"النقاب ممنوع، اخرجي"... قصة درصاف والمرسوم "المخالف للدستور" في تونس

الخميس 15 أغسطس 201903:19 م

بعد الخامس من تموز/ يوليو الماضي، اختلفت الأمور بالنسبة إلى درصاف الذوادي. في هذا التاريخ، أصدر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد مرسوماً قضى بمنع المنقبات من دخول المؤسسات الرسمية (مقرات الهياكل العمومية). أما قبله، فكان من النادر أن تتعرض درصاف لمضايقات بسبب نقابها. 

بعد أيام من إصدار المرسوم، وخلال تنقلها في أحد شوارع العاصمة لتأمين بعض الحاجات، فوجئت درصاف بسيارة أمنية تقف أمامها، ينزل منها أحد العناصر طالباً بطاقة هويتها، لم تعترض كما تقول لكن عندما همّت بتسليم الهوية إليه، طلب منها اللحاق بهم إلى مركز الأمن.

تروي درصاف (29 عاماً) لرصيف22 ما جرى معها: "في المركز، استقبلني عنصرا أمن، أحدهما عاملني معاملة حسنة لكن معاملة الآخر كانت سيئة للغاية، وكأني متهمة إذ تعمد استفزازي بأسئلة غريبة مثل لماذا لم أكمل دراستي في الفنون الجميلة، مستغرباً كيف لم يتم تصنيفي كمشتبه فيها بعدما انتقلت من النقيض للنقيض".

طلب العنصر من إحدى زميلاته أن تلتقط لدرصاف بعض الصور بهاتفها الخاص، كما تُخبر موضحةً أنها رفضت، لكنها أُجبرت في النهاية على الأمر.

تقول: "ليس لدي أي إشكال مع كشف وجهي إن اقتضى الأمر، ولكن لماذا كل هذه التلميحات والاستفزازات والتهديدات الجانبية، علماً أنني لم أرتكب أي جرم ولم يجدوا أي شيء ضدي؟".

واقعة مركز البريد

أعقبت هذه الحادثة واقعة ثانية داخل مركز البريد في حي الانطلاقة في تونس العاصمة، حيث امتنع عناصر المركز عن تقديم الخدمة لدرصاف.

بحرقة ظاهرة، تروي الفتاة ما حصل: "لقد ترددت إلى المركز سابقاً ولم أتعرض لأية مضايقة، في ذلك اليوم كان مركز البريد مكتظاً وبقيت أنتظر دوري قرابة الساعتين وعندما حان امتنعوا عن مساعدتي بحجة المرسوم... إن كانوا يريدون طردي فلماذا جعلوني أنتظر ساعتين كاملتين؟".

وتكمل درصاف: "سألتهم عن السبب، فأجابني المسؤول عن المركز ′النقاب ممنوع، اخرجي′، لقد عاملوني معاملة سيئة واتهموني بتعطيل العمل، وهذ ما حرّض بقية المواطنين ضدي فهجموا علي وضربوني ودفعوني وهددوني بنزع ملابسي والكشف عن وجهي رغماً عني".

طلبت الفتاة المنقبة من المسؤول سحب جميع أموالها وغلق حسابها البريدي نهائياً فرفض، ولم تتمكن من قضاء شؤونها إلا بعدما أوصلوها إلى مرحلة الإذلال والانهيار النفسي، كما تقول. 

ترى درصاف أن رئيس الحكومة يريد من خلال مرسومه ترسيخ فكرة أن من ترتدي النقاب ليست محسوبة على الدولة، وأن أصحاب النقاب (من تلبسه ومن يدافع عنه) منغلقون وغير اجتماعيين، قائلة "الشاهد لديه أفكاره الخاصة العنصرية والإقصائية التي أراد تمريرها بالاستعانة بمنصبه ولأسباب انتخابية لكسب المزيد من الأصوات".

تضيف درصاف أن تونس للجميع، موضحة أنها لا تطلب شيئاً إلا أن تتم معاملتها كمواطنة عادية وفق ما أمر به الدستور.

وتختم: "ابحثوا في صفوف المنقبات تجدوا المثقفة والطبيبة والمهندسة وهن محرومات حتى قبل المرسوم من الدراسة ومن الشغل ويتم إقصاؤهن لسبب وحيد هو طريقة لباسهن".

"لا يمكن الحد منه"

كان مرسوم الشاهد وعدده 15 لسنة 2019 قد جاء بعد أيام قليلة على وقوع العمليتين الإرهابيتين في تونس، إحداهما في شارع شارل ديغول وسط العاصمة وأسفرت عن سقوط عنصر أمن، والثانية قبالة الباب الخلفي لإدارة الشرطة العدلية في القرجاني وخلفت عدداً من المصابين.

"سألتهم عن السبب، فأجابني المسؤول عن المركز ′النقاب ممنوع، اخرجي′، عاملوني معاملة سيئة واتهموني بتعطيل العمل، وهذا ما حرّض بقية المواطنين ضدي فهجموا وضربوني"... درصاف الذوادي واحدة ممن طالهن المرسوم الجديد لرئيس الحكومة التونسية
"أراد تمرير أفكاره العنصرية والإقصائية بالاستعانة بمنصبه ولأسباب انتخابية"... ردود فعل متعددة على المرسوم الجديد الذي يحظر دخول المنقبات إلى المؤسسات الرسمية بين من رأى فيه ورقة انتخابية ومن اعتبره مخالفة دستورية  

وجاء في مرسوم تطبيق إجراءات السلامة: "في إطار الحفاظ على الأمن العام، يتعين اتخاذ الإجراءات الضرورية قصد منع أي شخص غير مكشوف الوجه من دخول مقرات الهياكل العمومية".

في المقابل، دفع تواتر عدد الحالات التي تم فيها منع منقبات من دخول بعض المؤسسات الرسمية، بهن وبالمتعاطفين معهن إلى إطلاق حملة إلكترونية بعنوان "النقاب حرية شخصية لا يمكن الحد منه"، وذلك لجمع تواقيع على عريضة شعبية في محاولة للضغط بغية إلغاء المرسوم الحكومي.

تمييز عنصري

كان "مرصد الحقوق والحريات" في تونس من المنظمات الحقوقية التي تدافع عن حقوق المنقبات وترفض بشدة مرسوم الشاهد، وقد اعتبر رئيسه المحامي أنور أولاد علي منع المنقبات من دخول المؤسسات الرسمية "تمييزاً عنصرياً واعتداءً على الحريات الفردية".

ويوضح أولاد علي لرصيف22 أن مرسوم العدد 15 هو قبل كل شيء مرسوم باطل وساقط قانوناً لأنه مخالف للدستور الذي أكد في فصليه 49 و 65 أن المسائل المتعلقة بالحقوق والحريات لا يمكن أن تُتخذ إلا على شكل قانون أساسي يحوز الأغلبية البرلمانية ويُناقَش تحت قبة البرلمان.

ويعتبر أولاد علي أن هذا المرسوم هو انتهاك جسيم للدستور من مؤسسة رئاسة الحكومة التي "يُفترض أنها تحرص على احترامه". 

ويشير مدير المرصد إلى أن المحكمة الإدارية اعتبرت في عدد من القرارات أن المراسيم الترتيبية تمس المشروعية القانونية وبإمكانها مراقبتها وحتى إزالتها، وهو ما دفع بالمرصد ومتضررات من هذا المرسوم إلى رفع قضايا لإلغائه بسبب مساسه بمبدأ الشرعية.

أغراض انتخابية بحتة

من جهة ثانية، يرى رئيس المرصد أن المرسوم المذكور جاء لأغراض انتخابية بحتة واختير في توقيت حساس قبل الانتخابات الرئاسية في 15 أيلول/ سبتمبر المقبل والانتخابات التشريعية المقررة في 6 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

ويوضح أولاد علي: "المرسوم الأخير يذكرنا بآخر سيء الذكر صدر عام 1981 في فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان يضيّق، بالتعليلات الأمنية والنمطية والمجتمعية الواهية نفسها، على المحجبات وليس على المنقبات فحسب، معتبراً ظاهرة الحجاب ′ضرباً من الشذوذ والانتساب إلى مظهر متطرف هدام′".

وفي سياق الرد على المرسوم، يقترح أولاد علي تشغيل نساء في المؤسسات الرسمية يتولين الكشف عن هوية المنقبات عند دخول المؤسسة وليس طوال فترة وجودهن فيها عوض منعهن من الدخول، معتبراً أن "مطالبة الأشخاص بارتداء لباس حسب أهوائنا هو تدخل سافر في حرياتهم الشخصية".

"الإرهاب فكر وليس لباساً"

بدوره، يرى الأمين العام لحزب "التيار الديمقراطي" المعارض غازي الشواشي أن حرية اللباس والمعتقد والضمير مكفولة في الدستور وفق ما نص عليه الفصل السادس من أن "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية".

"لماذا هذا المنع؟ وإن كان له علاقة بمقاومة الإرهاب فلا بد قبل ذلك من معرفة علاقة المنقبات بالإرهاب، حسب علمنا ليست هنالك منقبات قمن بعمليات إرهابية وليس بالضرورة أن كل منقبة هي مشروع إرهابية"

وتساءل الشواشي خلال حديثه لرصيف22: "لماذا هذا المنع؟ وإن كان له علاقة بمقاومة الإرهاب فلا بد قبل ذلك من معرفة علاقة المنقبات بالإرهاب، حسب علمنا ليست هنالك منقبات قمن بعمليات إرهابية وليس بالضرورة أن كل منقبة هي مشروع إرهابية أو تبشير أو فكر متطرف".

ويؤكد الشواشي أن "الإرهاب فكر متطرف وليس لباساً ولا بد من مواجهة هذا الفكر عبر مناهج التربية والتعليم والإعلام والثقافة والتوعية، ومعالجة شاملة من كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية  والمجتمعية".

كما اعتبر الأمين العام لـ"التيار الديمقراطي" أن في منع المنقبات من قضاء شؤونهن من المؤسسات العمومية في قطاع الصحة والبريد والتربية والتعليم، تعدياً على حقوقهن الطبيعية كمواطنات تونسيات في قضاء مصالحهن والانتفاع بالخدمات العمومية وتمييزاً بينهن وبين بقية المواطنين.

مقترح "مشروع تونس"

مرسوم رئيس الحكومة التونسية الخاص بحظر النقاب في المؤسسات الرسمية ليس الأول من نوعه، إذ كانت "كتلة الحرة"، وهي كتلة حزب "مشروع تونس" في البرلمان، قد قدمت مقترح قانون في 18 آذار/مارس عام 2016 يتعلق بمنع إخفاء الوجه في الفضاءات العمومية.

ويبين الأمين العام لحركة "مشروع تونس" حسونة الناصفي لرصيف22 أن ما يميز مبادرة حزبه عن مرسوم الشاهد هو مطالبتها بحظر النقاب ليس في المؤسسات الرسمية فحسب، إنما كذلك في الفضاءات العامة التي تشمل المحال التجارية الكبرى والأماكن المفتوحة للعموم ومحطات النقل البري والموانئ ووسائل النقل العمومية.

كذلك نص المقترح على معاقبة كل مخالف لهذا القانون بالسجن خمسة عشر يوماً وبغرامة مقدارها قرابة 5 دنانير أو بإحدى العقوبتين.

وعن أسباب طرح هذا المقترح، يوضح الناصفي أنه جاء لأن تونس "تعيش حرباً حقيقية ضد الإرهاب وهي في حالة طوارئ منذ سنوات والوضع الأمني فيها استثنائي".

ولفت الناصفي إلى أن الكتل النيابية التي تمثل الأغلبية في البرلمان رفضت المقترح واعتبرت أنه يمس الحريات الشخصية، موضحاً في المقابل أن احترام الحريات الفردية له حدود وضوابط ولا يمكن الحديث عنه في وضعية استثنائية كالتي تعيشها تونس منذ الثورة إلى اليوم، حسب تقديره. 

"اعتبارات أمنية بحتة" 

في المقابل، يرفض القيادي في حزب "تحيا تونس" (حزب رئيس الحكومة) وليد جلاد أن يكون رئيس الحكومة قد انتهك الحريات، ويقول: "لقد تم توضيح الأمر ولم يعد هنالك أي جدل بخصوص مضمون المرسوم المتعلق بحظر النقاب في المؤسسات العمومية".

ويشرح جلاد لرصيف22 بأن تونس تواجه مشاكل أمنية خطيرة، وأن رئيس الحكومة اتخذ هذا القرار لحماية المؤسسات العمومية المستهدفة لاعتبارات أمنية بحتة، وقال: "من قال إن يوسف الشاهد سيترشح للانتخابات الرئاسية، لا علاقة للمرسوم بالحملة الانتخابية المزعومة". 

من جهته، يرى الأمين العام لحزب "التيار الشعبي" المعارض زهير حمدي في تصريحه لرصيف22 أن إصدار المرسوم يأتي كمسألة ترتيبية تخص المؤسسة الرسمية لدواع أمنية بالإمكان تفهمها وقبولها لحماية الجميع، مستبعداً وجود تعدٍّ على الحريات.

وتعليقاً على إدراج هذا القرار في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها، يقول حمدي: "لا يمكن أن أفهم منشور حظر النقاب في المؤسسات العمومية إلا في إطار إجراءات واحتياطات أمنية، ولا أعتقد أن الشاهد سيربح سياسياً وانتخابياً من خلال قرارات تمس من الحريات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard