ابن جبير الأندلسي... رحلة درامية بدأت بسبعة أقداح من الخَمر

الثلاثاء 20 أغسطس 201903:15 م

لم يكن كغيره من الرحالة، يشاهد ما يراه في البلدان ويوثقها فحسب، بل كان يملك عينًا ثاقبة، وعقلًا ناقدًا، وقلمًا بليغًا، وحسّ الأديب المعنِيّ بوصف جماليات المكان، وأبعاد القصص التي تحدث أمامه؛ إنه ابن جبير الأندلسي، صاحب كتاب "تذكرة بالإخبار عن اتفاقات الأسفار"، الذي قال عنه المستشرق الروسي كراتشكوفسكي في موسوعته "تاريخ الأدب الجغرافي العربي": "وتعتبر رحلة ابن جبير من الناحية الفنية ذروة ما بلغه نمط الرحلة في الأدب العربي".

من هو ابن جبير؟

عرّفه لسان الدين بن الخطيب في كتابه "الإحاطة في أخبار غرناطة" بأنه محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير بن محمد بن سعيد بن جبير بن محمد بن مروان بن عبد السلام بن مروان بن عبد السلام بن جبير الكناني الأندلسي. ذلك التكرار في الأسماء نجد أكثر منه عند المراكشي في ترجمته لابن جبير بكتابه "الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة"، وكذلك السبتي في كتابه "مستفاد الرحلة والاغتراب".

يختلف ابن جبير  عن سواه في كواليس رحلته التي أخذت بُعدًا دراميًا بعض الشيء. حيث يُروى أنه ذات يوم دعا أبو سعيد عبد المؤمن،  حاكم غرناظة، ابنَ جبير الأندلسي، ليؤلف عنه كتابًا، وهو يحتسي الخمر، وطلب منه أن يشرب معه، فرفض ابن جبير. فقال أبو سعيد: والله لتشربنّ منها سبعًا

اتّفق المؤرخون على أن مسقط رأسه في بلنسية شرق الأندلس، لكنهم اختلفوا في سنة مولده، فيقول المقري في "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب": "كان مولده ليلة السبت، العاشر من ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية"، ويتفق معه المنذري في كتابه "التكملة لوفيات النقلة" بأنه سأل ابن جبير عن مولده فأخبره بأنه: "ليلة السبت، العاشر من شهر ربيع الأول سنة أربعين وخمسمائة ببلنسية"؛ لكن ابن الخطيب يقول: "مولده ببلنسية سنة تسع وثلاثين وخمسمائة"، ويوافقه المراكشي في ذلك.

تعلق ابن جبير منذ طفولته بعلوم الفقه والحديث والآداب، فكان أبوه أول أساتذته، وبعدها ظهرت لديه ملَكة الكتابة، ولمّا خضعت غرناطة لسلطان الموحدين سنة 551 هـ، كان من أبرز كتّاب أمرائهم، وخاصة لدى أبي سعيد بن عبد المؤمن.

رحلات ثلاث بدأت بسبعة أقداح من الخمر!

يتفق ابن جبير مع غيره من الرحالة المسلمين، في أن رحلاتهم كانت في البداية بوازع ديني، وهو زيارة بيت الله الحرام، حيث قصد الحج برفقة صديقه أبو جعفر أحمد بن حسان بن أحمد بن الحسن القضاعي، فمرّوا في طريقهم بالإسكندرية، ثمّ القدس، مرورًا بالمدينة المنوّرة، ومكة، ودمشق، والموصل، وعكّا، وبغداد.

لكنّ ابن جبير يختلف عن سواه من الرحالة في كواليس رحلته التي أخذت بُعدًا دراميًا بعض الشيء. حيث يُروى أنه ذات يوم دعا أبو سعيد عبد المؤمن، أمير دولة الموحدين، وحاكم غرناظة، ابنَ جبير الأندلسي، ليؤلف عنه كتابًا، وهو يحتسي الخمر، وطلب منه أن يشرب معه، فرفض ابن جبير، قائلًا: يا سيدي ما شربتها قطّ. فقال أبو سعيد: والله لتشربنّ منها سبعًا، حينها اضطر ابن جبير للشّرب، فملأ له أبو سعيد الكؤوس السبع دنانير، فأخذ الدنانير، وقد عزم على أن يجعل كفارة شربه الحج.

تلك القصة رواها المقري في "نفح الطيب"، معتبرًا إياها الدافع الرئيسي لبدء ابن جبير أولى رحلاته؛ لكن الكاتب حسين نصار في كتابه "أدب الرحلة"، الصادر في القاهرة عام 1991، ينفي تلك القصة، ويصفها بالملفّقة، قائلًا: "فإذا كان ابن جبير قد خرج في رحلته الأولى عام 578 هـ، فإن الأمير أبا سعيد قد مات في سنة 571 هـ، فمن المحال أن يكون الحجّ في السنة نفسها، بل من المستبعد أن يكون الحجّ لهذا السبب، لما بين التاريخين المذكورين من مدة طويلة، يُضاف إلى ذلك أن الرجل يُثني في رحلته على تديّن الموحّدين، ويذمّ غيرهم من الأمراء ويصفهم بالبعد عن الدين".


أما رحلته الثانية فكانت يوم الخميس التاسع من ربيع الأول لعام 585 هـ، وقد أنهاها في الثالث عشر من شعبان سنة 587 هـ. وتذكر المصادر أن ابن جبير بدأها فور عِلمِه بانتصار صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، وفتحِه لبيت المقدّس، وكما يروي المقري: "وقد تمكّن في هذه الرحلة من الحجّ إلى بيت الله الحرام وزيارة المسجد النبوي، والمسجد الأقصى".

وبدأ ابن جبير رحلته الثالثة والأخيرة بعد أيام من وفاة زوجته "أم المجد"، التي وافتها المنية في سبتة سنة 601 هـ، حيث حزن عليها كثيرًا، فوصل مكة عام 602 هـ، ومنها إلى القدس، ثمّ إلى مصر والإسكندرية التي مكث بها حتى توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان لعام 614 هـ. ويزعم الدكتور شوقي ضيف في كتابه "الرحلات" أن مسجد "سيدي جابر" بالإسكندرية كان في الأصل لابن جبير، ولكن تمّ تحريف اسمِه بمرور الزمن.

الأديب الذي شهد له الشرق والغرب!

يمكننا القول بأن ما كتبه ابن جبير يُعدّ أدبًا خالصًا، فما من أحد قرأ رحلته إلا وشهد له ببراعة الأسلوب ودقّة الوصف، فيقول عنه المؤرخ الإسباني بالنثيا في كتابه "تاريخ الفكر الأندلسي" بترجمة حسين مؤنس للعربية: "صاغ ابن جبير رحلته في أسلوب بارع، وصوّر فيها بكلامٍ سهلٍ بسيط الأحاسيسَ التي اختلجت في نفسِه في المواضع التي زارها، أو عند مشاهدته الآثار التي رآها. وأسلوبه سلس جزل ينمّ عن موهبة أدبية أصيلة".

أما كراتشكوفسكي فيصف أسلوبه، قائلًا: "وإذا كان وصفه المفصّل للأبنية مملًا للقارئ العادي، فإن أسلوبه يمتاز بالكثير من الحيوية وسهولة التعبير؛ مثال ذلك وصفُه لجمارك الإسكندرية أو لكارثة السفينة على سواحل صقلية. أما عرضه العام فيستهدف الصنعة والأناقة، وهو كثيرًا ما يلجأ إلى السجع الذي يعالجه بالكثير من المهارة دون أن يبالغ فيه أو يضطرَّ القارئ إلى تكلّف الجهد في تفهّمه. كما يشحن كتابته بالاقتباسات الأدبية والإشارات اللطيفة مما يتطلّب درجة معينة من المعرفة والاطّلاع حتى يضحى مفهومًا للقارئ. وبعد فهذا مصنف رفيع الأسلوب يختتم بجدارة حلقة الجغرافيين الأندلسيين لهذا العصر".

من جماليات الوصف الفني لدى ابن جبير، ما صاغه عن مستشفى المجانين بالقاهرة، حين قال: "ومما شاهدناه أيضًا من مفاخر هذا السلطان ــ يقصد صلاح الدين ـ المارستان الذي بمدينة القاهرة، وهو قصر من القصور الرائقة حُسنًا واتساعًا

ويقول أحمد عبد الرازق خليل في دراسته "جمالية المكان في رحلة ابن جبير الأندلسي" الصادرة عن كلية الآداب بالجامعة العراقية: "يغلب على أسلوبه الاسترسال في حالة السرد والحكاية، ويكاد يكون نصّ رحلته نصًا سرديًا قصصيًا، أما في مقدمات وصفه لبعض المدن والمشاهد، فإن أسلوبه يغلب عليه الصنعة الفنية، وهذا يدلّ على أنه كتب رحلته بأسلوبين: الأول الأسلوب المرسل، وهو أسلوب الرواة، الذي يتّسم بالسهولة والخلوّ من الغرابة والتعقيد؛ والثاني الأسلوب المقيّد بقيود الصنعة الفنية التي كان يلتزمها كُتّاب النثر الفني".

ومن جماليات الوصف الفني لدى ابن جبير، ما صاغه عن مستشفى المجانين بالقاهرة، حين قال: "ومما شاهدناه أيضًا من مفاخر هذا السلطان ــ يقصد صلاح الدين ـ المارستان الذي بمدينة القاهرة. وهو قصر من القصور الرائقة حُسنًا واتساعًا أبرزه لهذه الفضيلة تأجرًا واحتسابًا، وعيّن قيّمًا من أهل المعرفة، وضع لديه خزائن العقاقير ومكّنه من استعمال الأشربة وإقامتها على اختلاف أنواعها. ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرّة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسَي. وبين يدي ذلك القيم خَدَمة يتكفلّون بتفقّد أحوال المرضى بكرة وعشيّاً، فيقابلون من الأغذية والأشربة ما يليق بهم".

ابن جبير شاعراً

لم يقتصر ابن جبير على تدوين رحلته ببلاغة فائقة فقط، لكنه برع أيضًا في نظم الشعر، وكتابة النثر البديع، فقد ذكر ابن الخطيب في "الإحاطة" أنه جرت بينه وبين طائفة من أدباء عصرِه مخاطبات ظهرت فيها براعتُه، مؤكدًا أن "نثره بديع، وكلامه المرسل سهل حسن"، ويشير إلى أن "له ترسّل بديع وحكم مستطابة، وروي بعض هذه الحِكَم، فكشف أن كاتبَها جارى كُتّاب عصره في التزام السجْع".

ومن أقوال ابن جبير في النثر: "إن شرُف الإنسان، فبشرفٍ وإحسان، وإن فاق، فبفضلٍ وإرفاق. ينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه، كما يحفظ الجفنُ إنسانَه، فرُبَّ كلمةٍ تُقال تُحدِث عثرةً لا تقال".

أما عن شعره فيقول محمد عويد الساير في كتابه "دراسات نقدية تحقيقية في الشعر العربي والأندلسي"، إنه تمّ بذل جهودٍ كثيرة لجمع شعر ابن جبير، إذ مرّ بمراحلَ عدّة، أولّها البحث الذي نشره الدكتور منجد مصطفى بهجت تحت عنوان "ابن جبير الأندلسي شاعرًا"، وأورد خلاله 68 نصًا شعريًا، مجموع أبياتها 400 بيت، وعلى إثره توالت محاولات جمع ما نظمه الرحّالة الأندلسي.

ومن هذه الأبيات، ما قاله في رثاء زوجته: "بسبتة لي سكن في الثرى/ وخلٌّ كريم إليها أتى/ فلو أستطيع ركبتُ الهوى/ فزُرتُ بها الحيّ والميتا". وكذلك ما نظمه في الحِكم: "عجبت للمرء في دنياه تُطعمُه/ في العيش والأجل المحتوم يقطعُه/ يُمسي ويصبح في عشواء يخبطها/ أعمى البصيرةِ والأعمالُ تخدعه/ يغترّ بالدَّهر مسرورًا بصحبتِه/ وقد تيقّن أنّ الدّهر يصرعه/ ويجمع المال حرصًا لا يفارقه/ وقد درى أنه للغير يجمعه/ تراه يشفق من تضييع درهمِه/ وليس بمشفقٍ من دينٍ يضيعه/ وأسوأ الناس تدبيرًا لعاقبة/ من أنفق فيما ليس ينفعه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard