانت حديقة قصره بسرايا الجيزة، يمُرّ منها الملوك، وتنعم بجمال أزهارها الملكات.

وبعدما مدّها بمجموعة مميزة من بذور الفواكه والنباتات المتنوعة والأزهار والأشجار النادرة من حول العالم، أصبحت أساساً ومرجعاً للحدائق المصرية والعربية في تلك الفترة. كما أُطلق عليها لفترة اسم "حديقة الليمون" لأنها مدّت القصر بالعديد من شتلات الموالح،  فوصل عددها إلى 100 شتلة برتقال، ويوسف،ي وليمون، ما جعلها مُميزة بعدد ضخم من إنتاج الموالح.

وبطبيعة الطقوس الملكية آنذاك، كان لابدّ من تقسيمها إلى ثلاثة أجزاء مختلفة، جزء الأورمان وهو الجزء الرئيسي، والجزء الخاص بسيدات الخديوي ويُسمى "الحرملك"  في الناحية الغربية، مع جزء يُسمى "السلاملك" بالجانب القبلى.

وإكمالاً لتلك الطقوس كان للحديقة بابان، أحدهما مخصّص لسيّدات الخديوي، وكان يُطلق عليه " باب البرنسيسات" ، والآخر "باب النهضة"، لوجوده أمام تمثال نهضة مصر.

ولكن، مع مرور الأيام وتطوّر المدينة، تمّ فصل بعض الأجزاء عن حديقة الأورمان المركزية بين عامي 1890 و1934، لينتج عنها حديقة الحيوان التي بلغت مساحتها 80 فداناً.

وإكمالا للتقسيم خُصّصت أجزاء من الحديقة إلى حدائق أخرى حتى أصبحت تضمّ اليوم أربع حدائق أخرى: حديقة الورد، حديقة عصفور الجنة، حديقة ربع النخيل، وحديقة الصبّار، حتى بلغت مساحة حديقة الأورمان اليوم 28 فداناً.



نوادر نباتات حديقة الأورمان

ذكرنا أن حديقة الأورمان تحتوي على نباتات نادرة تمّ جمعها من بين أنحاء العالم، لنتعرّف الآن على بعضها، والتي وصل عمر إحداها إلى 125 عام.

وُجدت بعض النباتات بحديقة الأورمان من الأنواع النادرة غير الموجودة بأيّ حديقة أخرى بالعالم كـ: Aeschynomene elaphroxylon، وCassia roxburghii، وErythrina poeppigiana.

تمتلك الحديقة 2000 عينة من النباتات البرية، تمّ حفظها وتجفيفها في قسم يُسمى "المعشبة" الذي سنتحدث عنه لاحقاً. كما تضمّ حديقة الأورمان بالقاهرة 600 نوع من النباتات المختلفة في وقتنا الحالي.

وتمتلك 1000عينة نباتية تمّ جمعها من جميع أنحاء مصر، بينها 200 عينة جُمعت خصيصاً من جزيرة النباتات بأسوان، وقصر القبة. كما تتميز الحديقة بأنها تمتلك 20 ألف نبات تتفاوت ارتفاعاتها من بضعة سنتيمترات حتى 30 متراً. وتمتلك أيضاً عينات نباتات تعود إلى عصر محمد علي، يبلغ عددها 1400 عينة، تمّ جمعها من صحاري مصر، وشبه جزيرة سيناء، وجبل عُلبة.

كما أن "الأورمان" تحتوي على 108 نوع من أنواع الصبّار ذات الفوائد المختلفة،  والتي تشغل مساحة فدانين. إضافة إلى احتوائها على أنواع نادرة جدّاً من الورود الآتية من إنكلترا، وهولندا، وفرنسا.

أجزاء من حديقة الأورمان

قسم تبادل البذور

تتبادل مجموعات البذور المتنوعة من حول العالم، فيقوم القسم بإرسال قائمة معينة من البذور المُصنفة لعدة عائلات نباتية مختلفة، وتُرسل لمجموعة من الحدائق العالمية، كما تمدُّنا تلك الحدائق بمجموعات أخرى من النباتات المناسب تأقلمها مع المناخ المصري، وأيضاً يتمّ تبادل تلك البذور للتعاون مع عدد من المراكز البحثية في العالم.

قسم المعشبة النباتية The herbarium

والمعشبة هي عبارة عن مجموعة من النباتات المجففة، الُمتعامل معها بمحلول سامّ، حفاظاً عليها من الحشرات، ويتم ترتيبها تبعاً لنظم التصنيف، ويُطلق عليها "العينات المرجعية"، ليتمّ الرجوع إليها في حالة الحاجة إلى ذلك، كي تكون بمثابة هوية نباتية لكلّ نوع حيث تجدون معلومات خاصة بكل عينة عبارة عن الاسم العلمي، والفصيلة، ومكان جمع العينة، وتاريخ التزهير، وتاريخ الإثمار.

وقد تمّ تنفيذ تلك المشروع بمصر من خلال مركز توثيق التراث الثقافي والطبيعي (CULTNAT)،  وذلك بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى وزارة الزراعة كجزء من توثيق النباتات في ست حدائق تديرها الوزارة.

حديقة النباتات الصبارية والعصارية

أما هذا القسم من الحديقة فيحتوي على مجموعة هائلة من النباتات الشوكية المتميزة بنُدرتها، والتي جُمعت من أنحاء العالم المختلفة، وتمّ أقلمتها مع التربة المصرية؛ فمنها النباتات الصبارية الشوكية Coctus plants الآتية من أمريكا وتحتاج مناخاً برياً، وأيضاً النباتات العصارية Succulents plants التي تنمو في مناطق لا تتوفر بها المياه، فتكون مميزة بتخزين المياه داخل أجزائها. ووصلت مساحة ذلك الجزء إلى حوالي فدان ونصف، ولكن لا يُسمح بزيارته إلا بأوقات معارض الزهور.

قسم المشاتل والصوب الزجاجية

يُستخدم هذا القسمُ عادة لزيادة أعداد النباتات، ثمّ بيعها للأفراد بأسعار رمزية، كمساهمة أو تعاون من الحديقة لمُحبّي عناية المزروعات.

قسم الرسم والتصميم

ويأتي هذا القسم ليُكمل اللمسة الفنية للمكان، ويُستخدم كمساعدة مجانية لكلّ من يُقرّر إنشاء حديقة، فهو يختصّ بإعداد خرائط ورسومات مستقبلية للحدائق، سواء المنزلية أو للهيئات، وتتمّ المساعدة في تنفيذها دون أي مقابل.

البركة المائية

هي من أجمل المشاهد التي وقعت عيناي عليها داخل حديقة الأورمان، وتأخذ شكلاً دائرياً حول المساحات النباتية الخضراء، وتُزينها النباتات المائية المتنوعة منها العائم على وجه المياه، ومنها الذي يبلغ طوله أطرافَ الجسر الذي نمرّ من أعلاه فوق البُحيرة.

علمتُ أنها كانت في البداية مجرّد مجرى مائيّ لرويِ النباتات، ومن أجل إضافةِ مظهر جمالي لطيف للحديقة، ولكن الأمر قد تطوّر إلى زراعة البركة ببعض النباتات المائية المتنوعة كاللوتوس، والأيريس الكاذب، والبشنين، والسيرس، والهيديكيم. كما تميزت البركة بشجيرة شوكية تُزينها أزهارها الصفراء الفراشية، والتي يصل عمرها 50 عاماً، وقد جاءت من إفريقيا الإستوائية.



منطقة لألعاب الأطفال

قسم من هذه المنطقة بالمجان، وآخر منه مقابل أموال بسيطة. كما توجد في الحديقة عناية طبية وسيارة إسعاف في حال وقوع أي حدث أو إصابة أيّ طفل.

معرض الزهور بحديقة الأورمان

يُقام معرض خاص بالزهور في حديقة الأورمان كلّ عام، لحوالي 45 يوماً، ويكون مفتوحاً بشكل متواصل طوال الفترة المحددة له دون توقف، ويكون عادة من الساعة 9 صباحاً حتى 10 مساءً.

وفضلاً عن احتوائه لالزهور المتنوعة، فإنه يوفّر أيضاً جميع أنواع أدوات الزراعة المختلفة، منها نباتات متنوعة مثل النباتات الشمسية، ونباتات الظلّ داخل المنزل.

برأيي إن أفضل وقت لزيارة الحديقة هو تلك الفترة التي يُقام بها معرض الزهور، حتى تتمكنوا من دخول جميع الأماكن التي يُغلق بعضها في بقية أيام العام.

أسعار التذاكر

جنيهان مصريان فقط حتى في أوقات الأعياد، أو غيرها. وتبدأ تذاكر الأطفال من عمر 5 سنوات.

مواعيد الحديقة

يومياً من الساعة 10 صباحاً حتى الساعة 10 مساءً.

العنوان

9 شارع جامعة القاهرة، أمام حديقة الحيوان بالجيزة، مصر.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard