ست سنوات على رصيف22... لماذا الحرية؟

الأربعاء 14 أغسطس 201910:48 ص

اليوم، في 14 آب/ أغسطس 2019، يبدأ رصيف22 عامه السابع. أمور كثيرة في مسيرة الموقع شهدت صعوداً ونزولاً، تماماً كما حال الجميع في منطقتنا المتقلّبة. ولكن الثابت الوحيد الذي لم يتغيّر منذ يومنا الأول هو إيماننا بالحرية ورفضنا لكل أشكال القمع.

لماذا الحرية فائقة الأهمية؟

ليس مبالغة القول إن معظم مشاكلنا تجد بشكل أو بآخر جذراً لها في ما نعانيه من نقص في الحريات. لا يعني هذا غض النظر عن مسببات أخرى لأزماتنا بدءاً من سياسات الدول التي استعمرت منطقتنا وصولاً إلى التدخلات الخارجية في شؤونها حالياً، مروراً بموقعها في النظام الاقتصادي العالمي وأمور أخرى كثيرة.

ولكن في معظم المسائل، نمتلك نحن زمام الأمور. نحن، مواطنين وأحزاباً وتجمعات، مشاركون في المسؤولية عما نعاني منه من نقص في الحريات، نقص يسبب كبتاً لطاقات كثيرة، لو خرجت لكانت كفيلة بإحداث تغيير نوعي في حياتنا.

شكل حياتنا اليومية سيتغيّر وتفاصيل ما نعيشه كل يوم ستختلف لو كنّا لا نساوم على قضايا الحريات، حرياتنا وحريات خصومنا وحتى أعدائنا. ثقافة المساومة هذه هي ما يساعد الحكام على حرماننا من حريات وحقوق كثيرة، ولن نستطيع انتزاعها وإرساءها إلا عندما نعرف أن تساهلنا اليوم مع قمع خصومنا، على أساس أن ضربات العصا تطالهم ولا تطالنا، هو من أسباب معاناتنا غداً عندما تختلف موازين القوى أو تختلف تكتيكات الحكام. ولا شيء يبقى على حاله.

حين نمتلك الحد الأدنى من الحريات، سنستطيع قول ما نرغب في قوله وارتداء ما نحب ارتداءه وممارسة نمط الحياة الذي نفضله بشرط عدم إلحاق الأذى بالآخرين. ستكون حياتنا أفضل. سنتخلص من كم مرهق من التوترات اليومية. أنقبل بخسارة كل ذلك لأن حاكماً أقنعنا بأن هذا لا يجوز لأنه يُنتج "فوضى" ستسمح لفتاة هنا بارتداء تنورة قصيرة، ولشاب هناك بالسير ممسكاً بيد رفيقه؟

وحين نعبّر بدون قيد عن آرائنا وننخرط في تجمعات تدافع عن قناعاتنا وندعم مرشحين ونترشح محاولين سحب الكرسي من تحت المسؤولين، بديمقراطية، سيكون أفقنا أوسع وسنبقى مؤمنين بأن الحياة في هذا المكان ممكنة حتى ولو لم ننجح في التغيير. فهل نقبل بخسارة الأمل بغد أفضل مقابل الانتشاء بالتشفي بحال خصم لنا قمعته السلطة وأقصته، وغضّينا النظر عما لحق به؟

في بيئة قمعية لا نكون نحن بل نكون الصورة التي أراد القمع أن نكونها، ولا نمتلك أي أمل لأننا لا نشارك في صناعة مستقبل يفصّله الحكام على مقاسات مصالحهم الشخصية.

وفي بيئة قمعية، لا يمكن أن نستثمر لأن السلطة القمعية تتربّص بأي مشروع ناجح لتمتص دمه، هي التي تعيش كالطفيليات على امتصاص دماء الآخرين، وتحصر معظم خيرات البلاد بأزلامها الذين يحققون الأرباح على حساب عموم الناس.

باختصار، تستحيل الحياة الكريمة في بيئة قمعية، وتتعطل الديمقراطية لأن لا ديمقراطية بدون شفافية وبدون تداول حر للمعلومات وبدون مناقشة كل القضايا العامة بحرية. بدون عيش كل ذلك يومياً، تتحول الاستحقاقات الانتخابية إلى مناسبات كاريكاتورية.

هنا يأتي دور الصحافة المستقلة لتقدم المعلومات الضرورية للمواطنين كي يتخذوا قراراتهم على أساسها، ولتكون جزءاً من حركة رفض القمع، ولتفتح النقاشات حول القضايا التي تسعى السلطات إلى إخراجها من دائرة النقاش العام.

تعرف السلطات القمعية العربية تأثير الإعلام المستقل ولذلك تصنّفه عدوّاً لها، فتفرض تارةً قيوداً عليه وتعتقل وترهّب العاملين فيه كما حصل مع عدد من الزملاء في رصيف22، وتذهب تارةً أخرى إلى حجبه تماماً عن الناس، كما حصل معنا في كل من مصر والسعودية.

كل ذلك يولّد ظروف عمل صعبة. يومياً نختبر تأثير ترهيب السلطات على زملائنا الصحافيين، وبعضهم تعرّض للاعتقال أو تلقى رسائل تحذير مباشرة وبعضهم الآخر أرعبه ما حصل مع آخرين سُجنوا أو قتلوا بشكل بشع كما زميلنا جمال خاشقجي. كثيرون منهم صاروا، بسبب الخوف، يفضّلون الابتعاد عن العمل الميداني وعن القضايا "الحساسة" ويفرضون على أنفسهم رقابة ذاتية. ويومياً نعمل على مقاومة ذلك ودفعهم إلى المقاومة، مدركين، نحن وهم، أن هنالك ثمناً لهذه المقاومة.

تسعى السلطات القمعية إلى تحويل المواطنين، كل المواطنين وليس فقط الصحافيين، إلى كائنات خائفة كي يسهل حكمها، ونسعى نحن وآخرون يومياً إلى فتح ثقوب في جدران الخوف، كي تبقى الحياة ممكنة.

هذه قناعات رصيف22، وهذا ما يحرّكه في عملية إنتاجه اليومي، عندما ينجح وحتى عندما يخفق. في عامنا السابع، نعدكم بأن نبقى ندافع عن الحرية ونتحدى كل السلطات القمعية، وسنبقى باباً مفتوحاً لأفكاركم، ومساحة تستطيعون حينما تشاؤون استخدامها لرواية تجاربكم وقصصكم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard