الإبادة البيئيّة... كلنا "أحياء" على هذا الكوكب

الجمعة 20 سبتمبر 201907:24 م

تم إعداد هذه المادة بمشاركة حارث الطوس ضمن شباب22 "You22"، برنامج زمالة رصيف22 الذي ترعاه D-Jil، بالاعتماد على منحة مشتركة بتمويل من الاتحاد الأوروبّي، تشرف على تنفيذها CFI.

تشهد مناطق عدة في العالم اليوم احتاجات ومسيرات للدفاع عن البيئة، أغلبها  من فئة فتية، تشعر بأن سياسات العالم اليوم لا تعمل ما يكفي لحماية إرث بيئي لأجيال المستقبل. فهل نبدأ بتناول موضوع البيئة بشكل مصيري كما يستحق؟ 

قبل ثلاثة أعوام نشرت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا مقطعاً ظهر كمحاكاة لحالة القطب الشمالي على مدار ثلاثين عاماً, تحديداً الرقعة الثلجية منذ عام 1984 وحتى 2016, ويبين الفيديو ذوبان الجليد بالقطب الشمالي منذ عام 1984، حيث كان هناك نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع من الجليد وبحلول سبتمبر 2016 لم يتبقّ سوى 110 ألف كيلومتر مربع, في مشهد صريح لتغيير شكل الكرة الأرضية.

تعدّدت التعريفات التي تحاول الإحاطة بمفهوم الإبادة، وأغلبها يركّز على "تعمّد الإفناء" الذي يستهدف الإنسان ككائن حيّ، وأساس السيادة السياسية التي تسعى لضمان حياته كمواطن، أو تسعى لإفنائه كعدو، وهذه التعريفات تحوي دوماً عبارات كـ"الفعل الممنهج ضد جماعة ما بقصد إفنائهم" و"القتل المتعمّد الممنهج الجماعي لمجموعة كاملة" أو "الفظاعات التي تُرتكب أثناء العدوان".

مركزيّة "جسد الإنسان" التي تحيط بها التعريفات التقليدية للإبادة، تأخذ بعداً آخر في الحركات ما بعد الإنسانوية، التي ترى في "البشري"كائناً حياً يشترك مع الموجودات الأخرى بصفة "الحياة"، التي يجب أن تتمتع بذات الحقوق "الإنسانية"، كحالة الحيوانات والنباتات و"الأرض" ذاتها، بوصفها مساحة حيّة تتعرّض لجهدٍ سياسي يخرّبها، عسكري أو صناعي، ما يجعل مفهوم الإبادة يتسع ليشملها.

ممارسات الإبادة البيئية تقسم العالم إلى اثنين: ناجون يمتلكون القدرة على "الفرار" و"آخرون" مهددون بالموت والغرق والاحتراق بسبب الكوارث الطبيعية الناتجة عن تخريب البيئة عبر الزمن.

الجهود السياسية السابقة بتحويل البيئة إلى مكبٍّ للنفايات أو مختبر للتجارب العلميّة، هدد استمرار الحياة والاستقرار ضمن "المكان" عبر الزمن، ورسّخ تقسيم العالم بين "ناجين محتملين" و"ضحايا مجّانيين"، كلاهما تحت تهديد التغير المناخي.

هاتان الفئتان ليستا فقط تعريفات مفاهيمية أو أبطال أفلام الخيال العلمي الديستوبيّة، بل يمكن تلمس السياسات التي أنتجتهما بوضوح كما حصل مع إعصار كاترينا، حيث تُرك أصحاب البشرة الداكنة للغرق، إثر تأخّر تدخل حكومة الولايات المتحدة لإنقاذهم، وكأن في ذلك تحديداً لمن يستحق "النجاة" ومن حياته قابلة للهدر، وبصورة أعمق: أي المساحات الحيّة يمكن الاستغناء عنها، وتركها معطوبة وغير صالحة.

ما هي الهجرة البيئية؟ 

حتى نعي الصورة كاملةً فإننا بحاجة للتفريق بين ثلاثة مصطلحات أسياسية, أولها مصطلح "المهاجرون البيئيون", وارتبط بالكوارث البيئية التي تحدث فجأة لمجموعة من الأشخاص، وعادةً ما تم التفريق بينه وبين "النازحون والمشردون البيئيون"، وهؤلاء غالباً ما ترتبط كارثتهم بنزوح داخل الدولة أو القطر نفسه، مثلما حدث مع نازحي إعصار كاترينا في أمريكا، أو تسونامي اليابان بعدها، ومفهوم "إعادة التوطين" المتعلق بالبيئة إلى الرحلات الجماعية التي كانت تحدث تاريخياً لقوميات أو قبائل بسبب تغيّرات بيئية كالجفاف والبحث عن الماء والمرعى, كالهجرات إلى الأناضول مثلاً.

في ذات السياق يشير إريك شوارتز رئيس المنظمة الدولية للّاجئين أن من بين 70 مليون لاجئ على مستوى العالم هناك قرابة 25 مليون تم تشريدهم بسبب كارثة طبيعية أو ظروف بيئية, وحثّ على ضرورة للاهتمام بشكل جدي وعاجل بأثر التغيرات الطبيعية على قضايا عالمية كهذه.

 يشير رئيس المنظمة الدولية للاجئين أن من بين 70 مليون لاجئ على مستوى العالم هناك قرابة 25 مليون تم تشريدهم بسبب كارثة طبيعية أو ظروف بيئية

لتفادي الخراب الكلي للبيئة، "الوقاية اليومية" كتوفير المياه وتكرير النفايات، لا تكفي، بل لابد من تغييرٍ عميقٍ على المستوى الصناعي نحو اقتصادٍ ذكي و مستدام

نبوءات فنية

نلاحظ في أفلام الخيال العلمي منذ سبعينات القرن الماضي كيف أصبح التغيّر المناخي جزءاً من إنتاجات هوليوود، كما في فيلم soylent green الذي استعرض مشاكل التغيّر المناخي والرطوبة العالية واستنزاف الموارد وأثر الغازات الدفيئة على كوكبنا، فالفيلم الذي أُنتج عام 1973، أظهر الأرض في عام 2022، كمكانٍ يعجُّ بالسكان وملوّثٍ بالكامل، وقد أرهقت واستنزفت موارده تماماً بالضبط كما نعيش الآن.


هذا الحوار بين السياسي والفني نراه إثر تسلّم جورج بوش الابن رئاسة الولايات المتحدة، وفي جعبته سياسات بيئية قوية، لكن لم تمض أيام على وعوده في حملته الانتخابية بخفض انبعاثات الكربون من حرق الفحم حتى نكثها، وأعلن البيت الأبيض أن الولايات المتحدة لن تلتزم ببنود معاهدة كيوتو للتغيّر المناخي، ما أدى إلى اتهام الإدارة الأمريكية بحجب بيانات تصوّر حقيقة حجم الاحتباس الحراري، وفي ذات العام أنجز المخرج رولاند هميريك فيلم the day after tomorrow الذي نرى فيه شخصية عالم الأحياء والمناخ، الذي درس التغيّرات التي طرأت على القطب المتجمد، وحذّر العالم من الخطر دون أن يلقي أحد له بالاً.

نشاهد في الفيلم عواصف ثلجيّة تضرب شمال الكرة الأرضية، وتحديداً الأوروبية والأمريكية، ما يضطر هذه الدول لخلع عباءة استعلائها وطلب المساعدة من دول جنوب الكرة الأرضية، في إحالة إلى المركزية الأوربية والأمريكية، وكيف أن صناعاتها وحروبها ذات أضرارٍ عالميةٍ على الكوكب بأكمله وشرط الحياة فيه.

ما جاء به بوش لم يكن إبداعاً خاصاً به، إنما امتداد لسياسات استعمارية طويلة ترى في الأرض مادةً أولية لابد من استنزافها، هذا الشكل الاستعماري يفترض أن البشر بأكملهم "مستعمِرين " للأرض، وخصوصاً الدول المتقدمة التي تضرب في التراب بحثاً عن "طاقة" و"وقود" ولو أدى ذلك إلى نفي الحياة الآن ولاحقاً.

هل هي النهاية؟

سواء اطلعنا على التغيرات السياسية أو أسرتنا التجارب الفنية التي تنبهنا لقرب "نهاية" وجودنا، إلا أن الأمر لم يعد "مزاحاً"، أو مجرد محاولة لتنقية الضمير على المستوى اليومي، فالحلّ، أو بالأحرى تفادي "الخراب الكلي"، بحاجةٍ لتضافر جهود دوليةٍ ومؤسساتية، و إعادة تشكيل لمفاهيم السياسية والاقتصاد التقليدية، كالصفقة الجديدة التي قدّمها الكونغرس ورفضها ترامب، والتي ترى ضرورة تغيير النموذج الاقتصادي الأمريكي ثم العالمي، كفرض ضرائب على انبعاثات الكربون، وتغيير أسلوب عمل صناعات الطاقة، بل والتخلّص منها.

فـ"الوقاية اليومية"، كتوفير المياه وتكرير النفايات، لا تكفي، بل لابد من تغييرٍ عميقٍ على المستوى الصناعي نحو اقتصادٍ ذكي و مستدام، بالطبع هذه المحاولات تهدّد الشركات العالمية القائمة على مفهوم استغلال الأفراد والبيئة على حدٍّ سواء، وذلك لمراكمة الربح.

مع ذلك، هناك العديد من المحاولات والخطوات التي تأخذها عدد من الشركات لتضمن على الأقل التقليل من التلوّث، كحالة شركات الموضة والأزياء التي وقّعت مع الأمم المتحدة مذكّرةً تعلن فيها التزامها بتغيير معايير صناعة النسيج، في سبيل التقليل من استغلال الموارد البيئية من جهة والبشر من جهة أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard