رفض ترشيح أول مثلي تونسي للرئاسة يُريح مجتمع الميم... فما أسباب الغضب على بعطور وجمعيته؟

السبت 17 أغسطس 201903:43 م

على الرغم من أن خوضه الانتخابات لرئاسة الجمهورية في تونس كاد يصبح سابقة في تاريخ البلاد، وبغض النظر عن وعده بإلغاء تجريم المثلية الجنسية في حال فوزه، فقد عمّت حالة من الارتياح أوساط مجتمع الميم إثر رفض طلب ترشح منير بعطور، رئيس جمعية "شمس" التي تطرح نفسها مدافعةً عن حقوق وحريات الأقليات الجنسية.

وصل الأمر إلى أن خرجت جمعيات حقوقية ومجموعة ناشطين للتعبير في بيان عن رفض ترشح بعطور وسط اعتراضها على تصديره للرأي العام الداخلي والخارجي كـ"ممثل" لمجتمع الميم ومتحدث باسمه، لافتة في المقابل إلى "خطورته على قضاياهم وإضراره بها".

وكان إعلان بعطور اعتزامه الترشح قبل بضعة أشهر قد أثار ضجة واسعة داخل تونس وخارجها، نافياً أن يكون قراره خوض الانتخابات "مجرد فرقعة إعلامية". 

وفي 8 آب/أغسطس الجاري، أودع رئيس جمعية "شمس" ملف ترشحه، مؤكداً أنه حصل على 19565 تزكية شعبية، لكن في 14 آب/أغسطس، عندما أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قبول 26 طلب ترشح للانتخابات الرئاسية المبكرة المقررة في 15 أيلول/سبتمبر، "بصفة مبدئية"، كان طلبه من بين 71 طلباً مرفوضاً. 

وعلّلت المتحدثة باسم الهيئة حسناء بن سليمان، في حديثها لوكالة "فرانس برس"، رفض طلب بعطور بتعذر جمعه تواقيع عشرة آلاف ناخب مسجل، في حين اعترض الأخير على القرار، معتبراً الرفض "غير واضح وغير معلل".

مجتمع الميم "يلفظ" بعطور

بعد رفض طلبه، جددت منظمات وجمعيات حقوقية معنية بمجتمع الميم في تونس إعلان موقفها المعارض لبعطور وجمعيته باعتبارهما يشكلان "تهديداً لمجتمع التونسي".

"نحن، النشطاء والمنظمات الموقعة أسفله، نود عبر هذه العريضة، إعلامكن/كم أننا لا نساند مطلقاً ترشح السيد منير بعطور للانتخابات الرئاسية التونسية للعام 2019"، كان هذا ما صرحت به جمعيات "شوف" و"دمج" و"موجودين" و"موجه" و"ألواني" و"هن" و"النهوض بالحق في الاختلاف" وجمع "شمل" و"ترانس أوتكاست" وأخريات.

وقالت الجمعيات في بيانها: "بعطور لا يمثل بأي حال من الأحوال المجتمع الكويري ولا حركتنا في تونس. كما أننا نعتبر أن السيد بعطور لا يشكل تهديداً لمجتمعنا فقط، بل يمثل خطراً عليه".

البيان الحقوقي بيّن كذلك أن الموقعين يدركون "تماماً الأهمية التي يمثلها ترشح شخص ينتمي إلى المجتمع الكويري للانتخابات الرئاسية، في بلد ما زال يُجرم المثلية"، لكنه أكد في المقابل أن الموقعين لن يساندوا أبداً شخصاً على قاعدة ميوله الجنسية أو هويته الجندرية، من دون أخذ ممارساته في الاعتبار.

وطالب بيان الجمعيات التونسية ختاماً بـ"وضع حد للأكاذيب التي تصنعها منظومة إعلامية لا تتوانى عن تلميع صورة بعطور، وهذا ما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالنضال من أجل حقوق الأشخاص المنتمين إلى المجتمع الكويري".

اغتصاب وابتزاز وتطبيع

يسرى الصغيري من "شمل" كانت من الموقعين على البيان الذي صدر بعد أيام قليلة على ترشح بعطور، لكنها قالت في حديثها لرصيف22 إن تسريب قائمة غير صحيحة لأسماء المرشحين المقبولين مبدئياً، تضمنت اسم بعطور، أثار لغطاً ودفع المعنيين إلى إعادة نشر البيان.

وبشأن هذه النقطة، أوضح المدير التنفيذي لجمعية "موجودين"، إحدى الجمعيات الفاعلة في مجتمع الميم والموقعة على البيان، علي بوسلمي لرصيف22 أن الجمعيات الموقعة تعيد نشر البيان "كل بضعة أيام للتذكير بموقفنا الثابت والرافض لاعتباره (بعطور) ممثلاً لمجتمع الميم".

ولكن ما خلفية كل هذا الاعتراض على ترشح بعطور؟ أشارت الصغيري إلى أنه نابع من "ممارساته المتكررة في التحرش بقاصرين… ومجتمع الميم في تونس لا يتسامح مع هذه الممارسات بغض النظر عن كونه مثلياً".

واستطردت بالقول: "مجتمع الميم في تونس ملم بالمسائل النسوية (من الحق في الجسد وخصوصيته وعدم الاعتداء عليه) ولا يتسامح مع مسألة العنف الجنسي من قبل أي كان وضد أي كان".

وفي آذار/مارس عام 2013، كان بعطور قد أوقف بتهمة ارتكاب "جريمة اللواط" بعد ضبطه يمارس الجنس مع فتى (17 عاماً) في أحد الفنادق الفاخرة في العاصمة التونسية. وحُكم عليه في حزيران/ يونيو من العام نفسه بالسجن 3 أشهر بموجب المادة 230 من قانون العقوبات التونسي.

وانتقد نشطاء آنذاك مبدأ أن يُحاسَب بعطور على ما فعله باعتباره "علاقة جنسية بين رجلين"  في حين أنه في حقيقة الأمر "اعتداء جنسي على قاصر"، وهو الفعل الذي يجرمه القانون التونسي واتفاقية حماية الطفل الدولية التي وقعت عليها تونس.

وكان أشار بعضهم إلى أن الصبي "ينتمي لأحد الأحياء الفقيرة"، ملمحين إلى أن بعطور استغل ظروفه الاقتصادية لإغوائه بالمال لممارسة الجنس معه.

ثمة سبب آخر دفع بالبعض إلى توقيع البيان ضد بعطور، وهو ما أوضحته الناشطة النسوية والحقوقية التونسية البارزة وفاء فراوس لرصيف22 بالحديث عن "تبنيه موقف التطبيع مع الكيان الصهيوني حيث صرح بذلك مرات عدة"، مشيرة بدورها إلى "وجود شهادات من مجتمع الميم تتهمه بالتحرش والابتزاز... للأسف الضحايا لا يستطيعون رفع شكاوى خوفاً من التعرف عليهم أو عليهن".

ولبعطور مواقف عدة مدافعة عن إسرائيل وداعمة للتطبيع معها، ففي مقابلة له عام 2017 قال إنه "مع التطبيع الكامل مع إسرائيل في كل المجالات". 

كذلك احتفى عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي بمنشور عبر صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية وحلقة على قناة "آي24" الإسرائيلية حول خبر ترشحه وُصف خلالهما بـ"المدافع عن إسرائيل".

وكان بعطور قد صرح لرصيف22 عقب انتشار خبر ترشحه بأنه "مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وفقاً لحدود يونيو 1967... لكنه أيضاً ضد رمي الشعب الإسرائيلي في البحر".

وفي سياق الأسباب المتصلة باعتبار بعطور "خطراً" على مجتمع الميم، أشار بوسلمي إلى وجود عدد من النساء اتهمن بعطور بممارسة العنف ضدهن، من دون مزيد من التفاصيل عن طبيعة العنف الممارس أو عدد الشاكيات.

وانتقد بوسلمي سياسة بعطور وجمعيته في التشهير بأي شخص من أعضاء مجتمع الميم يتم القبض عليه أو يتورط في أي قضية من خلال الكشف عن هويته وبياناته الشخصية في وسائل الإعلام المختلفة سعياً وراء السبق الإعلامي و"الظهور" و"الشهرة"، على حساب هؤلاء الأفراد الذين قد يتعرضون لمخاطر جمة إثر هذا الفضح.

هل دعم ترشح بعطور مجتمع الميم؟

ترى الصغيري أن ترشح بعطور كمثلي الجنس لم يكن ليدعم مجتمع الميم في البلاد، قائلةً "لا، بالطبع لا. كل ما في الأمر أن ترشح مثلي الجنس في تونس مسألة صورية تُباع في الخارج جيداً"، من دون أي تأثير فعلي داخلياً.

على الرغم من أنه وعد بإلغاء تجريم المثلية الجنسية في البلاد حال فوزه، ساد ارتياح بين أعضاء مجتمع الميم والجمعيات المعنية به إثر رفض ترشح منير بعطور للرئاسة التونسية... فما هي المآخذ على بعطور وجمعيته "شمس"؟
بعد اتهامه بـ"البيدوفيليا والابتزاز والتطبيع"، ناشطون في جمعيات حقوقية في تونس يتحدثون لرصيف22 حول "خطورة" بعطور وأسباب مقاطعتهم لجمعيته التي تطرح نفسها كمدافع أساسي عن المثلية

أما المدير التنفيذي لـ"موجودين" فيذهب أبعد، معتبراً أن بعطور يشكل "خطورة كبيرة" على المجتمع التونسي بشكل عام ومجتمع الميم تحديداً "لأنه فاسد ولديه المال والسلطة التي تساعده على ارتكاب المزيد من جرائم الاغتصاب والتحرش والتباهي بها علناً، فضلاً عن تفاخره بالتطبيع... يدفع كل هذا الرأي العام والسلطات إلى وضعنا (كجمعيات مدافعة عن مجتمع الميم) في الخانة نفسها والتدقيق معنا".

وانتقد بوسلمي "سياسة ‘شمس‘ في استدعاء الخارج (العواصم الأوروبية) في كل كبيرة وصغيرة تتعلق بقضايا مجتمعنا للضغط على تونس اقتصادياً بغية الرضوخ لمطالبها، لكننا نرفض ذلك. هذا منطق استعماري بحت، لا نوافق على الضغط على البلد لأننا اقتصادياً في وضع سيء بدرجة كافية".

محاولات سابقة لوقف بعطور

حرص بوسلمي على التأكيد أن هذا الموقف الرافض لبعطور وجمعيته ليس حديثاً، موضحاً أن جمعيته التي بدأت عملها في نهاية عام 2014، وحصلت على إشهار قانوني لمزاولة عملها في كانون الثاني/يناير عام 2015، رفضت المشاركة في أي فعالية تنضم إليها "شمس".

ويستطرد بوسلمي شارحاً: "كثيراً ما رفضنا محاولات البعض إقناعنا بالانخراط في فعاليات تنضم إليها ‘شمس‘ لأننا نعرف ممارساتها غير السليمة، وكثيراً ما حاولنا فضح نياتها وانتهاكاتها تلك. وكان أول بيان علني ضدها أصدرته جمعيات دمج وشوف وموجودين في نيسان/أبريل عام 2018".

وتتفق الصغيري مع بوسلمي في هذا الموقف من "شمس" مؤكدة أن جمعيتها (شمل) وكذلك "أغلب الجمعيات النسوية والـLGBT تقاطع فعاليات هذه الجمعية".

وخلال العام الجاري، سعى أعضاء الجمعيات المشار إليها للتأثير في أعضاء الائتلاف التونسي للدفاع عن الحريات الفردية، المكون من 37 جمعية، لإخراج جمعية بعطور من الائتلاف، لكن "لم يؤخذ كلامنا على محمل الجد"، حسب بوسلمي الذي علّق: "لم نفهم السبب في البداية، لكن أخيراً فهمنا... إنها المصالح وعلاقة الصداقة بين أفراد في الائتلاف وبعطور".

لماذا يُصدّر بعطور كمدافع عن المثلية؟

يعتقد بوسلمي أن "علاقة بعطور مع بعض المسؤولين في تونس قائمة على ‘الابتزاز‘ وهذا سبب استقوائه... زملاؤه يتذمرون أيضاً منه لأساليبه الملتوية وغير الشريفة، كما أن لديه علاقات كثيرة مع رجال أعمال، ولهذا يعرف أننا لن نتمكن من ‘ضربه‘".

من جهة ثانية، يستند بعطور إلى علاقات قوية بالعديد من الوسائل الإعلامية التي تستفيد من السبق الإعلامي الذي يساعدها في تحقيقه.

"شمس ليس لديها أي نشاط على الأرض في مجال الدفاع عن حقوق مجتمع الميم، وتكتفي عندما يتم القبض على أحد الأشخاص بسبب مثليته بأن يذهب بعطور إليه ويثبت نفسه محامياً عنه وينشر هذا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض الشهرة"

في هذا الإطار، لفت بوسلمي إلى أن "شمس ليس لديها أي نشاط على الأرض في مجال الدفاع عن حقوق مجتمع الميم، وتكتفي عندما يتم القبض على أحد الأشخاص بسبب مثليته بأن يذهب بعطور إليه ويثبت نفسه محامياً عنه وينشر هذا عبر مواقع التواصل الاجتماعي بغرض الشهرة، لكنه في الحقيقة يتغيب عن الجلسات ونقوم نحن أو أي جمعية معنية أخرى بتوكيل محامٍ عن الشخص المسجون".

كذلك اتهم بوسلمي بعطور وجمعيته بـ"جمع وسرقة أموال ضخمة من المهتمين بحقوق المثليين في تونس وأوروبا بحجة إقامة أنشطة للجمعية، يتبيّن لاحقاً أنها غير حقيقية"، وقال: "لا نطالب أية جهة أن تصدقنا وتُكذّب شمس بشكل اعتباطي، بل نريد تدقيقاً في ما ورد في بياناتنا السابقة واتهاماتنا للجمعية".

مسؤولية الجمعيات في بروز "شمس"

في المقابل، لا ينكر بوسلمي أن أحد أسباب بروز "شمس" وحيدةً كممثلة لمجتمع الميم في تونس، لا سيما في الخارج، يعود كذلك إلى أخطاء ارتكبتها، ولا تزال، الجمعيات الأخرى التي يصر بعضها "على ممارسة جميع فعالياتها في الخفاء حمايةً لأفراد المجتمع على الرغم من عملها الرائع".

أما عن جمعيته "موجودين"، فلفت إلى أن الخطأ الذي وقعت فيه مماثل، وقال: "في البداية، وبسبب الحذر الشديد، كنا نستغرق وقتاً طويلاً قبل تنظيم أي نشاط لعدم الإضرار بأعضائنا. لم يكن هدفنا الظهور بل تقديم خدمات فعلية ذات تأثير ملموس ومستمر وإفادة مجتمع الميم"، مردفاً "حالياً نسعى لتكثيف أنشطتنا والوجود بشكل أقوى داخل المجتمع التونسي".

وناشد بوسلمي المجتمع التونسي "ألا يضع جميع الجمعيات أو حتى أعضاء مجتمع الميم في جعبة واحدة، فبعطور لا يمثلنا، ولا تستطيع أي جمعية أن تزعم أنها تمثل هذا المجتمع الذي يرفض بعض أفراده أن تمثله أي جمعية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard