"الفيل الأزرق 2"... فيلم لا يصلح للمشاهدة إلّا بجزئه الأوّل

الجمعة 16 أغسطس 201903:16 م

كل شيء بدا متوقعاً، زحامٌ على شباك التذاكر، جمهورٌ من مختلف الأعمار والفئات، وصمتٌ لأكثر من ساعتين، جلست في منتصف قاعة السينما كعادتي، أحب هذا المكان، يجعلني متابعاً لكل شيء حولي بعيداً عن المقاعد الأخيرة المخصّصة لكل شيء عدا متابعة الفيلم.

منذ الإعلان عن وجود جزءٍ ثانٍ لفيلم "الفيل الأزرق" وأنا أترقّب موعد عرضه، لا توجد أسباب قوية لذلك سوى شعوري بأن أي فيلم شاهدت جزءه الأول يجب أن أشاهد جزءه الثاني طالما أن التجربة السابقة جيدة، بدأت الأحداث كما في سياق الجزء الأول: طبيب نفسي يحاول كشف حالة مريضٍ ليكتشف في النهاية أنه "ملبوس" من جن اسمه "نائل" نتيجة رسم طلسم، ولكي يتمكن من علاج مريضه يلجأ لحبة الفيل الأزرق التي تنقله لعوالم أخرى يستطيع من خلالها معرفة ما يمرّ به مريضه.

في الجزء الثاني من الفيلم لم تتغيّر القصة، فهناك المريضة النفسية التي جسّدت شخصيتها الفنانة "هند صبري"، وتطلب أن يكون طبيبها هو "يحيى" الذي يجسّده "كريم عبد العزيز"، ليعرف بعد ذلك أنها "ملبوسة" من الجن "نائل"، وعليه أن يفكَّ الألغاز، تماماً كما فعل في الجزء الأول مع الفنان "خالد الصاوي"، ويلجأ أيضاً إلى حبة الفيل الأزرق، ومع تصاعد الأحداث يعيش "الطبيب" معاناة داخل أسرته التي باتت مهدّدة بسبب "الجن"، لتنتهي القصة بمشهدٍ يُظهر كريم عبد العزيز في النهاية وقد تلبسه الجن "نائل"، في إشارةٍ إلى أنه قد يكون هناك جزء ثالث من الفيلم.

 لماذا باتت تطغى المؤثرات الصوتية والسمعية خلال السنوات الماضية وتزيد انتشاراً هذه الأيام؟

كل شيء قادر على إبهارك، هكذا يمكن وصف الفيلم، المشاهد السينمائية السريعة، الصورة الجيدة، الكاميرات التي تتنقل بين العيون لتظهر تعابير الوجه من خوفٍ وفزع، موسيقى تصويرية لاهثة مع تسارع الأحداث، وأخيراً سيناريو يجعل المشاهدة يسأل نفسه كل ثانية: ما القادم؟ لم يتحرّك أحد في قاعة السينما طوال الفيلم خوفاً من أن يفوته شيء، كل ذلك أداره باحترافية المخرج مروان حامد، ليخرج الجمهور راضياً عن العمل الفني في النهاية.

حين خرجت من قاعة السينما لم أكن استثناء، كل تلك العوامل أبهرتني وإن كان إبهاراً زائداً عن الحد، لكن ما تأكدت منه أن هذا فيلماً لا يصلح للمشاهدة إلا بجزئه الأوّل، تلك المرة التي تستطيع تلك المؤثرات أن تُبهرك، لكن بمجرّد أن يزول الإبهار ستجد نفسك أمام سيناريو مكرّر للجزء الأول، الذي نجح أساساً لأنه فكرة غير مألوفة في السينما المصرية، كما ستجد نفسك أمام ممثلين لديهم قدرات فنية عالية، مثل إياد نصار، والذين لم يتم استغلالهم جيداً، حتى الخط السينمائي الهادئ في الجزء الأول، من خلال علاقة كريم عبد العزيز ونيللي كريم، لم يعد موجوداً في الجزء الثاني، الذي غلب عليه التقنيات والموسيقى والصراخ وحشو الممثلين.

وطغيان المؤثرات الصوتية والسمعية على النص، لا يقتصر على الجزء الثاني من الفيل الأزرق فقط، بل المتتبع للأفلام المصرية في الآونة الأخيرة يرى تلك الظاهرة موجودة وبقوة، وربما تشير إلى بداية عهدٍ جديد للسينما، عهد المؤثرات على حساب النص، ظهر ذلك في فيلم "الممر" ذي الطابع الحربي للمخرج شريف عرفة، كما ظهر في فيلم "كازبلانكا" للمخرج بيتر ميمي، وهي أفلام حققت إيرادات كبيرة، ومن يشاهدها يُدرك أن نصوصها ليست بالقوة التي ظهرت فيها المؤثرات.

هل هذا يعني أن المؤثرات غير مطلوبة أو غير ضرورية، وما هي الحدود الفاصلة بين مكوّنات العمل السينمائي، وفي حالة الصراع بين تلك المكوّنات، ما هو المسموح بانتصاره وما هو الممنوع؟

"لا عمل فنّي بدون نص"، تلك قاعدة فنية تجيب على كثير من الأسئلة، وفي مثال آخر يمكن تشبيه العمل السينمائي بالبيت، النصُّ أساسه وباقي المؤثرات، سواء السمعية أو البصرية، والتي يندرج تحتها: جودة الصورة، الموسيقى التصويرية، قِصَر المشاهد أو طولها، زاوية التصوير، والديكور، كل تلك المؤثرات هي الطوابق التي من خلالها يمكن إبراز حلاوة البيت، ومن خلالها أيضاً قد يظهر البيت قبيحاً إذا لم يتم استخدامها جيداً، وهكذا نجد أن المؤثرات مطلوبة ومهمة، وعامل جذب كبير في أي عمل سينمائي.

طغيان المؤثرات الصوتية والسمعية على النص، لا يقتصر على الجزء الثاني من الفيل الأزرق فقط، بل المتتبع للأفلام المصرية في الآونة الأخيرة يرى تلك الظاهرة موجودة وبقوة، وربما تشير إلى بداية عهدٍ جديد للسينما، عهد المؤثرات على حساب النص

في حالة "الفيل الأزرق" فإن ما حدث هو استغلال للجزء الأول صاحب القصة الجديدة والمؤثرات القوية، لكن جزءه الثاني جاء مكرراً، ورغم ذلك حقق إيراداتٍ كبيرة، وأتوقّع أن يحقق أرباحاً مرتفعة طوال مدة عرضه، ورغم ذلك سيختفي مع مرور الوقت

في بداية السينما المصرية أوائل القرن العشرين اعتمد المخرجون في الأساس على النص، في ظلِّ تواضع إمكانيات عصرهم، واستطاعوا إنتاج أفلام قوية وباقية، بل وفي نهاية القرن العشرين نجد مخرجاً مثل عاطف الطيب الذي أخرج 21 فيلماً من أهم أفلام السينما المصرية، مثل " البريء، ملف في الآداب، الهروب"، وفيهم تجاهل المؤثرات بالكامل واتُهم أن صورة أفلامه "رديئة" وحين هوجم بسبب هذا اعترف بذلك، لكنه أكّد إنه يهتم بالنص والواقعية بعيداً عن "البهرجة"، ورغم رؤيته الغريبة كانت النتيجة أنه صاحب الأعمال الخالدة والمصنف كثيراً منها ضمن قائمة أفضل 100 فيلم مصري.

لكن إن كان من غير المسموح به طغيان المؤثرات الصوتية والسمعية على النص، لماذا باتت تطغى خلال السنوات الماضية وتزيد انتشاراً هذه الأيام؟ وتفسيري لما يحدث هي النظرة التجارية البحتة، لا يقتصر الأمر على التكنولوجيا المتطورة، إذ يمكن استغلالها مع نص جيد لخروج عملٍ مكتمل، لكن الأخير نادر وقد لا يلقى استحسان الجمهور إلا بعد فترة، ومن هنا يلعب المنتجون على المؤثرات القادرة على إبهار المشاهد ودفعه للمشاهدة داخل قاعة سينما وأمام شاشة عملاقة يكون لها تأثيرها، وهم يعلمون أن هذا الإبهار نتيجة المشاهدة للمرة الأولى سيزول حين يعتاد المشاهد على رؤية العمل بعد ذلك ويبدأ التركيز على المضمون، لكن وقتها سيكون المنتج قد ضمن أمواله على الأقل و"ليذهب المتفرّج إلى الجحيم".

تلك النظرية التجارية هي السبب الأساسي في ظاهرة المؤثرات الطاغية خلال السنوات الماضية، تماماً كما استخدم المنتجون في بعض الأوقات "الأغنية الشعبية" و"رقصة الشمعدان" لاجتذاب جمهور حتى لو كانت النصوص ركيكة، لأن تلك الأفلام حقّقت أرباحاً كبيرة مقارنةً بتكلفة إنتاجها، وفي حالة "الفيل الأزرق" فإن ما حدث هو استغلال للجزء الأول صاحب القصة الجديدة والمؤثرات القوية، لكن جزءه الثاني جاء مكرراً، ورغم ذلك حقق إيراداتٍ كبيرة، وأتوقّع أن يحقق أرباحاً مرتفعة طوال مدة عرضه، ورغم ذلك سيختفي مع مرور الوقت، ولن تكون له تلك المكانة، حين يبدأ الجمهور في فرزه بعيداً عن أي مؤثرات، وهنا عظمة النص القوي والباقي والقادر على إبهار المشاهد كل مرة، من خلال الجمل السينمائية والقضية التي يطرحها للنقاش.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard