متمردون في المغرب وهادئون في مصر… الأمازيغ و"النظام"

الخميس 22 أغسطس 201908:35 م

يتمتع الأمازيغ في دول شمال أفريقيا بحضور  لافت، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم في تعاملهم مع السلطة، والمطالبة بحقوقهم، وتفاعل تلك الدول معها.

يُعتبر الأمازيغ سكاناً أصليين للجزء الشمالي من القارة الأفريقية، ويُقدّر عددهم حول العالم بـ55 مليون، منهم 20 مليون فقط يقطنون المغرب العربي.

وتنتمي لغة الأمازيغ لعائلة اللغات الأفرو آسيوية، ولها صلة باللغتين المصرية والأثيوبية القديمة، وتوجد لهجات مختلفة بينها فوارق من ناحية النطق، ورغم أنَّ دولاً اعترفت باللغة الأمازيغية إلى جانب العربية، لكنَّها لم تتخذ بعد الطابع الرسمي.


أحلام الحزب السياسي والاعتراف الكامل

في المغرب، التي يتحدّث 26.7% من سكانها اللغةَ الأمازيغية، بحسب تقديرات رسمية أثارت جدلاً، يتطلع نشطاء كثر لانتزاع الهوية والحقوق باستمرار عبر بوابة الأحزاب السياسية، آخرها حزب التغيير الديموقراطي، الذي انضمَّ إلى محاولات الدفاع عن موروثات الحركة الأمازيغية في المغرب.

وجاء الإعلان  في يوليو هذا العام عن بدء التحرك لتأسيس حزب التغيير بعد مرور سنة على رفض وزارة الداخلية حزب تامونت للحريات، وهو اسم أمازيغي يُقصد به الوحدة، وبعد مرور 11 عاماً من حل المحكمة للحزب الديمقراطي الأمازيغي، وكلها تجارب باءت بالفشل، بسبب اصطدامها بالنصِّ الدستوري الذي يمنع تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي.

"حان الوقت لإعادة الاعتبار للأمازيغية، لتحقيق الإنصاف اللغوي والثقافي ببلادنا"

إلا أن الصيغة الجديدة تسعى إلى تفادى المسار ذاته، باختيار اسمٍ منفتحٍ على قضايا المغاربة، غير قائم على أساس عرقي، حسبما يوضّح الناشط الأمازيغي عمر إسرى، وهو مقرّر اللجنة المشرفة بالحزب: "حزبنا لكل المغاربة بغض النظر عن لغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، لكن لا يجب أن ننفي أن الأمازيغية عانت من التهميش لقرون، وحان الوقت لإعادة الاعتبار لها وتثمينها، لتحقيق الإنصاف اللغوي والثقافي ببلادنا، ليس ضد المكونات الثقافية الأخرى، بل في تناغم تام معها" يقول إسرى لرصيف22.

يثق إسرى أن الداخلية لن تمنع تأسيس الحزب هذه المرة لأنه مستوفي الشروط، وغير قائمٍ على أساس عرقي، موضحاً الفارق بين التجارب الأمازيغية في السياسة بقوله: "مشروع حزب التغيير الديموقراطي، هو تجربة سياسية فريدة مختلفة، فنتقاسم الكثير من القيم والمبادئ مع اليسار المغربي، لكن نحن نريد بناء حزب يساري معتدل، على نهج الاشتراكية الديموقراطية".

وبحسب إسرى، يوفّر الحزب برنامجاً طموحاً لإعادة الاعتبار للأمازيغية لغةً وثقافةً وهوية، إذ سيعمل أولاً على مراقبة التطبيق الحرفي لمضمون الدستور الذي ينص على الأمازيغية كلغةٍ رسمية، والنضال من أجل إدماجها في التعليم والإعلام والقضاء، وجميع مناحي الحياة، لتقوية مفهوم المواطنة الفعلية لدى شريحة كبيرة من المواطنين.

يؤكد الناشط الأمازيغي عمر إسرى أن الأمازيغ أغلبية في شمال أفريقيا، وأطلق حزبا جديدا من منطلق ثقافي أكثر منه هوياتي لمحاربة مظاهر التمييز ضدهم في المغرب

وأصبحت الأمازيغية لغةً رسمية في المغرب إلى جانب اللغة العربية، في دستور 2011، وأقر الدستور إصدار قانون تنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ومؤخراً أقرَّ البرلمان تدريسها في المؤسسات الحكومية على مراحل لإعطائها الطابع الرسمي.

يقرّ إسرى، الذي يدير برنامجاً في إحدى القنوات الأمازيغية، بأن المغرب حقق بعض المكتسبات في إدماج الأمازيغية في بعض المجالات، لكنها تبقى غير كافية من وجهة نظره، فمازال هناك بعض مظاهر التمييز، من بينها تأخير تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وبطء المجهودات المبذولة في تعليمها، إلى جانب عدم المساواة في القضاء بسبب عدم إتقان العربية أو الدارجة التي تعد خليطاً بين العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية، وكذلك عدم قبول بعض الأسماء الأمازيغية للمواليد الجدد في الكثير من المناطق.

يؤكّد إسرى أن الأمازيغ ليسوا أقلية بل أغلبية في شمال أفريقيا، وأن دفاع حزبهم الجديد من منطلق لغوي وثقافي وهوياتي، فهي مطالب حقوقية وليست عرقية، بحسب تعبيره.

أمازيغ مصر... عزلة وهدوء

بعكس النشاط السياسي الملحوظ للأمازيغ في الشمال الأفريقي، وتحديداً في المغرب والجزائر وتونس، إلا أن نظراءهم في مصر يحافظون على موروثاتهم بدون أي ضجيج سياسي أو حقوقي لافت. يعيش حوالي 30 ألف شخص ينطقون الأمازيغية بواحة سيوة، في محافظة مطروح الحدودية، كونها قريبة من الصحراء الليبية، يمارسون طقوسهم بشكل طبيعي، ويتحدثون العربية بطلاقة بجانب الأمازيغية، اللغة الأم، لتعايشهم ضمن المصريين.

لا يطمع قاطنو سيوة من الأمازيغ في ممارسة السياسة أو إدراج لغتهم في الدستور، بل بتمثيلهم برلمانياً من خلال تخصيص مقعدٍ لواحة سيوة، لعرض احتياجاتهم الاقتصادية وتسهيل اندماج أبنائهم في المجتمع، من خلال الوظائف المهمة، والالتحاق بالكليات العسكرية المحظورة عليهم منذ زمن طويل.

وهو ما يصعب تنفيذه حتى الآن لشروط متعلقة بالتقسيم الجغرافي في النظام الانتخابي، حسبما تقول أماني الوشاحي، نائب رئيس منظمة الكونجرس العالمي الأمازيغي في مصر.


توضح الوشاحي، في تصريح لرصيف22، أن أوضاع الأمازيغ في مصر مختلفة عن أيّ دولة أخرى، فكلّ دول لها ظروفها السياسية، وخصوصيتها الثقافية، فهم أقلية مقارنة بأعدادهم في المغرب وليبيا وصحراء أفريقيا، لذا لن يتحركوا لتأسيس حزب سياسي أو إنشاء قناة تلفزيونية كما هو في المغرب، حيث يمثّلون نسبة كبيرة من سكانه، بينما في مصر يعيش حوالي 30 ألف شخص بواحة سيوة ينطقون الأمازيغية، ويعيش آخرون ممَّن لا ينطقون الأمازيغية ضمن قبيلة هوارة في محافظات مختلفة.

"أمازيغ مصر لا يحبذون الانخراط السياسي، ويميلون للعزلة، حفاظاً على لغتهم وهويتهم، ويتأذّون كثيراً من سلوكيات الوافدين إلى واحتهم النقيّة التي تسود فيها قيم جميلة كالنظافة والأخلاق الحميدة" 

تشير الوشاحي إلى أن أبزر إنجازات الحركة الأمازيغية في مصر هو نجاحها في كتابة المادة الخمسين من الدستور المصري التي تنص على أن "الدولة تولي اهتماماً خاصاً بالحفاظ على مكوّنات التعددية الثقافية فى مصر"، إذ استطاعت بصحبة نشطاء آخرين من النوبة وسيوة إقناع لجنة الخمسين التي أعدت دستور 2014 بإبراز التعدّد الثقافي في مصر.

"وزراء في مصر غير مهتمين بتفعيل المادة 50، وحضور الأمازيغ في الثقافة"

لكن الحق الدستوري لم يُفعَّل حتى الآن، فتقول الوشاحي إنَّ وزراء الثقافة في مصر غير مهتمين بتفعيل المادة 50 وحضور الأمازيغ في الثقافة المصرية، غير أن المجلس الأعلى للثقافة لا يضم بين أعضائه أي أمازيغي لتعزيز هويتهم.

تُطالب مُمثِّلة الأمازيغ المصريين، مُمثّلي الحكومة، بإعادة الاهتمام بقصر ثقافة سيوة، كونه يحتاج يحتاج إلى ترميم واهتمام بالثقافة الأمازيغية، التي تشكل القوام الرئيسي للواحة، وتوفير دورات تدريبية لتعليم اللغة الأمازيغية بقصر الثقافة كي تحافظ عيها من الاندثار.

بالنسبة لوشاحي، أزمات الحركة الأمازيغية قاصرة على الاعتراف الثقافي بوجودهم في المجتمع المصري، فهم ليسوا من ضمن الأقليات التي تتعرض للعنصرية أو التمييز، كما هو الحال بالنسبة للأقليات في العالم، لافتة إلى أن الجغرافيا الحدودية هي التي حرمتهم من الخدمات والوظائف وليس التهميش المتعمد من قبل الحكومة.

تنفي الوشاحي فكرة حرمان أصحاب الأصول الأمازيغية من تقلد مناصب مرموقة في مصر، مستدلة بحالة اللواء الراحل عمر سليمان، الذي ينتمي للأمازيغ، حيث شغل منصب رئيس المخابرات العامة لسنوات، وصعده الرئيس الأسبق حسني مبارك نائباً له في آخر أيام حكمه أثناء ثورة 25 يناير.

"أمازيغ مصر لا يحبذون الانخراط السياسي ويميلون للعزلة، حفاظا على لغتهم وهويتهم، ويتأذون كثيرا من سلوكيات الوافدين إلى واحتهم النقية التي تسود فيها قيم جميلة كالنظافة والأخلاق الحميدة" تختتم الوشاحي حديثها.


الطوارق.. بدو يحلمون بالانتماء

الطوارق، مجموعة أخرى من القبائل الأمازيغية، لكنها تعيش في شتات وتستوطن أماكن مختلفة، بين الصحراء الكبرى وجنوب الجزائر، وشمال مالي، وجنوب غرب ليبيا.

ويشتق اسم الطوارق من الكلمة الأمازيغية "تارجة" التي تعني الساقية أو منبع الماء، ويفضل الطوارق تسميتهم بـ"إيماجغن" أو "إيموهاغ"، ومعناها بالعربية "الرجال الشرفاء الأحرار"، فيما يطلق عليهم الأوروبيون اسم "الرجال الزرق"، لكثرة ارتدائهم القماش الأزرق.

يتفرّد أمازيغ الطوارق بتقاليد تخصّهم وحدهم، فيعرفون بالرجال المحجبين الذين لا يرفعون اللثام عن وجوههم إلا أثناء النوم، وتتمتع المرأة بمكانة كبيرة حيث تختار رفيقها وتعاكسه إن أمكن، وتستطيع أن تطلب الزواج والطلاق كما تشاء.

ويتبع الطوارق المذهب المالكي، غير أنهم من القلائل الذين لا يزالوا محافظين على لغتهم حتى الآن.

الطوارق بالأمازيغية "تارجة" وتعني منبع الماء، ويفضلون اسم "إيماجغن" أي الشرفاء الأحرار.

وتسبب النمط القبلي الذي يسيطر عليهم في عزلتهم، كونهم يقطنون بمناطق صحراوية بعيدة عن العواصم التي تعتبر مركز القرارات. وهو ما جعلهم في تعداد المنسيين أمام حكومات البلاد التي يعيشون في صحاريها، وتحديداً في إقليم أزواد، الواقع بشمال مالي، الذي يشكل الطوارق قوامه الأساسي.

بعد مشاركتهم في تحرير مالي من الاستعمار الفرنسي، أدرك الطوارق أنهم يجب أن يكونوا أكثر من مجرد بدو، فطالبوا بحقوقهم في الأراضي والحفاظ على خصوصياتهم الثقافية واللغوية في مالي في عام 1963، وهو ما قوبل بالقمع من قبل الحكومة حينذاك، لتبدأ رحلة من التمرد والمطالبة بالانفصال بإقليم أزواد.

وشهدت فترة التسعينيات انجراف الطوارق إلى التمرّد المسلح على حكومتي مالي والنيجر، بهدف تعزيز موقفهم وتحقيق مطالبهم بامتلاك الأراضي، وهي الحركة التي استمرّت بجذب المتمردين من طوارق ليبيا بعد مقتل معمر القذافي، حتى إعلانها استقلال إقليم أزواد، الذي تسكنه القبيلة في العام 2012، تحت شعار "الحركة الوطنية لتحرير أزواد".


واستغل الطوارق الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المالي أمادو توماني في مارس 2012، ليبسطوا سيطرتهم على بعض المدن في الشمال، إلى أن وقعت معارك بينهم وبين جماعات مسلحة، طُرد إثرها الطوارق، لتتدخل القوات الفرنسية لدعم الحكومة المالية.

وشهد عام 2015 توقيع اتفاقٍ تاريخي بين حكومة باماكو والهيئة الوطنية لتحرير أزواد، تحت إشراف دولي، يقضي باستقرار الأوضاع في الشمال، معقل الحركات المتمردة، وتشكيل مجالس محلية ذات صلاحياتٍ واسعة ومنتخبةٍ بالاقتراع العام والمباشر، ولكن بدون استقلالٍ ذاتي في شمال البلاد أو نظام اتحادي، مع التزام السلطة بتمثيلٍ أفضل لسكان الشمال من خلال الوظائف واستغلال الموارد.

ومنذ ذلك التاريخ، تنأى الحركة بنفسها عن المشاركة في أي حراك مسلح، كالذي تتبناه الجماعات الجهادية بمالي، إذ تتبنى اليوم خطاباً سلمياً قائماً على تعزيز الحوار السلمي وضمان انخراطهم في المجتمع، من خلال الوظائف والتمثيل السياسي.

ولا يزال يحلم الأمازيغ، سواء الذين يقطنون بقرى وأماكن أهملتها السلطات في المغرب، أو في طبيعة صحراوية معزولة غرب مصر، أو قبائل شمال مالي، أن يكونوا مثل القوميات الأخرى، حاضرة بثقافتها ولغتها وثقلها الاجتماعي والسياسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard