الصفاء العرقي... لماذا نتمسك به رغم كل الأدلة على هشاشته؟

الاثنين 2 سبتمبر 201902:38 م

تعلمنا في المدرسة هذا البيت الشعري للبحتري والذي يفخر بانتمائه للعرب:

نحن أبناء يعربٍ، أعرب الناس     لساناً وأنضر الناس عودا،

وبرغم من غرابة أن الفخر بشكل عام بأي "صدفةٍ بيولوجية" بحتة، إلا أن الفخر هنا يكتسب طابعاً هزلياً بعض الشيء، إذ كيف يستطيع الفرنسيون على سبيل المثال، الافتخار بأنهم يستطيعون التحدّث بالفرنسية أفضل من الإنكليز؟ لكن هذه هي الأوهام المتعلقة بالقوميات ونقائها تأخذ طابعاً غير منطقي على الدوام.

شغلت فكرة النقاء العرقي بال الكثير من المفكّرين والسياسيين وعلماء الاجتماع، وتأسست على مقتضياتها دول وقامت ممالك وأمبراطوريات، فما استمراريتها وتمسك الشعوب بها؟

الأساس العائلي للقوميات

وفقاً لأفكار "الصفاء العرقي" يستند الأمر إلى حقيقة ثبات النسب، حسب مؤسّس علم الاجتماع، الألماني ماكس فيبر، (1864-1920)، فهناك الأمم متعدّدة الأعراق/ كالولايات المتحدة وكندا وأستراليا المكونة أصلاً من المهاجرين، وهناك الأمم القومية كفرنسا وألمانيا واليابان، والدول العربية بالتأكيد، رغم أن هذه الدول أيضاً تتكون من أعراق مختلفة وثقافات متعددة، لكن تميل لتمثيل نفسها كأنها "قومية واحدة"، ذلك أن الأسباب التاريخية التي تفرض نفسها على مجموعات عرقية مختلفة أقوى من "حقيقة ثبات النسب" والإيمان بالانتساب إلى جدٍّ واحد، كما في حالة تشكّل الدول الجديدة نسبياً.

في مقالٍ للباحث والأكاديمي الفرنسي ستيفان لوران يرصد "خرافة الصفاء العرقي"، يقول إن الكثير من الفرنسيين اليوم هم من نسب المهاجرين الذين وصلوا فرنسا في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث أن قرابة 18 مليوناً منهم من أصول غير فرنسية، وهذا الأمر عائد ليس فقط لمفاهيم التنوير والديمقراطية السائدة في فرنسا بعد الثورة، إنما أيضاً لمجموعة من الإجراءات الحمائية الأخرى التي اتخذتها، فيقول: "بينما صدرت الدول الأخرى الرجال، قامت فرنسا باستيرادهم".

الأمر مختلف بالنسبة للبلاد "العربية" البعيدة عن شبه الجزيرة العربية نسبياً، إلا أنها هي الأخرى لم تكتسب هذه الصفة في تسميتها إلا بتاريخ حديث نسبياً ولأسبابٍ سياسية.

تتبنى بعض الدول المفهوم العرقي للجنسية بناءً على نقاء الدم، كألمانيا واليابان والدول العربية، ويتم الحديث في هذه البلدان عن "الشعب المتجانس" بينما الواقع يختلف تماماً، فحركات الهجرة بين القرنين الخامس والسادس عشر غيرت الخارطة الديمغرافية لأوروبا، فيتكون الأشخاص الذين يطلق عليهم اليوم تسمية "الألمانية" من خليط من فئات سكانية مختلفة، جرمانية وسلتية وسلافية، كما أن سكان الأرخبيل الياباني مكونون من خليط من سكان الجزر المجاورة وقارة آسيا عموماً، بل أن زعيم النقاء العرقي الياباني نفسه أي العائلة الإمبراطورية تختلط في نسبها الأصول الكورية.

كذلك الأمر بالنسبة لبلاد الشام ومصر، إذ تعرّضت البلدان الواقعة على ساحل المتوسط لغزوات وهجرات متتالية، من أقوام على الطرف الآخر للبحر، وفي كل مرة كان جزء من هذه الأقوام يختلط بالسكّان الأصليين، سواء بالاتفاق أو الإرغام، لدرجة يصبح الحديث عن "الصفاء العرقي" لهذه البلدان أشبه بالطرفة.

وإسرائيل هي سياق خاص من أسطورة الصفاء هذه، فهي تتألف بالدرجة من مجموعات من سكان فلسطين، ومهاجرين من الولايات المتحدة وكندا، وأوروبا، وغيرها على أساس نقاء الدم اليهودي المستمرّ من العصور التوراتية، لكن هل من المعقول الاستمرار لهذا الحد؟

باستثناء تيار القرائين، يعتبر الحاخامات أي مولود لأم يهودية يهودياً، أي يعتبر أبناء الأب اليهودي المتزوج من غير يهودية ليسوا يهوداً بالمعنى الدقيق للكلمة، كما لم يعترف الحاخامات أنفسهم بيهودية الفلاشا القادمين من أثيوبيا، نظراً للون بشرتهم ثم ممارساتهم الطقوسية البعيدة عن "يهودية أوروبا"، لكن الأمر تغير لاحقاً بعد سنّ قانون العودة في عام 1950، حيث اعتبر يهود كل المواليد لوالدين أحدهما يهودياً، الأمر الذي يشيع جداً في إسرائيل، حيث واحد من كل اثنين في إسرائيل متزوج من غير يهودي.

هل يمكن أن نبني فكرة التجانس العرقي على المكونات الثقافية؟

يؤكّد فيبر أن "الهوية العرقية تقوم على الإيمان بالبنوّة" حيث يؤدي هذا الإيمان إلى إنشاء روابط يتمّ إثرها تشكيل المجتمع السياسي، والعيش ضمن مجتمعات يطوّر روابط أخرى كاللغة والدين ثم الثقافة، ما يكشف هشاشة فكرة "السلف" ووهمها، إذ أن الرابط الأقوى فيها رابط "وهمي" متخيّل، وبالتالي نستطيع فعلاً أن نستخدم تعبير المؤرّخ الأميركي بينديكت أندرسون (1936-2015)، بأن المجموعات العرقية هي "جماعات متخيّلة" فحسب.

هل يمكن إذا أن نبني فكرة التجانس العرقي على المكونات الثقافية؟ أيضاً تبدو هذه الفكرة بائسة لحد ما، فاللغة كما الدين، ليسا أمراً يمكن الركون إليه هنا، فأكثر من نصف سكان فرنسا لم يكونوا يتكلمون الفرنسية قبل ثورة 1789 كما يقول ستيفان لورينز، وجزء كبير من الذين يتكلمونها يفعلون بشكل سيء، حتى إدخال التعليم الإلزامي بعد الحرب العالمية الأولى، كذلك الأمر بالنسبة للمسيحية التي هي صلب الثقافة الأوربية والأميركية حالياً لكنها نشأت هناك، في الشرق الأوسط قبل أن ينتشر في العالم الجديد، كما ولدت البوذية في شمال الهند منذ 25 قرناً قبل أن تنتشر في آسيا.

أما في عالمنا العربي، فكثيرون من الذين قاموا بالترويج للقومية العربية في بلاد الشام كانوا من المسيحيين، وفي الحديث عن اللغة العربية الآن في العالم العربي فإننا حقيقة نتحدث عن لغات عدة هي لغات أصيلة في المنطقة، كالآرامية، والأمازيغية والتركمانية والكردية، وأيضاً اللهجات المتعددة التي يعتبرها باحثو اللغات مرادفاً للغة العربية الرسمية (أو ما يعرف بالفصحى). 

إن كان كل ما نعرفه عن تقاليدنا هشّ ومحكوم بديناميكية السياق التاريخي، من أين تستمد فكرة "الصفاء العرقي" شعبيتها وقدرتها على تحريك الخطاب السياسي؟ 

خطاب العنصرية في العالم اليوم، وإن طفا على سطحه الادعاء بـ"التفوّق الحضاري"، إلا أنه في عمقه ذو طابع اقتصادي بحت وغايات سياسية

هذه البحوث تظهر أن ما نعرفه عن تقاليدنا العريقة هي ليست كذلك، ذلك أن الهوية الثقافية المُحدِّدة هنا ليست مسألة جوهرية ولكنها تعتمد على ديناميكية البناء الاجتماعي.

من نحن حقّاً؟ 

في فيديو شهير حول تجربة علمية تمت بعد لقاء عدة أشخاص وسؤالهم عن ما يظنون أنه عرقهم، وبالتالي عن أعدائهم من الأعراق الأخرى، تحت عنوان: هل تجرؤ أن تجيب على سؤال من أنت حقاً؟ يجيب عدة أشخاص فخورين بقوميتهم على هذا السؤال بسهولة بالغة: أنا أفخر بأني انجليزي، عائلتي خدمت ودافعت عن هذه الأرض، أشعر بانتماء تجاه بنغلادش، أنا 100% ايسلندي، نحن نفخر ببشرتنا... ثم تبدأ مشاعر الفخر والتفوّق بالظهور لاحقاً.

يقول الإنجليزي: نحن أعظم دولة على الإطلاق ولا أشعر بالود تجاه الألمان، كما تجيب الكردية أنها تكره الأتراك، قبل أن تستدرك أنها تقصد الحكومة التركية، وبعد إجراء فحوص الـ"DNA" يفاجأ الجميع بوجود نسب ما من الأعراق التي يكرهونها في جيناتهم.

في نيسان 2005، قامت مؤسسة ناشيونال جيوغرافيك ببدء مشروع يدعى "جينوغرافيك" لدراسة علم وراثة الإنسان وتتبع أثر الأعراق المختلفة عبر تحليل الحمض النووي لـ950000 مشترك من 140 دولة، استمرّ المشروع خمس سنوات قبل أن يصدر نتائج كانت غير صادمة فحسب، بل أن تطلق رصاصة الرحمة في نظرية الصفاء العرقي.

قبل كل شيء نحن جميعاً أفارقة، ثم ننتقل إلى نتائج أخرى ليست أقل صدمة، 10% من يهود الاشكيناز هم أصلاً من العرب، 17% من المصريين فقط من أصول عربية و68% منهم من شمال إفريقيا، ووفقاً للدراسة فإن اللبنانيين هم الأكثر تنوّعاً في المنطقة حيث يعود 44% منهم إلى أصول عربية و14% إلى أصول يهودية، كما أظهرت الدراسة أن الجينات العربية واسعة الانتشار حتى في المناطق الجغرافية الأكثر بعداً.

تم مهاجمة المشروع بشدة تحت ستار استخدام الغايات التجارية في تتبع علم وراثة السكّان، وخشي المهاجمون من أن المعرفة المكتسبة من هذا النوع من الأبحاث تزعزع بشدة المعتقدات القديمة للذاكرة الجماعية للشعوب الأصلية وتهدد صمود ووحدة وثقافتهم، أي بعبارة أخرى، تهدّد وهم جماعات اليمين العنصري الصاعدة وتسقط خطابهم القائم على واحدة من أكبر الأوهام هشاشة، وهذا ما يقودنا لصعود اليمين المتطرف الجديد القائم على الوهم نفسه.

اليمين المتطرف وفكرة التفوّق

في عام 1883 وضع فرانسيس غالتون، وهو بالمناسبة قريب لداروين، أسس علم تحسين النسل، الذي يسعى إلى تحسين النسل البشري، الأمر الذي أدى إلى انزلاقات خطيرة في مسيرة الإنسانية، إذ قامت الحكومات بتشجيع العلماء على إيجاد طرق "علمية" لتحسين نسلها، الأمر الذي أخذ، اعتباراً من أواخر القرن التاسع عشر، منحنيات خطيرة للغاية، فقد دفعت هذه الحملة الدول لتجاوز الانتقاء الطبيعي الدارويني الأصل والسعي لتعزيز الجينات الصالحة عبر الزواج وتشجيع الناس ذوي "الجينات الجيدة" على الإنجاب، إضافة لتقييد الهجرة والفصل العنصري.

وذهبت أنظمة أخرى لمدى أبعد من ذلك، مثل ألمانيا النازية، بالقضاء على السكان الذين يعتبرون مبطّئين للتقدم البشري، في عودة تاريخية لأفعال محاربي اليونان، ولم يكن الأمر غريباً عن الدول الأخرى أيضاً، فعبر سياسة التعقيم قامت حكومة الولايات المتحدة الأميركية وكندا بتعقيم عشرات الآلاف من البشر، السود والسكان الأصليين، كما قامت بالأمر ذاته السويد، حيث خضع 230000 لنفس المعاملة بين عقدي الثلاثينيات والسبعينيات.

مع أن الاتهام بالشعوبية، وهو اللفظ المخفف للتعصب العنصري، كان موجوداً في الدولة الإسلامية منذ نشأتها، إلا أن هذه التهمة اختفت لصالح الرابط الثقافي الأوسع، واحتضانه تحت سلطة الدين الإسلامي جماعات أثنية ودينية متنوعة. 

ولم يعرف الخطاب العنصري الواضح ظهوراً في العصر الحديث، إذ كان العرب باستمرار مستهدفين من قبل الأوربيين وغيرهم لهذا النوع من العنصرية، حتى بدأ الخطاب مجدداً بالظهور، كما شهدنا مؤخراً خطاباً مماثلاً في لبنان، موجّهاً ضد السوريين والفلسطينيين، وهو إن طفا على سطحه هذا الوهم "بالتفوّق" الحضاري إلا أنه في عمقه ذو طابع اقتصادي بحت وغايات سياسية.

لا يشبه يمين اليوم يمين الأمس، فمعتقدات الجماعات الجديدة خليط متناقض من الإيمان بالتفوّق العرقي والتفوّق الثقافي، إدانة العولمة والانخراط في مكوّناتها بشدة، الكراهية الدينية وفقدان الثقة بالسياسات الحكومية، الشعبوية المرتفعة والأخطاء المرتكبة في أساليب الانتخاب، هذا التناقض يجعل اليمين الجديد عبارة عن ردود أفعال سياسية واجتماعية لا غير.

والدليل أن اليمين المتطرّف في أوروبا وأيضاً في الولايات المتحدة، لا يجمع بينه رابط ولا شعار، لكن الخطر يبدأ عندما يجلس اليمين الفرنسي مع الألماني والإيطالي على مائدة واحدة، ويبحثون سبل توحيد جهودهم، مع اليمين الأميركي التقليدي، وعندها يجب على العالم أن يتحسس رأسه.

صورة المقال لـ Hari Nandakumar 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard