"ينظرون إلينا باحتقار"... ثقافة القبيلة تحاصر أيدي وقلوب شباب اليمن

الثلاثاء 20 أغسطس 201904:38 م

أجرى أحد الملوك القدامى في اليمن سباقاً بين دوشان ومكرث وجزّار، لأجل مبلغ من المال، والفائز هو من يقوم بتقبيل امرأته في السوق وأمام العامة.

قام المكرث، (بائع أوراق البصل)، بتقبيل زوجته أمام العامة، أما الدوشان (مدَّاح القبيلة) فذهب إلى أبعد من ذلك، وجامع زوجته بسوق المدينة رغبة في الحصول على الجائزة، لكن الجزار رفض القيام بذلك.

تعبّر هذه الحكاية الشعبية التي يتداولها اليمنيون بشكل عام، عن رؤيتهم حيال الفوارق بين المهن الثلاث، وتعتبر أيضاً مقياساً للغيرة والشرف بين أصحاب تلك المهن، الذين يدخلون جميعاً تحت مسمى "المزاينة"، تقليلاً من شأنهم، في أجواء يتقلّص فيها وجود مؤسسات المجتمع المدني، ومراكز الثقافة، والتوعية، ومظاهر التحديث والتمدن، ما يُبقي اليمن، خاصة وسط الحروب التي يشهدها، أسيراً لعادات وتقاليد يعتبرها البعض في دول عربية أخرى، فلكلوراً شعبياً.

"الجزارة.. مهنة مشينة ورابحة"

تُعدُّ الجزارة إحدى المهن المحتقرة في اليمن، وتمارسها طبقة محدّدة من المجتمع، بالرغم من أرباحها الوفيرة، ويغلب على الجزارين غلاظة الطبع وسرعة الغضب، بل إن السكان يطلقون على من يتسرّع بالغضب ويغيّر طباعه بأنه من أصل جزار، تعبيراً عن "شين" ما قام به.

في العديد من المحافظات اليمنية، يُخصّص حي سكني خاص بهم، ففي العاصمة صنعاء يقطنون في حي مسيك، وفي مدينة إب وسط اليمن، يقطنون في منطقة الراجزة، ويطلق على حارتهم "حارة الجزارين"، ولهم شيخ يحكمهم.

يتم التزاوج، بين أبناء الجزارين والطبقات الأخرى المماثلة لهم بشكل سلس، لكن أبناء القبائل والطبقات الأخرى يرفضون التزاوج معهم، وتعمل الأسرة على البحث عن أصل الفتاة وحسبها ونسبها قبل تزويج الشاب في اليمن، فإن كانت من طبقة مساوية لهم في المكانة تم الزواج.

مريم عبد الله (22 عاماً) تسكن في صنعاء، تلوم نفسها كلما تذكّرت قصة حبها الفاشلة، وتشعر بالحزن الشديد، تقول: "أنا لم أكن أعرف أنّ للحب قواعد، وأنني لن أحصل على ما أريد".

"لم أكن أعرف أنّ للحب قواعد، وأنني لن أحصل على ما أريد".

وقعت مريم في حب شاب، بادلها المشاعر هو الآخر، واستمرت علاقتهما لثلاثة أعوام، وكانا يفضلان أن تتوَّج علاقتهما بالزواج، لكن ذلك بات مستحيلاً، بحسب وصف مريم.

والسبب أن والدها يعمل جزاراً، رفض والد الشاب أن يتقدم لخطبتها وتزويجها لابنه، "فلم أكن أعلم ولا هو، أن مهنة أبي ستكون مانعاً لزواجنا، وإلا ما وقعت في حبه، ولم أقم علاقة معه".

يمتلك طلال الجزار، عدة محلات لبيع اللحوم بمدينة إب وسط اليمن، ويجني الكثير من المال بشكلٍ يومي، وتمكّن من بناء منزلٍ كبير، لكن الكثير من الأسر رفضت أن تستأجر شقق منزله، لأنه جزار.

يقول طلال (60 عاماً): لا ينقصني شيء من المال، لكن أشعر بالتعاسة أحياناً بسبب نظرة الناس، ونعتي بالجزار وقليل الأصل.

ويُعدّ الجزارون من أقل الطبقات معاناة من النظرة الدونية، فالمال يغطي في كثير من الأحيان الفوارق، لكنه لا يزيلها بشكل نهائي.

"المزاينة" يواجهون التمييز

يصنف غالبية اليمنيين المهنة الدنيا باعتبارها التي تنطوي على عمل يأنف الشخص القيام به، وغالباً ما تكون خدمية، كالحدادة، والجزارة، والحياكة، وصناعة أدوات المنزل، سواء من الفخار أو من الحجر، وهو ما يسمى صانعها في اليمن بـ"الموقّر"،  و"الممدّر".

وتتسع دائرة المهن "الدنيا" لتشمل الكي، الحجامة، إحياء الحفلات، الحلاقة، تزيين العرسان، الطبال، الزمّار، الإسكافي، والعديد من المهن الأخرى ويعتبر العمل فيها عاراً على أبناء القبائل، وانتقاصاً من قدرهم، وقد تتبرّأ القبيلة من أبنائها في حال عملهم في هذه المهن.

لكن طبقة "المزاينة" الذين يقومون بخدمة أبناء القبائل ويعملون في الجزارة والحلاقة، لهم النصيب الأكبر من التمييز، وربما يصل عددهم ما بين 250,000 إلى نصف مليون نسمة، ويكاد يكون من المستحيل عليهم الهروب من مركزهم الاجتماعي عن طريق التزاوج من مجموعات أخرى، والعكس صحيح.

حميد يحلم بأن يصبح أستاذاً ويعود إلى قريته لتعليم الأطفال، ويكسب الاحترام والتقدير الذي يكسبه المعلم في الريف، لكن حلمه ذهب مع غبار الحرب التي تعصف بالبلاد

يترك الكثير من أبناء المزاينة التعليم في السنوات الدراسية الأولى، ويتجهون نحو سوق العمل في المهن المخصّصة لهم، بسبب النظرة الدونية من قبل زملائهم، بالإضافة إلى أن حصولهم على وظائف يشكّل أمراً مستحيلاً في بلد تعد نسبة البطالة فيها 55%؜، فلا توجد قبيلة تمنحهم الوساطة للعمل في الوظائف العسكرية والسياسة والمدنية.

ترك حميد الوصابي (25عاماً) المدرسة في الصف التاسع، واتجه للعمل في صالون الحلاقة الذي يملكه ابن عمه بالعاصمة صنعاء، وبات مقتنعاً أن تعلم قصّات الشعر المختلفة أفضل من العودة إلى المدرسة.

كان حميد، الذي ينتمي لمنطقة وصاب العالي بمحافظة ذمار، يحلم بأن يصبح أستاذاً ويعود إلى قريته لتعليم الأطفال، ويكسب الاحترام والتقدير الذي يكسبه المعلم في الريف، لكن حلمه ذهب مع غبار الحرب التي تعصف بالبلاد.

يقول حميد: "منذ خمسة أعوام توقفت عن الدراسة، عندما انتقلت للعمل هنا في صنعاء وبدأت بتعلم الحلاقة عند عمي، وكنت أتمنى أن أواصل التعليم".

واستدرك حميد: "لكن حتى وإن تعلمت فهناك الآلاف من الشباب الذين أكملوا تعليمهم، ولم يحصلوا على وظائف، بالإضافة إلى أنني تحملت أعباء الأسرة وأصبحت مضطرا للعمل كحلاق، على الرغم من أنني لا أريد العمل بها".

يترك الكثير من أبناء المزاينة التعليم في السنوات الدراسية الأولى، ويتجهون نحو سوق العمل في المهن المخصّصة لهم، بسبب النظرة الدونية لهم، ولا توجد قبيلة تمنحهم الوساطة للعمل في الوظائف العسكرية والسياسة والمدنية.

ولايزال حميد يعاني من التمييز في نظرة ومعاملة المجتمع له، "هناك بعض المتعجرفين الذين يطلقون عليك الألفاظ النابية، وينظرون إليك باحتقار، ما يجعلني أشعر بالتعاسة وأفكّر بالذي يجعلنا نختلف عنهم".

وينهي حميد حديثه لرصيف22: "لن أستطيع أن أتخلص من النظرة الدونية التي كرّسها المجتمع ضدنا، إلا إذا هجرت البلاد بشكل كامل".

"تخصصات جامعية يرفض الطلاب دراستها"

يرفض الكثير من خريجي الثانوية العامة دراسة البيطرة والقبالة، والفنون كالرقص والغناء، باعتبار تلك التخصّصات غير لائقة بأبناء القبيلة اليمنية.

وقد يُحرم الشاب من الزواج من فتاةٍ أحبها لأنه طبيب بيطري، أو فتاة أيضاً لأنها قابلة، ذلك أن هاتين الوظيفتين، ومثلهما الختان والعديد من التخصصات الأخرى، تعتبر مِهَناً "وضيعة" في نظر السكان.

خطب عبد الله مسعد (28عاماً)، الذي يسكن في منطقة شرعب بمحافظة تعز، إحدى فتيات قريته بالطريقة التقليدية، دون وجود أي علاقة حب أو معرفة مسبقة بينهما.

يقول مسعد: "لم تكن الفتاة تعرف ماذا أدرس في الجامعة لأني مقيم في المدينة، وبعد عامين من الدراسة عدت إلى القرية، وعلمت الفتاة وأسرتها أنني متخصص في مجال الطب البيطري، فخيّرتني بين ترك التخصص الذي أفضله، والدراسة في كلية أخرى، أو تركها".

يتنفس مسعد الصعداء، ويكمل: "تركت الفتاة في الأخير لأنني لست مستعداً للتخلّي عن القسم الذي أفضله، وعن عامين قضيتهما في الكلية، والآن خطبت فتاة أخرى".

ولكن لا يزال عبد الله يواجه الكثير من السخرية من قبل زملائه في الجامعة، وأصدقائه في الحي الذي يسكنه، لاختياره دراسة طب الحيوانات، ما سبب له الحزن الشديد.

هل ستكون دكتور البقر والحمير؟ ماذا ستجني من هذه المهنة؟ وعدة أسئلة كثيرة يواجهها عبد الله، و"لكن ذلك لن يثنيني عن مواصلة الدراسة".

"العرق دسَّاس"

يعتقد المجتمع اليمني، أن مهنة الإنسان تنتقل من جيل إلى جيل كما تنتقل الجينات الوراثية من الآباء إلى أبنائهم، فذوو المهن البسيطة لن يتمكنوا من تقلّد مناصب سياسية وقيادية في الدولة، بل أن الغرور سوف يصيبهم ويرتكبون المخالفات.

ويتداول اليمنيون جملتي "العرق دسّاس"، و"خير خلف لخير سلف"، وفيهما يتحدّد أصل الإنسان وأيضاً معياره الأخلاقي والمهني في المجتمع الذي تربى على العادات والتقاليد.

ومن منطقة إلى أخرى في اليمن، يختلف تقسيم الطبقات المهنية، ففي محافظة حضرموت، يُعتبر المزارع من الطبقات الدنيا، ويُحرم من حقوقه، لكنها في المحافظات اليمنية الشمالية من المهن المقدّسة، ولا يعاب ممتهنها.

"المهمّش لن يستطيع التحرر من الطبقية في اليمن"، يقول الناشط اليمني عبد الرحمن قاسم.

"المهمّش لن يستطيع التحرر من الطبقية في اليمن"

وأضاف عبد الرحمن لرصيف22، يحتقر الأسياد ورجال القبائل وموظفو الدولة من أطلقوا عليهم "المزاينة"، في حكم الأئمة لليمن وحتى الآن بعد الثورة، بل أيضاً يجبرونهم على القيام بأعمالٍ ليست من مهامهم، بالإضافة إلى انتهاك حرماتهم وحقوقهم.

ويدخل هذا التمييز في لغة الناس، يكمل عبد الرحمن، حيث يحافظ المجتمع على قيمه وأخلاقه وسلوكياته، من خلال وصم من يخالف تلك القيم والعادات والتقاليد من أبنائه، بالـ "المزين"، أو "قليل الأصل" أو "الناقص"، فتنسب الأعمال السيئة لتلك الطبقات الدنيا، حتى لو لم يكونوا من مرتكبيها، ويترفع بقية المجتمع عن ارتكاب ما يخالف العادات حتى لا يتم وصمهم.

ويقع الشباب اليمني في حيرة، نظرا لقلة المنصات، والمؤسسات، والمناطق، والتجمعات التي يمكن أن تحتوي أخلاقيات وأفكار متحررة من النظرة العنصرية للبعض، والتمييزية للبعض الآخر، شباب يرغب في العمل على ما يحب، والارتباط بمن يحب، في بلد يقع بين سندان العادات والتقاليد الغابرة، ومطرقة الحرب الأهلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard