مسافر التقاليد في الألفية الثالثة... يوميات رجل دين في طهران

الخميس 22 أغسطس 201904:20 م

يكتب "محمدرضا زائري" رجل الدين والأستاذ الجامعي الإيراني ذو الـ49 عاماً، والذي يسكن طهران، يومياتِه في صحيفة "شَهْر آرا" التي تنشر في مدينة مشهد الواقعة شمال شرق إيران. كما أنه ينشر هذه اليوميات التي تروي قضايا المجتمع الإيراني اليومية، وتعامل الناس مع رجال الدين وقضايا أخرى، في قناتِه على تطبيق "تلغرام" ذي الشعبية الواسعة في إيران، ومن هنا جاءت شهرتُه وشعبيته بين الشباب الإيراني.

درس زائري في الحوزة العلمية إلى مستوى "الخارج" (مرحلة في الدراسات الدينية)، ثمّ رحل إلى لبنان، حيث حصل على ماجستير في فرع علاقة الإسلام والمسيحية من جامعة "يوسف القديس" في بيروت، ودكتوراه في علوم الأديان من نفس الجامعة.

أشعر أنه لا واجب لي هنا سوى المشاهدة. أخفض رأسي إلى الأسفل وأسير هادئًا!

تولّى زائري ادارة "بيت الصحفيين الشباب" في فترة التسعينيات في إيران، وإدارة أسبوعية "خانه" (البيت بالفارسية). وقد تمّ إغلاق هذه الأسبوعية بعد نشرها ردوداً على أسئلة فتاة شابة حول الإمام الخميني، وقامت السلطات بسجنِ زائري بعد فترة من إغلاق هذه المجلة. وقد تربّى في "بيت الصحفيين الشباب" وأسبوعية "خانه" جيلٌ من الصحفيين الإيرانيين المحترفين.

ومن نشاطات زائري السابقة زائري، هي تأسيس دار نشر "ترينكل" في بيروت، وإنتاج مسابقة تلفزيونیة مشتركة بين الممثلين الإيرانيين واللبنانيين في نوروز (آذار/مارس) 2018، كما أنه نجل البرلماني الإيراني ومحافظ "هُرمُزكان" السابق.

ألّف محمدرضا زائري كتبًا عن الحجاب وقضايا أخرى، وله مواقف ناقدة تجاه الحجاب الإجباري في إيران، وطريقة معاملة السلطات للنساء اللواتي لا يرتدين الحجاب كـ"شرطة الحجاب"، وهو ينتقد دوماً سلوكيات وسياسات المسؤولين الإيرانيين.

تشتمل يوميات زائري التي بدأ كتابتها منذ بضعة أشهر مواجهاتِه مع شتى أفراد المجتمع الإيراني في طهران خلال تنقّله عبر وسائط النقل العام، من سيارات التاكسي حتى المترو والحافلات العامة.

هذا الزيّ المقدّس الذي لا أرغب في خلعِه، هو لباس القتال بالنسبة لي؛ لكنني أصبحتُ محاربًا تُرك دون سلاح في خضمّ المعركة، لا يمكنه مغادرة الميدان ولا القتال!

غالبية المعاملات التي يواجهها زائري هي عبارة عن استنفار وعدم الشعور بالارتياح من قبل مختلف أنواع المواطنين، ويحاول هو أن يغيّر في تلك النظرة النافرة، بينما يعبّر عن أسفه لأن سلوكيات المسؤولين وسياساتهم أدّت إلى مثل هذا النفور وهذه الفجوة بين الشعب ورجال الدين.

مختارات من يوميات زائري:

1. أجلس في الباص، تأتي امرأة شابة وتناديني باسمي. أقوم وأرحب بها. تسلّمني ورقةً مكتوب عليها بخطّ اليد: "لا أريد أن أرتكب ذنباً. لا أدري ماذا عليّ أن أفعل. لا أستطيع دفع إيجار منزلي وتكاليف عيشي". أرتبك وأصيب بدوار كالمتكهربين! لا أعرف ماذا أفعل. أريد أن أبكي. أتمنى لو كنت أتمكّن من المساعدة والإجابة. أفكر مع نفسي أن هؤلاء الناس يتوقعون مني المساعدة وأنا في هذا الزيّ، وهذا هو الوضع طالما أنا أرتديه. هذا الزيّ المقدّس الذي لا أرغب في خلعه، هو لباس القتال بالنسبة لي، لكنني أصبحتُ محاربًا تُرك دون سلاح في خضمّ المعركة، لا يمكنه مغادرة الميدان ولا القتال!

عندما يأتي الناس إليّ بهذه الآلام والهمسات والأسئلة والتوقعات، فإنهم يريدون إجابات، وليس صلوات ودعاء. یصیبنی الخجل والحیرة في نفس الوقت. عند وصول الحافلة إلى المحطّة، أنزل وأذهب. أتّخذ خطوات سريعة كي لا تتبعني تلك المرأة طالبةً منّي جوابًا لا أملكه.

2. في الليل، وفي طريق عودتي إلى المنزل، أشاهد مرة أخرى في محطة المترو شباباً يعزفون على الغيتار. لم أحمل معي النقودَ في آخر مرّة، وفي هذه اللحظة أتردّد. هل عليّ أن أنحني، وأضع المال الذي في جيبي في حقيبة آلتهم الموسيقية؟ ألا تَعتبِر القيمُ الدينية أن هذا مخالف لها؟ أم أستمر في طريقي دون فعل أي شيء؟ ألا تعتبر العاداتُ الاجتماعية هذا تعارضاً للأدب؟ ماذا يتوقّع هؤلاء الشباب مني الآن كرجل دين؟ أتمنى أن أجلس بجانبهم وأسألهم بنفسي! أشعر وكأنني مسافر التقاليد في الألفية الثالثة؛ شخص جاء من وقت من الماضي إلى المستقبل! أنحني وأضع المال الذي أحمله تحت عباءتي وأرحل.

3. ذاهب إلى المنزل في الليل. متعبٌ جدًّا من العمل وقضایا الحیاة. المطر يغمر الشارع والزقاق. تذكّرت الليالي الممطرة في بيروت عندما كنت أعود من الجامعة إلى البيت، والليالي الممطرة التي كنت أعود فيها إلى البيت خلال فترة مشروعٍ دراسيّ قضيته في فيينا. لا المباني والمعمارية متشابهة، ولا الناس والسلوكيات! فيينا وطهران وبيروت! كلٌّ منها عالم مختلف، وليس بينها أي قاسم مشترك، فما هو الذي يجعلني أشعر بمشاعر واحدة في هكذا أجواء؟ ماذا سوى شوقي إلى رؤية تلك التي تنتظرني في البيت وخيالها الذي يجعلني أتّخذ خطوات أسرع.

4. ألقي التحية على المارّة في الشارع. للناس ردودُ أفعال مختلفة. يستجيب البعضُ بشكلٍ إيجابي وحتى يفرحون من أن رجل دين ينحنی لهم بابتسامة، ويردّون على تحيتي بمودّة. يمرّ البعض دون اكتراثٍ، وبعض آخر يمرّ بغضب شديد.

أحاول أن أتحمّل وألا أتخلىّ عن هذه الممارسة وأواصلها، لكنني أسأل نفسي: عندما يقوم شخص أكبر وأقوی منك بزرع الكراهية بين الناس، كيف يمكنك أنت أن تزرعَ المودّة بينهم؟ وأجيب بنفسي أنه: إن أشعلتَ شمعة، فأنت تخفّف قليلًا من الظلام، وإن کان بقدر شمعة.

5. في الصباح أقرأ أخباراً تتعلق بأكبر وأحدث اختلاس في البلد، وفي المساء أرى رجلَ شرطةِ المرور وهو یوقف الدراجاتِ الناریة. ثمة شابّ احتجزوا دراجته النارية، يلتمس ويقول: لا تأخذوا مصدر عيش زوجتي وطفلي في ليلة العيد!

أشير بيدي إلى سائق التاكسي، فيقف. لم أجلس بعد في المقعد الخلفي حتى أسمعُ صراخ المرأة الجالسة على المقعد الأمامي، وهي غاضبة من السائق، وتطلب النزول! عندما أكتشفُ أنها غاضبة من حضوري، ولحساسيتها تجاه رجال الدين، لا أطيق الجلوس في التاكسي، وأقول: ابقيْ

أنت وأنا نازل! أفتح الباب وأخرج. أشفق على حالها!

6. في قطار المترو يركبن ثلاث سيدات. أقف إلى جانب شبّان يلهون بهواتفهم المحمولة. أطلب منهم أن يقوموا حتّى تتمكن النساء من الجلوس. شخص واحد منهم فقط يترك کرسیّه. يقول آخرُ بنبرة خاصة إنه للنساء قسمهن الخاصّ بهنّ في القطار، ويستمر في لعبته الهاتفية. الشخص الثالث لا يرفع رأسه من الهاتف حتى!

إن سألوني، سأقول إن مشكلتنا ليست حاملات الطائرات وتصدير النفط والطائرات الحربية؛ المشكلة هي قلّة أدبنا وأخلاقنا السيئة!

7. على الرصيف، يأتي إليّ رجل يبحث في القمامة ویظهر لي يديه المجروحتين، قائلاً: "لقد طردوني من المصنع، وعليّ أن أجمع النفايات، وأجهز ابنتي للزواج. صورتُه باقية أمام عيني حتى الآن!

المطر يغمر الشارع والزقاق. تذكّرت الليالي الممطرة في بيروت عندما كنت أعود من الجامعة إلى البيت، والليالي الممطرة التي كنت أعود فيها إلى البيت خلال فترة مشروعٍ دراسيّ قضيته في فيينا. لا المباني والمعمارية متشابهة، ولا الناس والسلوكيات!

8. أصدقائي اللبنانيون يتّصلون بي من بيروت، ويريدون العثور على نسخة من رسالة الدكتور عفيف عسيران في جامعة طهران، والذي كتبها عام 1950. رسالته هي تحرير كتاب عين القضاة الهمداني. أقول لصديقي اللبناني إنني سأحاول أن أحصل على هذه الرسالة خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، وأفکر أن أجد طريقاً في قسم الوثائق في جامعة طهران، فأصل إلى هذه النتيجة بأنه في الوضع الأكثر تفاؤلاً، قد يستغرق الأمر عدة أيام أو أسابيع للحصول على الرسالة المطلوبة، وتصويرها باهظ التكلفة.

إن قالوا إنهم لا يمتلكون الرسالة، أو لأسباب أمنية تافهة، أو أسباب أخرى، لن يُسمح لنا بتصوير الرسالة، أو قد يطلبون منّا الحصول على توقيع أو موافقة من المسؤولين رفيعي المستوى. وأنا غارق في هذه الأفكار، أتذكر الأستاذ رسول جعفريان، رئيس المكتبة المركزية بجامعة طهران. أرسل له رسالة، ولحسن الحظ، يحقّق لي طلبي، وبعد دقائق يصلني ملفّ الرسالة التي كنت أبحث عنها. على الرغم من أنني أعرف السيد جعفریان، وتجربته في مكتبة البرلمان لم تكن مختلفة عن الآن، لكنني لا أصدّق أن الأمر هذا يحدث في إيران!

9. في نهاية الليل، یرسل لي كاتب معروف ومحترم رسالة نصّية ويشرح فیها أنه يحتاج إلى ثلاثمائة ألف تومان، ويضيف أنه في ذلك الوقت من الليل ليس بإمکانه فعل أي شيء غير إرسال رسالة إلى صديقه المُلّا. بأيّ الطرق الممكنة أجري تنسيقات كي یرسَل هذا المبلغ إلى ذلك الكاتب النبيل، وبعد ذلك أغرق في افكاري! متأكد من أن موظّفي ومديري المؤسسات التي تروّج لكتبه وأعماله الأدبية يكسبون أكثر منه، کما أنني متأكد من أن الذين قرأوا أعماله لا یصدّقون أنه محتاج الى 300 ألف تومان! (ثلاثون دولاراً تقريباً).

10. أرى صديقًا عزيزًا لي بعد سنوات. هو الآن أستاذ فی الجامعة، وأثناء لقائنا القصير، حين نتحدّث عن المجتمع والشباب والدّين، یقول صديقي: قضیتُ کلّ فترة دراستي في عهد الشاه في مدارس التعاليم الإسلامية. خلال كلّ تلك السنوات، كانت لنا احتفالات دينية فقط في ذكرى ميلاد الأئمة، ولم تكن هناك صلاة جماعة إجبارية أبدًا. إن أراد شخص ما اللعبَ في ساحة المدرسة، على سبيل المثال، فلم يجبره أحدٌ على الصلاة.

11. أسير على رصيف أحد شوارع طهران الرئيسية، فتظهر أمامي امرأة شابة بثياب غير مألوفة. قد أسقطت الوشاح من شعرِها، وبمجرّد ما تراني تفتح "المانتو" أكثر، وتتقدّم نحوي. واضحٌ جدًّا أنها تبحث عن سبب للمعركة، وأرجّح أن ثمة أحدًا يصوّر في نفس الوقت من الجهة الأخرى للشارع. أحيانًا علينا أن نغمض أعينَنا وحسب! أشعر أنه لا واجب لي هنا سوى المشاهدة. أخفض رأسي إلى الأسفل وأسير هادئًا!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard