محمود درويش في طهران... وفالتر بنيامين وبيتٌ فارغ

الجمعة 9 أغسطس 201906:26 م

كنتُ في سفرٍ وسأسافر قريباً كالعادة، لذلك لم أستطعْ حضور مسرحية صديقي المخرج المسرحيّ "محمد رضائي راد" التي تعرض منذ شهرين في طهران إلا في آخر أيّامها.


في وقتٍ كنتُ متأخرةً فيه كالعادة. اتصل بي صديقي وأنا في الطريق: "مريم، أين أنت؟ أسرعي!" نعم، أسرعت وأنا في التاكسي! وصلتُ وكانت الصالة كلّها تنتظرني. قبل الدخولِ، سلّمتُ سريعاً عليه بسعادة وانتصارٍ، وبعض الخجل، ودخلتُ.

رغم أنني كنتُ أعرف أن المسرحية من ثلاث ساعات، وأنا دوماً مع الإيجاز، وأغفو من غير مشيئة حين أطيل الجلوس في أيّ مكان، إلا أنني لبّيتُ دعوة صديقي العزيز لحضور ومشاهدة مسرحيتِه، فأنا مأخوذة بالنهاية بحياة نجوم حياتي من الفلاسفة والكتّاب والفنانين، وطالما كننتُ الاحترام لعمل "محمّد رضائي راد" (صاحب العمل) من بين كمٍّ كبير من المسرحيين الإيرانيين، لاحترافيتِه ونظرتِه الثاقبة والمختلفة إلى محيطه، وعمقِ رؤيته واهتمامه بما يجري في العالم، لاسيّما الشرق الأوسط، خلافاً لمعظمِ الفنانين والمثقفين الإيرانيين الغارقين في مشاكل وقضايا لا تتجاوز الحدود الإيرانية؛ فعلى سبيل المثال هو الأوّل والوحيد من بين الفنانين الإيرانيين الذي تطرّق إلى الكارثة السورية وهي في بدايتها، وقد كتبتُ آنذاك عن مسرحيةٍ أخرجها من أربع حلقات (إيبيسودز)، تتضمّن كلّ حلقة حدثاً كارثياً ومفجعاً وقع بداياتِ الأحداث في سوريا.

المسرحيةُ تجمع بين الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، متقمصاً في مصيره الكارثي، الفيلسوفَ الإغريقي سقراط، ووقوعِه في مواجهة التاريخ، كما يراه بنيامينُ مصنوعاً على يد الفاتحين والمنتصرين؛ ومن هنا يدخل محمود درويش القصةَ بسطرين من جداريّته: "والتاريخ، يسخر من ضحاياه/ ومن أبطاله"

المسرحية (ملاكُ التاريخ)، تروي وقائعَ وذكرياتِ وتساؤلاتِ وأوهاماً تطرأ على الفيلسوف الألماني "فالتر بنيامين"، في يومه الأخير من الحياة، وهو معتقل في الحدودِ الفرنسية الإسبانية على يد القوات النازية. وتجمع بين بنيامين، متقمصاً في مصيره الكارثي وموتِه، الفيلسوفَ الإغريقي سقراط، مؤكداً على انتحاره المأساوي والبطوليّ في نفس الوقت، ووقوعهِ في مواجهة التاريخ كما يراه بنيامينُ مصنوعاً على يد الفاتحين والمنتصرين.

ومن هنا يدخل محمود درويش القصّةَ بسطريْن من جداريّته: "والتاريخ، يسخر من ضحاياه/ ومن أبطاله"، وتدخل فلسطين، الأرض التي أكّدت على أن الضحية بطل، والفاتح/البطل/المنتصر هو المنهزم، رغم أن ما جرى في فلسطين جاء بعد حياة بنيامين بعدّة سنوات، إلا أن المُخرج أراد أن يجمع بين تاريخنا المعاصر ومآسيه من فلسطين إلى فيتنام إلى سوريا، بالهموم البنيامينية والقلق على ضياع الماضي والمستقبل على يد أصحاب الفتوحات في التاريخ.

كما أنه جمع بين عددٍ من الذين اعتبر كلّ واحدٍ منهم "بنيامينَ" عصرِه، من بريشت إلى محمود درويش إلى الملّاحين الكادحين الذين كانوا في المسرحية يؤدون دور الملاحين تارة، وتارة أخرى هاتفين بالأناشيد، وفي الحالتين يسعون إلى إنقاذِ بنيامينَ من السجن والموت.

على عتبة ذكرى رحيل محمود درويش الحادية عشرة -وكانت بالصدفة تتزامن آخرُ ليلةٍ من العرض (8 أغسطس/أب) مع ليلتِها- وأنا جالسة على الكرسيّ في الصالة المعتمة في مسرح المدينة بطهران، أشاهد طلّته على الحبال التي كانت تشكّل حائط العرض طوال مدة المسرحية، فتوحي بالإبحار، وبالموت (الموت المندفع والمتعاقب خلال كلّ هذه العقود، والإبحار في ماذا؟!).

طهران تتأوّه من زحمة مرورية كبيرة ككثير من أوقاتها، لذلك طالت محاولاتي من أجل طلب التاكسي. وأنا ذاهبة وآتية على الرصيف المحاذي للمسرح وحديقة "الطلاب"، كان قد أخذ يفرد كثيرٌ من الباعة المتجولين أبسطتهم على الرصيف. بائعون غالبيتهم قادمون أو مهاجرون من المدن الداخلية في إيران إلى طهران

كعاشقة لمحمود درويش وإلقائه الشعرَ وصوته ويديه، كان شعوراً غريباً وثقيلاً كالقُربِ أن أراه وأسمعه في مسرحية فارسية تُعرض في طهران، حاضراً وداخلاً المسرحية وأحداثها إلى جانب "فالتر بنيامين" الذي طالما نظرتُ إليه بعين منبهرة، وهو يتخيل نفسه ذاهباً إلى فلسطين، وفي لحظة أخرى تضعُ القصةُ إحدى بطلاتِ المسرحية في بيت الشاعر في حيفا فتقرأ على جدار بيته مقطعاً من قصيدته (الجدارية).

خرجتُ من الصالة، دون أن أذهب لإلقاء التحية إلى صديقي وفريقه. كتبتُ له أنني ذاهبة وسنتحدّث لاحقاً عن مسرحيته، وآثرتُ أن أدلفَ إلى ليل طهران. جلستُ بعضَ الدقائق في ساحة المسرح. شممتُ في الهواء رائحة الأعشاب الروحية متصاعدة من مجموعة من الشباب الذين كانوا بدورهم خارجين للتوِّ من المسرحية،  ثمّ اتّجهتُ إلى الشارعِ كي أطلبَ التاكسي.

طهران تتأوّه من زحمة مرورية كبيرة ككثيرٍ من أوقاتها، لذلك طالت محاولاتي من أجل طلبِ التاكسي. وأنا ذاهبة وآتية على الرصيف المحاذي للمسرح وحديقة "الطالِب"، كان قد أخذ يفرد كثيرٌ من الباعة المتجولين أبسطتهم على الرصيف. بائعون غالبيتهم قادمون أو مهاجرون من المدن الداخلية في إيران إلى طهران؛ كلّ واحد منهم يهتف بلكنته الخاصة مروّجاً لبضاعته الصينية من ثياب مزينة (أو مشوّهة، لا أعرف) بصور أبطال من عالم السينما والموسيقى، لا أعرف غالبيتهم، إلى أواني زجاجية وحتى ما يتعلق بالهواتف المحمولة وتلطيف جوّ المنزل.

نادى أحدهم صديقه الجالس أمام "بسطتِه" في الجانب المقابل: "سيّد، هل تدخّن الزهور؟" -والزهور اسمٌ مستعار في الفارسية للماريوانا-. فأجاب "سيّد": لا، تعرف أنني لستُ من أهلِها.

يائسة من قبول طلبي من قِبلِ أيٍّ من تطبيقات التاكسي على هاتفي الذي تلفظ بطاريتُه أنفاسها الأخيرة كالمعتاد، كتبتْ لي أختي التي غالباً ما تتابع عودتي إلى بيتي من أيّ نقطة تكون متواجدة فيها: "خُذي سيارة تاكسي من الشارع، وانتبهي كثيراً!".

كان التاريخُ يسخر من ضحاياه، ومن أبطاله، أمام ليلةِ الصيف وحلمٍ وكابوسٍ وبيتٍ فارغ

توجّهتُ إلى الشارع كي أطلبَ أيّ سيارة تاكسيّ تمرّ، وأذهبَ إلى البيت. متجهّة نحو السيارات، وقاطعة الهتافات بأسماءِ البضاعات وأسعارِها الرخيصة من جانبَي الرصيف، مرّ من جواري رجلٌ بكثيرٍ من الشّحوم، وهمَسَ: "لديّ بيتٌ فارغ"، وكان التاريخُ يسخر من ضحاياه، ومن أبطاله، أمام ليلةِ الصيف وحلمٍ وكابوسٍ وبيتٍ فارغ.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard