يعتبرون المثلية مرضاً وسحراً... تجارب ثلاثة شباب من إدلب حاصرتهم ضغوط الزواج والأحكام الصارمة

الخميس 8 أغسطس 201902:06 م
Read in English:

Sick or Bewitched: the Life of Three Homosexuals in Idlib, Syria

تحاصر المثليين في الشمال السوري شتى أنواع القيود الاجتماعية والدينية والقانونية، وتجبرهم على إنكار ميولهم لإرضاء المحيط الذي يعيشون فيه. وتنتج من هذا الإنكار مشاكل نفسية واجتماعية لا تقتصر على المثلي وحده وإنما تمتد إلى أفراد آخرين، وخاصة عند إجباره على الزواج الغيري. 

تغيرات كثيرة شملت محافظة إدلب خلال السنوات الماضية بسبب الحرب المستمرة والنزاعات المتكررة بين الفصائل، وأصبح العيش فيها شديد الوطأة على الجميع، فكيف إذا كان من بينهم مثليون يحاولون التأقلم مع الضغوط التي يتعرضون لها، ومسايرة محيطهم خوفاً على حياتهم ودرءاً للفضيحة. إذ ذاك تصبح المحافظة "سجناً كبيراً يضم زنزانات صغيرة وسجانين كثراً"، كما وصفها أحدهم.

في إدلب، تمّ اللقاء مع العديد من المثليين الذين أكدوا أن ميولهم أصبحت أكثر خطورة عليهم بعد الثورة، بسبب حكم الفصائل الإسلامية وفرضها قوانين متشددة حكمت بالموت على من يمارس هذه العلاقات ومن ثبتت إدانته بها، وبالسجن والتعذيب على من تمّ الاشتباه فيه.

أجبرته عائلته على الزواج  

"الجميع هنا يرتدي الأقنعة"، هذا ما قاله محمد رافضاً حصر الوصف ببعض المنتسبين إلى الفصائل الإسلامية الذين يخفون وجوههم بشكل فعلي.

محمد (اسم مستعار) شاب في بداية العقد الثاني من عمره، مربوع القامة، ذو قسمات حادة كانت تبدو على وجهه أثناء لقائنا في مدينة إدلب أواخر العام الماضي. تفاصيل عدة رواها محمد عما يصر على تسميته بـ"المرض"، ومنذ ذلك اللقاء إلى اليوم لم يتغيّر شيء منها، سوى ارتباكه وتوتره اللذين يقول إنهما يستمران بمطاردته.   

يسكن الشاب في إحدى القرى في محيط بلدة سلقين التي تبعد عن مركز المدينة بضعة كيلومترات، لكنه كان يتردد إلى المدينة بين الفترة والأخرى لرؤية أصدقائه وليعيش وقتاً قصيراً من الحرية مع آخرين من "مجتمع الميم"، وجميعهم يمارسون رغباتهم بشكل سري خوفاً من المجتمع الأوسع الذي يحيط بهم.

عند لقائنا الأول كان يزور المدينة لسبب مختلف، فقد وصل إلى إدلب بحثاً عن طبيب يعالج ما يصفه بـ"مرضه الذي لم يعد يستطيع إخفاءه أكثر عن عائلته بعدما أجبرته على الزواج".

بيّن محمد أن كل محاولات العلاج التي جربها سابقاً لم تنجح في صرف تفكيره عن ميوله الجنسية التي راحت تؤرق حياته وتشكل هاجساً دائما لديه. وقال: "لقد حاولت الاعتزال في البيت ثم الانتماء لأحد الفصائل المقاتلة في محاولة للنسيان والانشغال بأشياء متعددة لكن ذلك لم يفلح".

وشرح كيف أخذت حالته النفسية بالتدهور وساعات غيابه عن المنزل تزداد نتيجة إحساسه بالضعف أمام زوجته التي لم يتمكن من معاشرتها جنسياً برغم مرور أشهر على زواجه بها.

هكذا تحولت مدينة إدلب إلى ملجأ يلوذ به محمد مبتعداً عن أهله وزوجته ذات الـ16 عاماً وقد أكد أنه تزوجها بسبب ضغوط أهله وأقربائه وليُرضي شعوره بالمساواة مع أقرانه وأصدقائه. 

فكر محمد كثيراً في الهرب إلى تركيا، لكنه لم يتمكن من الحصول على المال الكافي. وقال: "لم أخبر أهلي ولا أعلم إذا كانت زوجتي قد أخبرت ذويها، لكنني أحاول بكل جهدي الحصول على علاج لحالتي وقد جربت فعلاً العديد من الأدوية الطبيعية والصناعية"، مضيفاً: "لم أتمكن من الاقتراب منها برغم مرور أشهر على زواجنا "، بينما يرفض أي حديث عن "طبيعية هذه الميول أو إمكانية تقبلها".

لا يعرف محمد الكثير من مصطلحات المثلية الجنسية العلمية أو مفرداتها، كما أنه يرفض الاطلاع على أي شيء حول هذا العالم. ليس ذلك فحسب، بل ينغمس في انتقاد المثليين ووصمهم بـ"الشذوذ ومخالفة الطبيعة" برغم أنه يؤكد استمرار رغبته في إقامة علاقات مثلية ومتابعة الأفلام الإباحية الخاصة بالمثليين وتصفح صورهم وحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. 

يفضل محمد أن يختصر هذا الميل بـ"تفريغ رغبة جنسية خاطئة ولا يجوز بأي حال أن نشرّع هذه المعصية وندافع عنها رغم ارتكابنا إياها"، واصفاً تلك الرغبة بـ"قضاء لحظات من المتعة بعيدة عن الحياة الحقيقة"، فحياة المثليين لديه "خطأ مؤقت وليست طبيعة بشرية كما أنها لا تصلح لأن تكون طريقة حياة مستمرة".  

لا يحفظ هذا الشاب سوى بضع كلمات تتردد كثيراً في محادثات المثليين في هذه المنطقة متعلقة بالنوع: "سالب" و"موجب" و"مبادل"، بينما يحاول تبرير وضعه بأنه "ربما بسبب حاجته الى حنان الأب الذي كان قاسياً معه في الصغر أو ربما سببه وجود خلل في بنيته الجسدية أو قد يكون لعنة أصابته نتيجة سحر كتبه له أحد الحاسدين". 

تبريرات كثيرة لحالته يقدمها محمد محاولاً فهم ميوله التي يشعر بالخجل منها مبدياً خشيته من فقدان احترام الناس وتعرضه للأذى في حال كُشفت هذه الميول، وخوفه من أفعاله التي يراها عصياناً لله وارتكاباً لفاحشة تنهى عنها التعاليم الدينيّة والعادات الاجتماعية. 

بعينين شاردتين يستذكر محمد كيف كان يستفيق من نومه خائفاً عندما تراوده أحلام جنسية يكون شركاؤه فيها من الرجال، وهو ما جعله مع الوقت أكثر عزلة وانطوائية مع رفاقه الذين كانوا يتباهون بقصصهم مع الفتيات ويتبادلون أرقامهن وصورهن.  

أجبره أهله على الزواج، لم يستطع لمس زوجته فكل أحلامه فيها شركاء رجال، مع ذلك ينتقد المثليين لـ"شواذهم ومخالفتهم الطبيعة"... قصة محمد وآخرين مع المثلية في مجتمع ينبذها وبات أكثر خطورة مع سيطرة الفصائل الإسلامية
واحد يعتبرها "سحر ولعنة" وآخر "مرض" وثالث يدعو لـ"التعفف في سبيل محاربتها"... قصص ثلاثة مثليين في إدلب تطاردهم ميولهم، يحاصرهم المجتمع بضرورة الزواج وإثبات الرجولة ويخيفهم القانون والإسلاميون

لم يستطع محمد مجاراة أقرانه برغم محاولاته المتكررة واختلاقه قصصاً وهمية مع فتيات من الحي الذي كان يعيش فيه، فتلك القصص لم تكن كافية لوقف تندر زملائه عليه في المدرسة بسبب بعض تصرفاته الأنثوية وطريقة كلامه.

برغم البرد القارس في نهاية العام، كان محمد يواظب على السير في شارع المتنبي في مدينة إدلب وصولاً إلى دوار الساعة الذي يشكل مركز المدينة، وهو يحاول الهروب مما يجول في رأسه من أفكار وهموم قبل أن يقرر زيارة بعض أصدقائه من المثليين الذين يعيشون في المدينة.

 مستعيداً ذكرياته القديمة، يقول محمد: "هنا أحتفظ بأجمل الذكريات عن أيام دراستي في المرحلة الإعدادية، وهنا شعرت بقلبي يخفق لأول مرة عندما رأيت شاباً أشقر بعينين زرقاوين ينظر نحوي… لم أحاول وقتذاك فهم حقيقة تلك المشاعر أو إيجاد الوصف المناسب لها، لكن مع مرور الأيام كنت أشعر بالميل عاطفياً وجنسياً للرجال، وكان ذلك يرعبني".

مشاعر مختلطة

في مجتمع شديد المحافظة، يجد المثليون صعوبة في فهم ميولهم أو الاستفسار عنها، وبالتالي قبولها والتعامل معها بشكل طبيعي، فيعيشون مشاعر مختلطة تقودهم إلى رفض واقعهم وجلد ذاتهم والشعور الدائم بعقدة الذنب، وصولاً إلى تعريض أنفسهم أو شريكهم للأذى وللخطر بدافع الخوف والقلق حتى الرغبة في الموت للخلاص والتطهر. 

هذا ما أكده صالح (اسم مستعار) عند اللقاء به في الفترة نفسها مع محمد. هو شاب في بداية العقد الثالث من عمره، وقد انقطع التواصل معه منذ أشهر قليلة بعد اعتقاله. 

كان صالح قد تعرّف إلى محمد عبر أحد مواقع التعارف الخاصة بالمثليين، ليصبح أحد اصدقائه القلائل في المدينة.  

لم يمانع حينذاك من استقبالنا في منزله المتواضع في مدينة إدلب ومن مشاركة قصته، وقد بدا أكثر استقراراً في حياته الاجتماعية. فهو متزوج ولديه أطفال يعيشون في بيت مستقل بعيداً عن مركز المدينة، أما المنزل الذي استقبلنا فيه فكان قد استأجره فبل سنوات عدة ليلتقي فيه أصدقاءه المثليين بعيداً عن عيون الرقباء من أسرته ومجتمعه. 

وقتذاك، قدّم صالح نفسه كشاب متدين شكلاً وكلاماً، وهو يتمتع بسمعة حسنة ومكانة مرموقة في حيه بسبب شهادته الجامعية وعمله واختلاطه بالكثير من الناس، شارحاً أن عالم المثليين العرب يختلف عن غيرهم، فهم مجبرون على فعل الكثير من الأمور التي تنافي طبيعتهم حفاظاً على صورتهم أمام المجتمع ولإرضاء الأهل.

وبرغم اطلاع صالح على الكثير من الدراسات وامتلاكه معلومات عن المثلية الجنسية، فإنه وصف بداية إحساسه بهذه الميول في مراهقته بقوله "كنت أعتقد أن مرضي مؤقت، لكنه استمر معي حتى بعد الزواج ". 

بدا صالح مرتبكاً أثناء محاولة وصف علاقاته المثلية برغم زواجه، فالرجولة هنا تعني القدرة على إقامة علاقة كاملة مع النساء، وعدا ذلك فهو ضعف و"تخنث" حسب الوصف المحلي.

"نحن مُجبرون على مراعاة المجتمع الذي نعيش فيه"، قال صالح لافتاً إلى أن غير المتزوجين أكثر تعرضاً للوم من المتزوجين، فهؤلاء برغم وصمهم بـ"ملاحقة الأولاد" يبقون محافظين على صفتهم الذكورية اجتماعياً شرط الحفاظ على سرية العلاقات المثلية وممارسة التصرفات الذكورية في العلن. 

وهكذا، قال صالح إن الرجل بإمكانه إقامة علاقات مثلية شرط أن تكون بالسر، وقد تعرّف هو بنفسه على الكثير من الشباب والرجال المثليين المتزوجين الذين يبحثون عن علاقات مثلية سرية ويحافظون  في الوقت نفسه على صورتهم أمام المجتمع، عدا ذلك فهو يرفض تماماً كل حديث عن العبور الجنسي مثلاً أو إظهار الميول الجنسية للعلن. 

اختيار العزوبة

على مسافة غير بعيدة، وفي حي آخر من المدينة، كان يسكن صديق آخر لمحمد هو خالد (33 عاماً). 

كان خالد (اسم مستعار) قليل الكلام ومتحفظاً في حركاته أثناء اللقاء بنا، فبدا كأنه يوجه اللوم لمحمد لأنه "طفل ومتهور ويتكلم كثيراً إلى أناس غرباء"، على حد تعبيره. 

اختار خالد عدم الزواج وهو لا يزال "صامداً" حتى الآن في وجه الضغوط التي تمارس عليه من أهله وأصدقائه لدفعه إلى الزواج متعللاً بالأوضاع المادية السيئة وعدم الاستقرار، دون أن يعرف إلى متى ستظل هذه الحجج نافعة. 

"التعفف عن الأفعال الجنسية قد يساعد على الشفاء من هذا المرض"، يقول خالد رافضاً كذلك فكرة الزواج لمن لا يتمكن من إقامة علاقة مع الفتيات "لأن ذلك ظلم للزوجة وللزوج وسينتهي بفضيحة".

في المقابل، شدّد خالد على أن "هذه القصص (الميول الجنسية) ليست موضع فخر، ويجب كتمانها لأنها تضر المجتمع وتؤذي الأفراد"، معتبراً أن "المثلي يمتلك القدرة على التعفف  والعزوبة كخيار للابتعاد عن الوقوع في المعصية وتجنب الممارسات الجنسية التي قد تصيبه بكثير من الأمراض النفسية والجسدية".  

"التعفف عن الأفعال الجنسية قد يساعد على الشفاء من هذا المرض"، يقول خالد رافضاً كذلك فكرة الزواج لمن لا يتمكن من إقامة علاقة مع الفتيات "لأن ذلك ظلم للزوجة وللزوج وسينتهي بفضيحة، ويجلب العديد من المشاكل وربما الخيانات الزوجية". 

"هذا الأمر في النهاية هو ابتلاء من الله يمتحن فيه صبرنا وايماننا وما ذنب بنات الناس ليشاركننا في مصيبتنا"، بحسب خالد الذي قال إن اجتماع المثليين في إدلب محصور بلقاءات محدودة أغلبها ثنائية سرية، معيداً التأكيد أنه لم توجد قبل الثورة أو بعدها إمكانية لتجمع المثليين في مكان عام. 

والجدير ذكره هنا أن المثلية الجنسية مدانة بنصوص صريحة في الشريعة الإسلامية وقانون العقوبات السوري الذي تنص المادة 520 منه على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى ثلاث سنوات". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard