من كان ليُنصف جدّتي وينتشلها من بؤرة الجهل... الدين أم العلمانية؟

الاثنين 19 أغسطس 201904:08 م

كان وجهها المشبع بالتشققات مُحفّزاً للتأمل. في كل مرة نظرت بها إلى وجهها، بادرت مخيلتي إلى تشبيه تلك الخطوط بطرقات معبّدة بالقهر. جبينها القاسي يشبهُ بيئتها الى حدّ القسوة، هي التي ولدت كبيرةً كهلة في قرية فقيرة الهواء والهوى. فجفاف الريح هناك من جفاف المشاعر، وجفاف الحنين، ونِدرة المحبة. بيئتها التي صنعت منها امرأة تابعة، كان اسمها "ألماظ"، وكان لاسمها حصّة في حياتها، هذه المرة كانت الحصّة سلبية، غير الحصص التي نعرفها، فهي سُميت لتُحفظ في جوارير الشوارب، وتُصقل تحت سندان سي السيّد.

‏هي جدتي أم والدي، ولدت وترعرعت في بلدة القصير في سوريا.

منعها والدها من الذهاب الى المدرسة، فهي لم تتعلم القراءة والكتابة خشية أن تكبر ابنته (شرفه وعاره) وتتعرّف على شابٍ تكتب له رسائل غرامية، وكان خوفه الأكبر (هو المسيحي)، أن يكون هذا الشاب مسلماً، بما أن أغلب سكان القرية من المسلمين.

النظام العلماني أنصف المرأة، بينما الله جعلها خاضعة للرجل

كانت جدّتي بلا مشاعر- أو هذا ما كنت أعتقده على الأقل- فهي ليست كغيرها من الجدّات؛ لا تفرح عندما ترانا أنا وأخوتي، لا تنهمر علينا بالقبلات... كنت أكره عندما يجبرنا والدي على زيارتها، إلى أن سألته ذات مرّة عن سرّ قسوتها فقرر أن يسرد لي قصّة حياتها، وكيف قُمعت وتعلّبت ووُضعت في قفصٍ مصنوع من حديد الذكورية.

أخبرني أنه عندما كانت في تلك البلدة المجبولة بالعادات والتقاليد القبلية، كان ممنوعاً عليها التكلم بصوت عالٍ حتى لا يسمعها أحد الرجال فتفتنه بصوتها.

كانت جدتي ترتدي فساتين سوداء طويلة، تشبه لباس المسلمين في تلك المنطقة، والهدف ألّا تتميز عن غيرها حين تخرج من المنزل، فلا ينظر إليها أي رجلٍ مسلم "نظرة وحش لفريسته"، حسبما كانوا يعتقدون.

دفعت جدتي ثمن جهل وتعصّب أهلها وأهل بلدتها وبلدها.

هل كان لها أحلام وطموحات؟ كنت أراها خالية من كل شيء، كنت أظنها جاهلة لأنها لم تكن تحب الكتب ولا البرامج الثقافية، إلى أن أدركت أن سنوات من القمع الممنهج والمستمر، بإمكانها أن تجعل من الأنثى مخلوقاً مُدمَّراً، روبوت خالياً من المشاعر.

بدأت أفهم أن قسوتها نابعة من قسوة أهلها ومجتمعها عليها.

أمّا اليوم، فأنا أدرك تماماً أن وضع المرأة أفضل بكثير، أعلم أن المرأة اليوم تتعلّم وتصل إلى أعلى المراكز، ولكن الطريق لا تزال طويلة ومزروعة بالعوائق.

إن أحد أبرز العوائق هي الأديان الإبراهيمية الذكورية بامتياز، فهي من اختراع الرجل، قام بنشرها، أُعجب بها باقي الرجال، طبقوها فباشروا في قمع المرأة من خلال القوانين والأنظمة التي ادّعوا أنها إلهية... كل هذا بغية السيطرة على النساء.

كنت أرى جدتي خالية من كل شيء، كنت أظنها جاهلة... إلى أن أدركت أن سنوات من القمع الممنهج والمستمر، بإمكانها أن تجعل من الأنثى مخلوقاً مُدمَّراً، روبوت خالياً من المشاعر

 أحد أبرز عوائق تحرر المرأة هي الأديان الإبراهيمية الذكورية بامتياز، فهي من اختراع الرجل، قام بنشرها، أُعجب بها باقي الرجال، طبقوها فباشروا في قمع المرأة من خلال القوانين والأنظمة التي ادّعوا أنها إلهية... كل هذا بغية السيطرة على النساء

إلى كل من يدّعي أن الأديان السماوية كرَّمت المرأة، أطلب منه أن يقرأ عن النسوية التي تحرّكت ضمن أنظمةٍ علمانية، ويتعرّف أكثر كيف كرّمت العلمانية المرأة ومنحتها حقوقها وساوتها بالرجل... هذه القوانين التي وضعها البشر رفعت المرأة من الحفرة التي رمتها فيها الأديان المُرسلة من الله... النظام العلماني أنصف المرأة، بينما الله جعلها خاضعة للرجل، فمن هو العادل المنصف الرحيم والكريم... الله أم العلمانية؟

من كان ليُنصف جدّتي وينتشلها من بؤرة الجهل... الدين أم العلمانية؟

كانت جدتي تتمنى لو أنها تملك قضيباً بدل تلك الفجوة الراكدة بين فخذيها. مجرّد امتلاك أخيها لهذا العضو أعطاه بطاقة مرور وحرية تنقّل كيفما ومتى أراد. هي أيضاً كانت تريد أن تتحرّك بحرية، أن تتنفس من دون أن يراقبها أحد ويحصي أنفاسها، لكن للأسف، عاشت حياتها تشعر بالكره والحقد تجاه كل شيء وكل إنسان، حتى أحفادها.

لا أعلم إن كان عشقي للقراءة والبحث بسبب أمّية جدتي وعدم قدرتها على القراءة والكتابة.

إلّا أنني اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أقرأ وأكتب وأبحث وأصرخ بأعلى صوت: فلنخرج من مستنقعات الذكورية ولنصنع أمهات وجدّات حرّات في الفكر والممارسة. فلنتعلّم من الحركات النسوية العلمانية التي استطاعت أن تنتزع حقوقها بيديها، وتُثبت أن المرأة ليست "ألماظ" جوهرة ثمينة توضع في الأدراج بانتظار الرجل الذي يفتح هذا الدرج ليضعها في درجٍ آخر، هي إنسان... مجرّد إنسان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard