القلق في السودان مشروع.. لكن ألا يقف حاجزاً بيننا وبين الأمل

السبت 10 أغسطس 201907:18 م

أحيا مع الأرق إلا في ليالٍ قليلةٍ ونادرة، منها ليلة فضّ الاعتصام، فقد نمتُ أبكر من المعتاد. ومن باب التفاؤل، طلبت من أصدقائي تنبيهي إن تمَّ توقيع الإعلان الدستوري، وواصلتُ السهر في ليالي التفاوض الطويلة وقلت ربما إن لم أنم، سوف يتمّ توقيع الإعلان... فالتفاؤل واجبٌ ثوري!

في الثانية صباحاً من الثالث من أغسطس 2019، أخبرتني رفيقة 6 أبريل والمليونيات، أن مؤتمراً صحفياً قد بدأ، فتحت البث المباشر وتركّز بصري وعقلي في اللحظة.

بعدما انتهى المؤتمر، لم أشعر بالسعادة ولم أعرف ما يدور في ذهني… لذلك ذهبت إلى أصدقائي الافتراضيين في السوشال ميديا، حاولت أن أستلهم منهم ردَّ الفعل المناسب. كانت الأغلبية متشكّكة، وهنالك قلّة متشائمة، ومجموعة أخرى تناقش وتدرس نظريات المؤامرة وتخوّن، مشاعر مختلطة ليس منها البهجة، فماذا لم نفرح؟

التوقيع على الوثيقة الدستورية

لنعدْ للخلف قليلاً ونراجع ماذا حدث في ثورتنا مؤخراً، بماذا يحتفل من يحتفل؟ باختصار تمَّ التوقيع على الاتفاقات اللازمة لبدأ الفترة الانتقالية، ولكنها إمضاءات بالأحرف الأولى، أي أنها ليست نهائية، وينتظر الجميع نهاية عهد التفاوض بعد عيد الأضحى، حيث ينبغي أن تصبح الوثائق مُحكمةً وختاميةً وموقعة بشكلٍ نهائي، بالإضافة لتعيين رئيس وزراء يشكّل الحكومة، وما يلي ذلك من إجراءات التحوّل المطلوبة.

القلق مشروع ومنطقي على ألا يقف حاجزاً يمنعنا عن الأمل، فما الثورة سوى القدرة على تخيل الأفضل والغد المشرق لبلادنا

التوقيع على الوثيقة الدستورية بالأحرف الأولى، هو خطوة تعني أن المجلس العسكري قد وافق أن يصبح السودان دولةً مدنيةً بنظامٍ برلماني ديمقراطي فيه فصل بين السلطات، أي أن ينتهي عهد الحكم المركّز في يد رجلٍ واحد وجماعته، أخيراً سيتخلّى العسكر عن السيطرة على بلادي، هذا لو صدقوا، هذا إن أصبحت العهود واقعاً.

فرح ودموع قادة الثورة

في كلمته عقب التوقيع، عبّر عمر الدقير، أحد أبرز قادة الثورة، عن أهمية الحدث وعن الاستحقاق الذي ينتظرنا، ببلاغته وشاعريته وقدراته الخطابية، قال مغالباً دموعه:

"الدموع وحدها هي التي تليق بهذه اللحظة التاريخية، كل قطرة دمع سوف تكون هدية لكل شهيد ولكل أم شهيد تقطع حشاها حزناً على فقيدها ولكل والد بلغه النعي فقال لقد قدمته فداء للوطن والحرية... كل قطرة دمع ستكون لكل معذَّب في السجون هدية، للمشردين في معسكرات النزوح واللجوء لأطفال يشتبكون مع القطط في حاويات القمامة، للجوعى للمساكين من أهل بلادي…".

بكي عمر الدقير وبكي معه كثيرون من زملائه في قيادة الثورة، في ساعات الصباح الأولى، أمام قاعة الصداقة، حيث عقدت تلك الجلسة من التفاوض، وقف الصحفيون والسكان الأقرب للموقع في احتفال مشحون بالعواطف والشك.

يا الله… ماذا لو كان المشككون على حق؟

كنت في المنزل كما الآلاف غيري، لم نصدّق وعليه لم نتمكن من التخلص من الشك والقلق. يا تري هل بكى عمر الدقير لأنه يعلم أننا انتصرنا ويملك من الدلائل ما يثبت قلبه باتجاه اليقين؟ أم أنه مرهق وسعيد حتى لو كان النصر منقوصاً؟

أنظر له، الرجل الذي اعتقل لمدة شهرين خلال هذه الثورة فقط وعاش حياة نضالٍ طويلة منذ شبابه، انظر له بعد خوضه لصراعات مع المجلس العسكري عن قرب وبينما يُتهم بالخيانة، لا بد أن ذلك يثقل الكاهل ويهدّ الرجال، بكاؤه وكلمته مؤشرا خير.

بينما هنالك مؤشّرات مغايرة، فها نحن نجد الحزب الشيوعي "وهو الأقرب للنزعة الراديكالية للثوار" يرفض التوقيع، ونسأل سرّاً: لعلهم محقون؟ لا نقولها جهراً ففي المجمل نعيب عليهم ترك يد الجماعة، لا نملك ترف اختلاف وجهات النظر وعدونا متماسك. لكن... يا الله، ماذا لو كانوا على حق؟ ماذا لو كنا نسلّم العساكر رقابنا ونسير على خطوات الخيبة المصرية؟

أهم مصادر القلق هو تجاربنا المتكرّرة مع المجلس العسكري، فحتى قبل التوقيع بيومين، قتل جنود الدعم السريع عشرات الأطفال في مدينة الأبيض غرب البلاد، أطفال خرجوا من المدارس في مظاهرةٍ سلميةٍ لطيفةٍ كأحلامهم، قتلهم قناصة عمداً وبتقصّد.

كيف نفرح ونطمئن لمن فضّ الاعتصام وقد كانت المفاوضات على مشارف نهايتها، وهم يبشروننا بالنهاية السعيدة. قال العسكر حينها تبقى القليل للنقاش حوله ثم غدروا بنا.

عندئذ أقسم قادة الثورة أن لا تفاوض قبل محاسبة من تسبب في تلك الجريمة، نظرياً هو مطلب مشروع، لكن عملياً، نحن وهم نعلم أنهم لن يسلموا أنفسهم كمدانين.

تدخّل المجتمع الدولي، وبالأخص الاتحاد الأفريقي، لرفع الحرج عن قادة الثورة الغاضبين للضغط على العسكر أدى لعودة التفاوض، ثم دفع ثبات الثوار في المظاهرات التي تلت المجزرة لتوقيع الاتفاق.

لنتأمل قليلاً في الحقيقة البسيطة التالية: مهما كانت التنازلات فنحن وصلنا للاتفاق، وهو ما لم يَرِده المجلس العسكري، فهم يودون الانفراد بالحكم والعودة للعهود السابقة… وعليه، ولأننا اقتلعنا منهم جزءاً مما نريد، يجدر بالثوار البحث عن الفرح.

بدائل الاتفاق

حسناً، التنازل عن المحاسبة الفورية، وأن يكون المجلس العسكري القاتل جزءاً من المرحلة الانتقالية شيء مرير ويصعب تجاوزه، لكن ما البديل؟ سألت نفسي السؤال الذي أطرحه على الثوار، ماذا ستفعل لو كنت في قيادة الثورة؟ هل تستمر المظاهرات؟ هل تعود للتفاوض؟ ما هي خطط التصعيد أو التنازلات التي تجدها مناسبة؟

أجابتي المبدئية بأني لا أعلم، أغلبنا حقاً لا يعرف الطريق الصحيح، ليست لدينا خلفية سياسية ولسنا خبراء في الثورات، وحتى معاصرتنا للربيع العربي لا تجدي، عدا بفكرة التمسّك باللاعنف، فهي ثورات يافعة لم تصل لنهايتها بعد.

بالنظر للمطروح من خيارات فأنني - بافتراض كوني من قادة الحراك - غالباً سأحلف ألا أفاوض غضباً مثلما فعلوا، ثم أجد ألا مفر من الجلوس مع الخونة، وخلق منطقٍ لمشاركة الحلم مع صنّاع الكوابيس، الجيش الذي تخلى عنا، ما عدا بعض الضباط الذين خالفوا الأوامر العُليا وسمحوا باستمرار الاعتصام في الفترة ما بين 6 إلى 11 أبريل، ليلة سقوط البشير.

لكن، لربما هنالك فرصة وحيدة منطقية وهي أن نتشارك مع العسكر حتى نضمن بعض المكاسب، ثم ندير الصراع من الداخل، وننتزع مطالبنا عبر برلمان ومجلس وزراء وجهاز قضاء ينتمون للثورة.

التوقيع على الوثيقة الدستورية بالأحرف الأولى يعني أن ينتهي عهد الحكم المركّز في يد رجلٍ واحد وجماعته، أخيراً سيتخلّى العسكر عن السيطرة على بلادي، هذا لو صدقوا... هذا إن أصبحت العهود واقعاً
لنتأمل قليلاً في الحقيقة البسيطة التالية: مهما كانت التنازلات فنحن وصلنا للاتفاق، وهو ما لم يَرِده المجلس العسكري، فهم يودون الانفراد بالحكم والعودة للعهود السابقة… وعليه، ولأننا اقتلعنا منهم جزءاً مما نريد، يجدر بالثوار البحث عن الفرح

القدرة على تخيّل الأفضل

هذه الأسبوع يراجع الثوار مذكرات الشهور الماضية، ويستعرضون معاً صور أولى المواكب والدعوات للتظاهر، تلك التي استجاب لها عشرات فحسب، ثم يقفزون بالزمن للأمام ليطالعوا سهولة تجميع الملايين في آخر مليونية، كم هو عظيم ذلك المشوار، كم تطوّر الحراك وإلى أي مدى تغيّرنا.

ثم يعودون لتصريحات رموز النظام المخلوع وتهديدهم وتحديهم للشعب، وكيف زالت أوهام قوّتهم وعجزنا، كل ذلك تحوّل إلى تاريخ، الحمد لله.

أحسب أن مراجعات الثوار تلك محاولات تعزيز ورفع للروح المعنوية، وهو ما نحتاجه على الدوام. يقلقنا الزمن بين توقيع الخلاص الأخير في السابع عشر من هذا الشهر وبين اليوم، يقلقنا الغدر، فنحن نعاهد مجرم حرب دافور ومجزرة القيادة العامة.

القلق مشروع ومنطقي على ألا يقف حاجزاً يمنعنا عن الأمل، فما الثورة سوى القدرة على تخيل الأفضل والغد المشرق لبلادنا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard