48 ساعة في هونغ كونغ... الشرق يلتقي الغرب في مدينة العشرة آلاف بوذا

الجمعة 23 أغسطس 201904:19 م

حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر بعد 11 ساعة من الطيران حيث انطلقنا من مدينة ميونخ الألمانية، نبدأ بالهبوط فوق دلتا نهر اللؤلؤ الواسع، حيث تقع جزيرة هونغ كونغ على ضفتها الشرقية، عند مصبّ النهر، جنوب الصين.

تلوح في الجوّ أيضاً ماكاو، المستعمرة البرتغالية السابقة، و الأخت الصغرى لهونغ كونغ، حيث نرى الآن جسراً فوق البحر بطول 30 كلم يربط بينهما. من الأعلى نرى أيضاً مجموعة كبيرة من الجزر الصغيرة التابعة لهونغ كونغ متناثرة في البحر الصينيّ الجنوبي.

عند الهبوط نتلقى تعليمات بعدم الاقتراب من أيّ مبانٍ حكومية بسبب التظاهرات التي تحدث على الجزيرة والمواجهات الدامية بين الشرطة والمتظاهرين. وبحسب الصفحة الرسمية لحكومة لهونغ كونغ على الإنترنت، هونغ كونغ هي منطقة إدارية خاصة في جمهورية الصين الشعبية، حيث رزحت سابقاً تحت الاستعمار البريطاني من العام 1842 إلى1997، حيث عادت السيادة عليها للصّين تحت مبدأ "دولة واحدة، نظامان اثنان".

عرض ليزر"سيمفونية الأضواء" اليومي على الكورنيش البحري

تحطّ الطائرة على جزيرة لانتاو، ونذهب بالحافلة إلى الفندق في كاولون التي تقع في البرّ الرئيسي لهونغ كونغ المتصل بالصين، نمرّ فوق ثلاثة جسور كبيرة فوق البحر. أدع حقائبي في الغرفة سريعاً  لأحضر عرض الليزر اليومي في الساعة الثامنة مساء على الكورنيش البحري Tsim Sha Tsui Promenade الواقع على البرّ الأساسي، حيث تكون الألعاب الضوئية على الأبنية في الجهة المقابلة من الجزيرة وتفصل المياه بيننا وبينها.

شارع نايثان أو Nathan Road... الحداثة تعانق التراث

للتعرّف جيداً على أي مدينة، علينا أن نمشي في شوارعها على أقدامنا. ولذلك من يمشي في شارع نايثان يستطيع أن يلتقط روح هونغ كونغ الحقيقية، والتي هي باختصار ذلك المزيج المذهل بين الشرق والغرب. شارع مكتظّ وممتلئ تماماً حيث يصعب المشي فيه بين الحشود كما االمدن الآسيوية الكبرى.

في شارع التسوق الرئيسي هذا تجدون كلّ الماركات الغربية، الأوروبية منها والأمريكية، جنباً إلى جنب مع المحلات الآسيوية المحلية التقليدية. اللافت في الموضوع أن محلات الألبسة الجاهزة والأحذية والحقائب والإكسسوارات كلّها غربية، في حين تقتصر المحلات الآسيوية على العطارة والعقاقير. محلات أشبه بالصيدليات لكنها مليئة بأعشاب الجنزنغ، وأحصنة البحر المجفّفة، وزعانف القرش؛ أشياء يتداوى بها سكّانُ الشرق الأقصى منذ آلاف السنين.

من اللافت أيضاً وجود مسجد كبير في هذا الشارع، مليء بالمصلّين، يدلّ على ذلك احتشاد مئات الأحذية قبل المدخل في المكان المخصّص لها. هذا الخليط بين الشرق والغرب يميز هونغ كونغ عن مدنٍ ذات طابع آسيوي كطوكيو وشنغهاي مثلاً

محلّات عطارة فيها كلّ أنواع الأعشاب والبهارات ذات الروائح والألوان التقليدية، في مداخل ناطحات السحاب الهائلة، وجنباً إلى جنب مع محلات ديور Dior وشانيل Chanel وكوش Coach. ونلاحظ انتشار محلّات الطبّ الصينيّ التقليدي Traditional Chinese Medicine (TCM) في الشارع، متناثرة بين محلّات الموضة الغربية.

مسجد كاولوون في شارع نايثان

من اللافت أيضاً وجود مسجد كبير في هذا الشارع، مليء بالمصلّين، يدلّ على ذلك احتشاد مئات الأحذية قبل المدخل في المكان المخصّص لها. هذا الخليط بين الشرق والغرب يميّز هونغ كونغ عن مدنٍ ذات طابع آسيوي كطوكيو وشنغهاي مثلاً.

مسجد كاولوون في منطقة Tsim Shan Tsui هو أكبر مسجد في هونغ كونغ، إذ يتسع لـ٣٥٠٠ مصلٍّ، وهناك مركز إسلامي ملحق بالمسجد أيضاً. وبحسب موقع Best of all in Hong Kong، يتزايد المجتمع الإسلامي في هونغ كونغ بشكل مستمرّ، إذ يوجد الآن حوالي ٢٠٠،٠٠٠ مسلم في هونغ كونغ، منهم ثلاثون ألفاً من المسلمين الصينيين. هناك ستة مساجد الآن في هونغ كونغ، أقدمها مسجد الجمعيّة Jamia، وهناك مسجدٌ سابع قيد الإنشاء.


الأكل في سوق الليل أو ما يعرف بـ"شارع المعبد" Temple Street

يفتح هذا السوق فقط ابتداءً من الخامسة بعد الظهر، إذ يقدّم الأكل في الليل فقط، ومن هنا جاء اسمه، وهو شاهد دائم على الاحتفاليات في الأسواق الصينية؛ سوق آسيوي تقليدي مليء بالبسطات التي تبيع البضائع الآسيوية التقليدية من الألعاب والإلكترونيات والساعات والثياب واللوحات الفنية الزاهية، بالإضافة إلى كلّ الماركات العالمية المقلّدة.

بجانب هذا المهرجان من الألوان تجدون مطاعم كثيرة تقدّم الأكلَ الصيني التقليدي مفتوحة على الشوارع. تجلسون على كراسٍ وطاولات متواضعة جدّاً على الطريق، والمطاعم مكتظّة وممتلئة للغاية، ولكنكم تُذهَلون بنوعية الطعام ودرجة إتقانه وحرفيته، بعد أن تكونوا قد تهيأتم نفسيّا لأكل الشوارع البسيط، كما يوحي المكان على الشارع مباشرة.

المطبخ الأساسي في هونغ كونغ هو الصيني الكانتوني، وهو يتميز بكثرة المأكولات البحرية الطازجة التي تحفظ حيّة بآكواريومات مائية زجاجية أو أوعية بلاستكية مليئة بالمياه والأسماك وثمار البحر الحيّة، حيث يختار الزبائن ما يريدون أن يأكلوه ويقوم الطبّاخون بانتزاعه من الماء وتحضيره مباشرة. لا تقلقوا من أيّ تسمّم غذائي في هونغ كونغ، لأنها من أفضل الأماكن في العالم لأكل المأكولات البحرية طازجة جدّاً مباشرة من الماء إلى قدر الطهي.

ستار فيري Star Ferry وقمّة فيكتوريا Victoria Peak



هذا الفيري، أو العبّارة بالعربية، موجودة منذ عام1888، وتبحر بالناس يومياً في ميناء فيكتوريا عابرةً بهم من البرّ الرئيسي لمدينة هونغ كونغ (كاولوون) إلى جزيرة هونغ كونغ. يقوم بهذه الرحلة البحرية القصيرة يومياً في عبّارة ستار فيري حوالي سبعين ألف شخص.

بعد النزول من القارب بإمكانكم المشي لمدّة عشر دقائق لتصلوا إلى الترام الذي يقلّكم إلى أعلى قمّة فيكتوريا، وهي قائمة فوق جبل عالٍ شديد الانحدار. من على قمة فيكتوريا نرى مناظر أخّاذة لكلّ جزيرة هونغ كونغ ومنطقة كاولوون في البرّ الرئيسي من الأعلى. وإن كنتم تشعرون بالحيوية والنشاط، فمن الرائع أن تتمشوا نحو أعلى الجبل على طريق تدعى Morning Trail أو طريق الصباح؛ تحيط بكم النباتات الاستوائية والفراشات والقرود المتقافزة، ومن بين الأشجار الداكنة الخضرةِ بإمكانكم رؤية المدينة الهائلة من الأعلى والأبراج العالية وناطحات السّحاب في الأسفل؛ منظر يستحقّ عناء الصعود إلى فوق حتماً.

سوق ستانلي: لوحات وقطع فنية وأطباق وأوانٍ آسيوية

يبدو سوق ستانلي كبلدة صغيرة على البحر في الساحل الجنوبي لهونغ كونغ، وهو سوق مشهور بين السيّاح، يشبه سوق اللّيل، ولكن مع فارق، فهو مليء بإنتاجات الفنانين المحلّيين، إذ يمتلئ باللوحات والتحف الفنية الآسيوية المصنوعة يدوياً، والأواني الخزفية الصينية المزخرفة برسم اليد. فإن كنتم تبحثون عن الفنون الحرفية التقليدية الخاصة بهونغ كونغ، فعليكم بسوق ستانلي.

ينتهي السوق مع بداية الكورنيش البحري، حيث تجدون خيارات متعدّدة من مأكولات الشارع السريعة، وبعدها بإمكانكم إنعاش أنفسكم بغطّة في المحيط الصيني الجنوبي. الشواطئ مجانية ومفتوحة للعموم.

أمسية في سوهو: منطقة السّهر والمطاعم من كلّ أنحاء العالم


سوهو منطقة كوزموبوليتية، فيها كلّ شيء من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فبالإضافة إلى وجود مئات المطابخ من كلّ البلدان الآسيوية، من الملفت أيضاً وجود ثلاثة مطاعم لبنانية في المنطقة تتوزع على شارع واحد. بالإضافة إلى الإيطالي، والهمبرغر، والتاكو المكسيكي، والشوراسكاريا البرازيلي.

طبعاً أردتُ الاختيار من بين المطابخ الآسيوية، فوقع اختياري على المطعم التايلاندي Soho Spice في الـElgin Road، حيث يوجد أيضاً في ذات الشارع المطعمُ المغربي LE Souk الذي يتخصّص بالطاجين المغربي، وأطباق الكسكس، وقد تمّت الإشادة بهذا المطعم في دليل Michelin لأفضل المطاعم في العالم.

معظم المطاعم اللبنانية والعربية تتواجد في منطقة سوهو، في وسط المدينة الراقي والمكتظ، حيث يقصده العاملون الأجانب من غربيين وعرب وآسيويين، وأيضاً السكّان المحليون. فالفلافل والتبولة والحمّص والمشاوي على أنواعها والخبز اللبناني الطازج أصبحت أشياء معروفة هنا

يوجد أيضاً في ذات الشارع المطعمُ المغربي LE Souk الذي يتخصّص بالطاجين المغربي، وأطباق الكسكس، وقد تمّت الإشادة بهذا المطعم في دليل Michelin لأفضل المطاعم في العالم.

المطاعم اللبنانية والشرق أوسطية

بحسب موقع Lifestyleasia.com فإن أكل منطقة "مهد الحضارات" أي الشرق الأوسط، في طريقه إلى الازدهار والشهرة الكبيرة في منطقة سوهو الراقية في هونغ كونغ. ينصحون بزيارة مطعم "زهرة"، وهو أول مطعم لبناني افتتح في تسعينيات القرن الماضي ، وكان الأول من نوعه،لتكرَّ بعده السبحة، إذ في السنوات الأخيرة ابتدأ سكان هونغ مونغ باكتشاف نكهات الشرق الأوسط كالقهوة العربية والتركية، وتذوق وتقدير المطبخ اللبناني بوجهٍ خاص.

معظم المطاعم اللبنانية والعربية تتواجد في منطقة سوهو، في وسط المدينة الراقي والغالي والمكتظ، حيث يقصده العاملون الأجانب من غربيين وعرب وآسيويين، وأيضاً السكّان المحليون. فالفلافل والتبولة والحمّص والمشاوي على أنواعها والخبز اللبناني الطازج أصبحت أشياء معروفة هنا.

ففي مطعم "سماق" اللبناني التقليدي مثلاً، ووفقاً للموقع نفسه، باستطاعة الزبائن الاستمتاع بالمأكولات اللبنانية في جوّ مصمّم بديكور بيتي حميم، ويسمح لهم بتدخين الشيشة تحت أشجار البريق Glenealy.

هناك أيضاً الشيف أليكس معلوف الأسترالي من أصل لبناني، الذي فتح مطعماً في هونغ كونغ باسم أمّه (ماما معلوف)، بالإضافة إلى مطعم La Maison Libanaise في وسط سوهو، على جانب السلالم الكهربائية؛ مطعم يذكّر بأجواء بيروت في الستينيات، وكلّ ما فيه من الخبز إلى الكبيس (المخلّل) طازج.

أغادر هونغ كونغ بما يشبه الدوار لكثرة الانطباعات في هذه المدينة الصاخبة حيث الحداثة والتطوّر التكنولوجي فيها تجاوزا بأشواط هائلة ما يمكن أن نراه في أوروبا وأمريكا، ولكنها ما زالت تكافح من أجل الحفاظ على هويتها الخاصة ذات الطابع الصيني الجنوبي الكانتوني

أغادر هونغ كونغ بما يشبه الدّوار لكثرة الانطباعات في هذه المدينة الصاخبة حيث الحداثة والتطوّر التكنولوجي فيها تجاوزا بأشواط هائلة ما يمكن أن نراه في أوروبا وأمريكا، ولكنها ما زالت تكافح من أجل الحفاظ على هويتها الخاصة ذات الطابع الصيني الجنوبي الكانتوني

روّاد هذه المطاعم يتكونّون من كلّ الذين يعملون ويعيشون في منطقة سوهو الراقية والغالية الثمن من كلّ الجنسيات الوافدة إلى هونغ كونع، وأهل البلد أيضاً.

بعد ذلك بإمكانكم الذهاب للتمتع بواحدة من أفضل مشروبات دايكيري الفريز أو الفراولة في المدينة، حيث الكؤوس مغمسة بالكاكاو مسبقاً في Feather Boa Bar، وهو بار مخبّأ وخاص، تصاميمه الداخلية يمكن أن ندعوها بالكيتش Kitsh أو الباروك، وقد كان المكان في السابق متجراً للتحف القديمة.

ومن هناك لا تكتمل السهرة إلا بالرقص في بار الجنيات الحديديات The iron Fairies Bar، في شارع هوليوود. الجنيات حديديات فعلاً، إذ يذكّر كونسبت وديكور البار بماضي المكان حيث كان محلّا للحدادة. فرقة موسيقية وسيدة سمراء تغنّي الأغاني القديمة، والروّاد من السكّان المحليين والأجانب على حدّ سواء.

لانغ كواي فونغ في سوهو: شارع السّهر والحفلات

يعتبر شارع لان كواي فونغ Lang Kwai Fong، هو المكانَ الرئيسي للسّهر والحياة الليلية في هونغ كونغ، وهو يقع في منطقة Central المركزية. يضجّ هذا الشارع بالحياة ليلاً إذ يحتوي على أكثر من مئة بار ومطعم وملهى. شارع صاخب جدّاً، ومكتظّ جدّاً، حيث تنتقل الحفلات من داخل الملاهي إلى الطرقات؛ فكلّ المطاعم والبارات والملاهي مفتوحة على الشوارع، وتتضارب أنواع الموسيقى المنطلقة من كلّ مكان.

هونغ كونغ ملكة الليل اللعوب الصاخبة تفصح عن نفسها؛ الناس يرتدون الألوان الصاخبة والإكسسوارات اللامعة والمضيئة ببطاريات LED على أجسامهم. إنها ليست سهرة، بل كرنفال مضيء ومبهر ترون فيه بعضاً من الـDrag Queens أيضاً، يمرّون بين المحتفلين والراقصين من المحلّيين والوافدين والسيّاح على السواء.

العشرة آلاف بوذا: حجّ نحو الأعلى بين النباتات الإستوائية والقرود


لا تكتمل زيارة هونغ كونغ بدون زيارة معبد العشرة آلاف بوذا، ولكن سحر الزيارة الأساسي لا يكمن في دخول المعبد فقط، بل في الطريق. الطريق إلى المعبد هو عبارة عن 430 درجة صعوداً؛ صعود بزاوية انحدار قوية، بين الأدغال الخضراء، محاطة بناتات البامبو العملاقة والقردة التي تلهو على الأشجار.

430 درجة يصعدها المرء محاطا بتماثيل ذهبية اللون مصنوعة من الخشب لبوذا في مختلف الوضعيات. كلّ تمثال يصوّر بوذا في مكان وموقف بتعبير وجه مختلف. عشرة آلاف تمثال بالتمام والكمال على يمين ويسار الطريق.

عندما تصلون إلى الاعلى، تنكشف لكم المدينة كلّها في الأسفل. في الأعلى، هناك المعبد الرئيسي والذي يحتوي على 12.800 تمثال لبوذا، لكن التصوير داخل المعبد ممنوع للأسف.

ترون هنا كلّ الأشكال والأعراق والأعمار من الناس يتسلّقون الدرجات إلى أعلى الجبل في حجّ روحي نحو المعبد. كانت أيضاً هناك مجموعة من الزائرات الشابات المحجبات، قيل لي إنهن من أندونيسيا، إذ بحسب موقع مجلس أمناء موارد الجالية الإسلامية، في هونغ كونغ، هناك أكثر من 300,000 مسلم فيها، ثلاثون ألفا منهم صينيين، وثلاثون ألفا آخرين من باكستان ، في حين أن هناك 150,000مسلم إندونيسي.


48 ساعة في هونغ كونغ قليلة جدّاً، ولكنها كافية لتكوين انطباع أوليّ غنيّ بروحية المكان.

أغادر هونغ كونغ بما يشبه الدوار لكثرة الانطباعات في هذه المدينة الصاخبة حيث الحداثة والتطوّر التكنولوجي فيها تجاوزا بأشواط هائلة ما يمكن أن نراه في أوروبا وأمريكا، ولكنها ما زالت تكافح من أجل الحفاظ على هويتها الخاصة ذات الطابع الصيني الجنوبي الكانتوني في الشرق الأقصى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard