"لا تجادلني في شخصٍ تراه بعينك وأراه بقلبي"... عندما يكون الحب أعمى

الخميس 15 أغسطس 201904:12 م

منذ بضعة أيامٍ اتصلت بي صديقتي، وما إن سألتها عن حالها حتى انفجرت في موجةٍ من البكاء، وبالكاد تمكّنتُ من سماع الكلمات وهي تخرج من فمها: "طلع معك حق...ما بيستاهلني ولا بيستاهل كل دقيقة بقيت فيها معو..."، وأضافت بحرقة قلب: "اكتشفت إنو كان عم بيخوني كل هالوقت".

لطالما حذّرنا نحن "الشلّة" ريم (اسم مستعار) من حبيبها السابق ومن "ألاعيبه" ومن تعامله السيّء معها، غير أن صديقتي، التي لم تتجاوز بعد الثلاثين من عمرها، كانت في حالة عشقٍ من رأسها حتى قدميها، فلم تعترف يوماً بعيوب الشخص الذي اختارته، لا بل كانت تلعب دوماً دور محامي الدفاع، فتبرّر جميع تصرّفاته وتشيح بنظرها عن هفواته وكأنه منزّه عن الخطأ، وبالرغم من نصائحنا إلا أنها قرّرت أن تصمّ أذنيها عن كل الانتقادات وتسير وراء قلبها، لحين اصطدمت بالحقيقة المرّة، وتأكدت بأمّ عينها أنه إنسان مخادع يستغلّ حبها الصادق.

فلماذا يعجز المتيّم بالحب عن رؤية عيوب شريكه

النسخة المثالية

"لا تجادلني في شخصٍ تراه بعينك وأراه بقلبي". (جبران خليل جبران).

من منّا لم ينبهر بقصة "الجميلة والوحش" وغيرها من القصص المشوّقة التي تجسّد علاقة حبٍّ غريبةٍ بين طرفين مختلفين عن بعضهما البعض بشكلٍ جذري؟ والأمر نفسه قد يحدث على أرض الواقع، حين نصادف شخصين متيّمين ببعضهما البعض رغم أنه لا يوجد أي قاسمٍ مشتركٍ بينهما، باستثناء أمرٍ واحدٍ قد يكون هو الأهم على الإطلاق: الحب.

للحب حساباته الخاصة والبعيدة أحياناً عن المنطق والعقلانية، وفي مثل هذه الحالات، غالباً ما تتردّد على مسامعنا عبارة "الحب أعمى"، فالبعض يعتبر أن العشق قد يعمي بصيرة العاشق/ة، ويجعله عاجزاً عن رؤية عيوب حبيبه/ته، فيميل إلى خلق صورةٍ مثاليةٍ عن الشريك، والتي تكون في بعض الأحيان مزيّفة وبعيدة كل البعد عن الواقع والحقيقة.

بمعنى آخر، قد يقع الناس في حب "النسخة المثالية" لأحبائهم، والتي يرسمونها في ذهنهم، أو ببساطة ينجذبون لفكرة أن يعيشوا حالة حب، وعندما يقرع الحب باب قلبهم، نجدهم يبحرون في عالمٍ وردي، إذ لا يرون الصفات السلبية للشخص الذي يحبونه ويميلون إلى خلق صورةٍ مثاليةٍ عنه، كما أنهم قد يرفضون الانصات لنصائح المقرّبين، على اعتبار أنهم يعرفون الطرف الآخر عن ظهر قلب وليسوا بحاجةٍ لمن يُمطرهم بوابلٍ من المواعظ، إلا أنهم لا يحسنون أحياناً تقييم الأشخاص، إذ أن الحب قد يعمي أعينهم عن رؤية حقيقة الناس من حولهم، ويجعل تركيزهم كله منصباً على الشريك فقط.

قد يقع الناس في حب "النسخة المثالية" لأحبائهم، والتي يرسمونها في ذهنهم، أو ببساطة ينجذبون لفكرة أن يعيشوا حالة حب، وعندما يقرع الحب باب قلبهم، نجدهم يبحرون في عالمٍ وردي، إذ لا يرون الصفات السلبية للشخص الذي يحبونه

عاشت سيرين (اسم مستعار) تجربة مماثلة ترويها لموقع رصيف22: "تعرّفتُ عليه عبر الفايسبوك، وأعجبت بمظهره الخارجي، وبعد عدة لقاءات توطدت العلاقة بيننا، صحيح أنه كان فقيراً وغير متعلّم إلا أنني كنت مستعدة لمحاربة العالم كله من أجله"، وبالرغم من محاولاتها العديدة لدمجه في بيئتها إلا أن المحيطين بهذه الشابة لم يرتاحوا لهذه العلاقة على الإطلاق: "من أول ما تعرفوا عليه وأصحابي ما حبوه أبداً، اعتبروه كتير vulgaire (بذيء) ومتفلسف عالفاضي، وطلبوا مني أكتر من مرة أنفصل عنّو لأنو ما بيستاهلني بس أنا كنت اعتبر كل شي بيعملو أو بيقولو صح...ولهالسبب صرت ابتعد شوي شوي عن الكل لأنو ببساطة تعبت من النق والنصائح".

وهكذا فضّلت سيرين، البالغة من العمر 29 عاماً، العزلة عن الجميع، وبدأت تقضي معظم وقتها مع حبيبها لحين اكتشفت أن من أحبّته من كل قلبها كان يحاول استغلالها مادياً: "أنا كنت شايفتو عشوي محل الله، وهو كان شايفني بنك عم بيسحب منّي مصاري عالطالع والنازل... يضرب الحب شو بيذل"، وتضيف: "عنجد يا ريت سمعت من أصحابي وما ضيّعت وقتي معو بس شو بدي أعمل الحب أعمى".

ارتباط الحب بالعمى

هناك العديد من الفلاسفة والكتّاب الذين حاولوا وصف الحب، فقد قال عنه شكسبير: "الحب أعمى والمحبون لا يرون الحماقة التي يقترفونها"، وبدوره قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: "الهوى شريك العمى"، في حين أن المؤلف اللبناني المشهور ميخائيل نعيمة كان له رأي مخالف إذ قال: "يقولون إن الحب أعمى، وذاك خطأ. بل الحب مبصر، ولكنه يرى بعين الجمال فيرى كل شيء جميلاً. لذاك كان الحب خلاصة الحياة. فمتى أحب الناسُ الناسَ تقلصت عنهم كل ظلال الشناعة فرأوا كل ما فيهم جميلاً. ومتى رأى الناس كل ما فيهم جميلاً عرفوا الحب. ومتى عرفوا الحب عرفوا الحياة".

وبمعزل عن الآراء المختلفة عنه ما سرّ ارتباط الحب بالعمى؟ وما رأي العلم بذلك؟

يُقال إنه منذ قديم الأزمنة كان العالم كله يتكوّن من الرذائل والفضائل فقط، وذات يوم شعرت الفضائل والرذائل بالملل، وبعد مشاوراتٍ قرر الجميع أن يلعبوا لعبة الغميضة وصاح الجنون قائلاً: "أنا من سيبدأ اللعب، سأغمض عيني وأبدأ العدّ، أما أنتم فباشروا بالتخفّي والاختباء".

وهكذا اتكأ الجنون على الشجرة وباشر العد، وبدأت كل الفضائل والرذائل بالاختباء، فاختبأت الخيانة في كومةٍ من القمامة، واتخذت الرقة مكاناً لها فوق القمر، أما الولع فقد أخفى نفسه بين الغيوم، والشوق لجأ إلى باطن الأرض... واستمرَّ الجميع بالتخفّي باستثناء الحب، والذي كعادته لا يقدر على اتخاذ القرار ولا يستطيع التخفّي، وما إن كاد الجنون يصل إلى نهاية تعداده، حتى قرّر الحب أن يقفز فجأة في باقةٍ من الورود.

وفي محاولاتٍ يائسة للبحث عنه، جاء الحَسَد وقال للجنون إن الحب يتخفّى في باقة الورد، فركض الجنون ملتقطاً شوكةً خشبيةً وبدأ بطعن الورد بشكلٍ عشوائي ليُجبر الحب على الخروج من مخبئه، واستمر الجنون في الطعن حتى أصاب الحب في عينه وتسبب في إصابته بالعمى، وبعدما صرخ الجنون نادماً قال له الحب بصوتٍ ضعيف: "لن يعود إليّ بصري يوماً بعد الآن، لكن ما زال هناك ما يمكنك أن تفعله: كن دليلي"...ومن يومها يمشي الحب جميع خطواته وهو أعمى في حين أن الجنون يقوده.

صحيح أن هذه القصّة من نسج الخيال ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، إلا أنها تحمل في طيّاتها مغزى مفيداً: الحب شعورٌ داخلي نابعٌ من القلب وبالرغم من معادلاته غير المنطقية أحياناً، إلا أنه قادر على تحريك المشاعر وتذليل جميع العوائق والعقبات، وهو ما أكّده الكاتب المسرحي الإسباني خاثينتو بينافينتي بالقول: "يصف الناس الحب بأنه أعمى ومجنح، إنه أعمى لأنه لا يرى أي عقبات، ولديه أجنحة لإنقاذكم منها".

وبعيداً عن القصص الشعبية التي تحاول الربط ما بين الحب والعمى، كان للعلم رأي واضح بهذا الشأن، إذ أجمعت الدراسات العلمية أن الحب من شأنه التأثير على دماغ العاشق/ة.

فقد توصل الباحثون في بريطانيا إلى حقيقة أن الحب أعمى، بحيث أنه يمنع الإنسان من اكتشاف عيوب الحبيب، وأكّدوا أن المناطق المسؤولة عن التقييمات السلبية والتفكير النقدي تتوقف عن العمل عند النظر إلى صور المحبين، هذا وقد وجد الباحثون أن الحب تجاه الحبيب/ة، وحب الأم تجاه أطفالها، لهما نفس التأثير على الدماغ.

وفي التفاصيل، قام الفريق العلمي بفحص أدمغة 20 شخصاً أثناء عرض صور أحبائهم عليهم، وأوضح الفحص أنه عندما أخذ هؤلاء يحدّقون في صور أحبائهم، زاد تدفق الدم إلى أربعة مناطق صغيرة في المخ، هي بالتحديد المناطق التي يحفّزها تعاطي المخدرات، وبالإضافة إلى تلك المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتركيز، فإن النشاط تقلّص أيضاً في المراكز المخية التي تسبب الاكتئاب والخوف لدى العشاق.   

عندما ينخرط المرء في علاقةٍ عاطفية، من المرجّح حينها أن ينظر إلى الحبيب بمنظارٍ وردي، فيتغاضى عن عيوبه وهفواته، وهكذا يصبح المعشوق في نظر العاشق أجمل من الحقيقة نفسها

منظار وردي

أوضحت دراسة نُشرت في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، أنه في معظم الثقافات عند البحث عن شريك الحياة، يمنح البشر الأولية للجاذبية واللطف والمكانة الاجتماعية، مع العلم أنه يتفاوت تقييم الناس لهذه السمات "الثلاث الكبرى" من ثقافةٍ إلى أخرى.

يشير غارث فليتشر، أستاذ علم النفس في جامعة فيكتوريا بأستراليا، لموقع بي بي سي إلى أنه يتعيّن على البشر أن يتحلّوا بالدقة عند اختيار شركاء حياتهم، لأنه من المرجّح أن يرتبطوا بهم مدى الحياة: "إذا كنا غير دقيقين في تقييم جودة شريكنا، فإن بعض الصفات مثل الجاذبية أو اللطف لن تكون مهمة كثيراً"، وفق ما قاله.

ويوضح فليتشر أن البشر في العادة يقومون بتقييم صفات الآخرين وفق طريقتين: إما يبالغون في انتقاد الآخرين، وهذا ما يُعرف بالتحيز السلبي، أو يبالغون في تقدير المزايا وينظرون إلى الآخر بمنظارٍ وردي، وهو تحيّز إيجابي يحدث في معظم الأحيان عند الحديث عن العلاقات الغرامية.

بمعنى آخر، عندما ينخرط المرء في علاقةٍ عاطفية، من المرجّح حينها أن ينظر إلى الحبيب بمنظارٍ وردي، فيتغاضى عن عيوبه وهفواته، وهكذا يصبح المعشوق في نظر العاشق أجمل من الحقيقة نفسها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard