تناولوا فنجاناً من السعادة في تونس... وانسوا كلَّ شيء

الأربعاء 14 أغسطس 201903:04 م

  يقول المثلُ التونسي: "كُل بلاد وأرطالها"، أي كلّ بلد وطقوسه الخاصة. ربما كان قائل هذه المقولة مُحقاً فهي منطقية وبديهية بما أن تشابهَ المدن يُعدّ من المستحيلات، أقصد بذلك التشابه في التفاصيل والنسمات والعادات كبصمة للانسان.

"البلاد العربي"، التّسمية التونسية للمدينة العتيقة، وهي كذلك رمزٌ للأصالة. كما أن كلّ مدينة تونسية تقريباً تمتلك "مدينة عتيقة" تُسمّى بنفس الاسم وعادة ما تتموقع في قلب المدينة.

لكي يتأكد الزائر أنه في تونس عليه ملاحظة أشياء بسيطة: "الشاشية" التونسية وهي بمثابة الطربوش التونسي، والصّحون النُحاسية المنقوشة بأعلام وأسماء الزائرين، وكذلك "المشموم"، وهو عبارة عن ياسمين مزخرف ملفوف على أعواد قصب رقيق

في نهاية شارع بورقيبة أو ما بات يُعرف بـ"شارع الثورة"، وعند قوس "باب بحر"، وهو أحد أبواب تونس الذي يفصل بين تونس العتيقة وتونس الجديدة، حيث بُني هذا الباب في عهد الأغالبة، وكان الفرنسيون يطلقون عليه "باب فرنسا"، أطفال ونساء وباعة الألعاب والسّياح الأجانب جميعهم يُراقب المشهد: نافورات المياة المنبعثة من الأرض، وسرب الحمام المجاور؛ مدخل السوق المُقابل والذي يؤدّي إلى المدينة العتيقة؛ سوق مُغلقة تعجّ بالمارّة والدكاكين القديمة الممتدة على مساحة واسعة.

ولكي يتأكد الزائر أنه في تونس عليه ملاحظة أشياء بسيطة: "الشاشية" التونسية وهي بمثابة الطربوش التونسي، والصحون النُحاسية المنقوشة بأعلام وأسماء الزائرين، وكذلك "المشموم"، وهو عبارة عن ياسمين مزخرف ملفوف على أعواد قصب رقيق، وجامع الزيتونة المعمور الذي يتوسّط السوق تماماً؛ السوق الذي تتنوع بضائعه من بضائع تقليدية إلى توابل وعطور، ومطاعم ومحلّات الذهب والفضّة.

ولابدّ من المقاهي، فهي باتت إحدى صلوات التونسيين اليومية؛ إذ لم تعد المقاهي في تونس مجرّد مكانٍ لاحتساء القهوة فحسب، إنما تطور مفهومها ليأخذ بُعداً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً كذلك. ولطالما كانت المقاهي التونسية ملاذاً للشعراء والأدباء والموسيقيين والتشكيليين وحتى المشرّدين العابرين، فهي محطة آمنة لهم.

يكاد لا يخلو شارع الّا وفيه مقهى، حتى بتنا نقول إنه "ما بين المقهى والمقهى هُناك مقهى". وللمقهى التونسي خصوصية أخرى أيضاً، فقد حافظت المقاهي الشعبية القديمة وسط المدينة على طرازها رغم زحف التكنولوجيا والموضة، لا بل وخلقت مزيجاً جعلها تُحفة فنيّة للتونسيين وغير التونسيين أيضاً.

"عَسْلامة"، التحية المعتادة في اللهجة المحليّة، وهذه التحية غالباً ما يسمعها الزائرون لما فيها من معاني السلام والتقدير. يُفضّل الكثيرُ قولها هكذا رغم أنهم من أكثر الشعوب معرفة باللغات واللهجات العالمية، ويعود ذلك لتنوّع الثقافات والحضارات التي مرّت على تونس التاريخية وموقعها الاستراتيجي الواصل بين الشرق الاوسط وأفريقيا من جهة، وأوروبا من جهة أخرى.

باب المقهى القديم المنقوش على الطراز التونسي وهو خليط من العمارة الإسلامية والعثمانية والأندلسية يظهر فيه عبقرية الألوان وتوزيع المسامير بدقة متناهية، فيكاد لا يميّز الزائر إن كانت تلك المقاهي متاحف أم قصوراً أم قلاعاً صغيرة، ومع ذلك فإن الكثير منها كانت بيوتاً للبايات الذين حكموا تونس في الفترة العثمانية، وهي فترة ما قبل تأسيس الجمهورية الأولى.

باتت المقاهي إحدى صلوات التونسيين اليومية؛ إذ لم تعد المقاهي في تونس مجرّد مكانٍ لاحتساء القهوة فحسب، إنما تطور مفهومها ليأخذ بُعداً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً كذلك

الأبواب والنوافذ والجدران عبقٌ منشور في المكان مع أضواء خافتة؛ الجلسة الاستثنائية مسطبة مفروشة بالحصير؛ أقواس كثيرة وأعمدة عديدة؛ رائحة القهوة تفوح من آلة طحنِها، فقد اعتاد أصحاب المقاهي على إعداد القهوة بعد طحنِها مباشرة للحفاظِ على نكهتِها الطازجة. للقهوة هُنا أنواع عديدة منها الغربية، ومنها الشرقية، لكنّ القهوة الأكثر رواجاً في "البلاد العربي"، والأكثر طلباً هي القهوة العربية أو قهوة "الززوة"، كما يسمّونها هنا. يُضاف إلى هذه القهوة عادةً قليلاً من قطرات ماء الزّهر الذي يوضع في أوانٍ نحاسية بيضاء مُزخرفة، بالإضافة إلى ماء الزهر. وتُقدّم مع طبق القهوة قطعةٌ من البقلاوة التونسية أو "كعك الورقة".

القهوة ليست المشروبَ الوحيد هُنا، فهناك العديد من الخيارات أيضاً: "التّاي"، أو الشّاي التونسي الأصيل، شايٌ أخضر مُعدٌّ مع النعناع الطازج، ويُضاف له عادة ًاللوزُ أو البندق أو الصنوبر حسب الطلب، ويوضع في إبريق نحاسيّ يُشبه مصباحَ علاء الدين. اعتاد التونسيون عند صبّ الشّاي رفعَ الأبريق قليلاً لإظهار الرغوة التي تعطي نهكة لذيذة للشاي حسب اعتقادهم، وأصبحت تلك الحركة عادة من العادات الأساسية.

الشيشة أو النرجيلة أيضاً عنصر أساسي في تلك الجلسات الأصيلة، وبالعودة إلى مقولة "كُلّ بلاد وأرطالها"، للشيشة التونسية طريقة مُختلفة عن كلّ الطرق المعهودة من حيث شكلِها وطريقة تناولها؛ لا تكتمل الجلسة إلا بالموسيقى التونسية التي تؤكد تراثية المكان: "تحت الياسمينة في الليل" يُغنيها الهادي الجويني، أحد عمالقة الفنّ التونسي القديم، والذي وُلد بالقرب من هُنا في "باب الجديد"، وهو أحد أبواب تونس العتيقة. وأنتم الآن في حضرة التاريخ والمستقبل معاً.

لطالما كانت المُدن القديمة مركزَ اهتمامٍ للزائرين من كلّ أنحاء العالم. الفضول وحبّ الاستطلاع الفطري، أسئلة متكررة، وعيون تتفحّص كلّ شيء تراه، تلك الشعوب التي عاشت هُنا، العامة والحُكّام والسلاطين والشعراء والعلماء، الناس والدكاكين والأسواق والمقاهي؛ كلّ ذلك انعكاس لهم.

اللهجة العامية أيضاً، وهي خليط من العربية والتركية والأمازيغية، حيث أن اللغة الأمازيغية كانت لغة السكان الأصلية قبل قدوم العرب إلى شمال أفريقيا. الجملة العامية الأخيرة التي تسمعمونها في نهاية جلسات القهوة: "عيشك" أو "يعيشك"، كلمة تونسية شهيرة تُفهم من نغمتها حتى لو لم يكن للسامع معرفة باللهجة التونسية؛ كلمة تفوح بمعاني الحياة والسعادة: تمنياتي لك بحياة مديدة وسعيدة.

لطالما ارتبط لفظُ القهوة في تونس بلفظ السعادة، فهي تضيف مزاجاً لذيذاً دون شك. الناس هُنا يستهلكون السعادة بكثرة كاستهلاكهم للقهوة تماماً، فيجب عل كل زائر مهما كان أن يحرص على احتساء فنجان قهوة بتلك المواصفات التونسية، لأن فنجاناً واحداً منها يُعادل جرعة كبيرة من السعادة اللازمة للحياة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard