"مُرفّهة وخائفة من الغد"… العلاقة المُعقَّدة بين المغاربة والمال

السبت 10 أغسطس 201905:07 م

عُرفت المرأة المغربية بأنها مولعة بادخار المال والاحتياط مما تسميه بـ"دواير الزمان"، أي المشاكل المالية التي يمكن أن تعتري الإنسان في حياته، وعادةً ما تبدأ عملية التدبير والادخار من الأم، التي تضرب مثالاً بنمط حياتها، واختياراتها، يقع في أسره الأبناء، ويصعب عليهم الخروج منه في نمط حياتهم.

"هناك طريق خاصة في التعامل مع المال، وهي حسن التدبير وعدم التبذير، على المرء، وهنا أخص بالذكر الشباب من جيلي، التحلّي بالحكمة في التعامل مع المال، حتى لا يكونوا عرضةً للأزمات الاقتصادية التي يمكن أن تعتري حياتهم، وحسن التصرّف مع المال والحكمة في التعامل معه، يمكنها أن تبدأ في أول راتب يمكننا الحصول عليه"، هكذا تعبّر سمية بن سالم، (27سنة)، محاسبة بشركة متخصصة في تجارة الألبسة النسائية، عن رؤيتها للتعامل مع النقود، مثمّنة دافع الخوف من المستقبل.

لذة ورهبة الراتب الأول

بدأت علاقة سمية مع النقود، الشعور باللذة ورهبة المسؤولية، مع أول راتب لها، تحكي لرصيف22 عن تجربة يتذكرها الكثير منا، كل بطريقته: "كنتُ سعيدة جداً بحصولي على أول راتب، إذ استلمت 5000 درهماً ما يعادل (500 دولار)، كان شعوراً لا يوصف بعد جهد وتعب كبيرين، حينها اشتريت لأمي وأبي وأخوتي أشياء، بعدها نصحتني والدتي بأن أول راتب يجب أن أصرفه كما أشاء، إلا أن الرواتب التالية ستعمل على اقتطاع جزءٍ منها حتى توفره لي لأشتري سيارة وبعضاً من الذهب".

ومنذ ذلك الوقت، تقول سمية، ووالداها يوصيانها دائماً باقتطاع جزء من الراتب، على اعتبار أن المستقبل متغير، وأن الإنسان يجب أن يكون حريصاً على إدارة راتبه.

بدأت سمية مع استمرار عملها، وتلقيها مرتبها كل شهر، تعود لها ذكريات الطفولة، وكيف عاشت والدتها، تقول لرصيف22: "لطالما كانت أمي حريصة كل الحرص على نصحي بضرورة تدبير وحسن إدارة مدخولي الشخصي، وبعدم الإفراط في شراء الأشياء غير الضرورية التي تؤثر على المستقبل فيما بعد".

"الادخار أسلوب تربوي يتحكم به الآباء"

"الادخار ضرورة حياتية"، تقول رقية معتصم، ربة بيت وأم لثلاثة أبناء، لرصيف22: " أسعى دائماً جاهدة لتعليم أبنائي قيمة المال من خلال حسن تدبيره، فمثلاً لكل واحد من أبنائي "حصّالته" الخاصة به، يوفر فيها ما استطاع من نقود حتى يتمكن من شراء ما يحتاجه من متطلبات، والتي لطالما أتأخر كثيراً في توفيرها لهم في الوقت المناسب".

وتوصف رقيّة "الحصالة" بأنها "فكرة ناجحة وعملية ومشجعة لتوفير متطلباتهم".

يبرر عبد الكريم بلحاج، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة محمد الخامس في الرباط،  سلوكيات الشباب في التعامل مع مرتباتهم بأنها ترجع للطريقة التي تربوا عليها في الصغر، يقول في حديث لرصيف22، أن الأبناء يتبعون أسلوب حياة آبائهم، سواء كانت منظمة أو فوضوية،  ويضيف: "ونجد الكثيرين في أسرنا المغربية، يسعون إلى تحبيب مسألة التوفير وإعطاء قيمة للمال منذ الصغر، من خلال مسألة "الحصّالة"، التي يجمع فيها الصغار جزءاً من مصروفهم، تمكّنهم بعد حين من شراء حاجاتهم، لذا نجد الادخار أسلوباً تربوياً يتحكّم به الآباء".

أمان للمرأة في مجتمع ذكوري

في الوقت الذي تتفاخر فيه كثير من النساء المغربيات بالذهب،  وتتباهى به على صدرها وأذنها ويديها في المناسبات، تمنحه أخريات قيمة ادخارية، وتعتبره مصدر أمانها في المستقبل.

تقول وفاء صابر، (36 سنة) متزوجة و مقيمة في الإمارات، لرصيف22: "لاشك بأنني أعيش حياة كريمة مع عائلتي في هذا البلد، لكن دائماً يبقى الخوف من المستقبل، والمطبَّات التي يمكن أن تعتري أيّ شخص فينا قائمة، لهذا ففي الحياة أسير على خطى والدتي وجدتي اللتين كانتا دائماً تشدّدان على قيمة الادخار، وادخار أمي وجدتي كان من نوع آخر ليس بالمال وإنما بالذهب، إذ كنا دائماً نسمع الجدة تحثُّ أمي على ضرورة ادخار الذهب، لكونه في يوم الحاجة يمكن للمرأة أن تأخذ بعض من حليها لبيعه من أجل سدِّ بعض المشاكل المحتملة".

"أسير على خطى والدتي وجدتي اللتين كانتا دائماً تشدّدان على قيمة الادخار، وادخار أمي وجدتي كان من نوع آخر ليس بالمال وإنما بالذهب"

توضح صابر فكرتها بمثال: "كانت فكرة جيدة بالنسبة لي عندما قررت أنا وزوجي في أحد الأيام أن نقتني بيتاً في المغرب نتردد عليه كل عطلة صيفية، حينها لم يكن المبلغ كافياً لشراء البيت فاضطررت لبيع كل ما أملكه من ذهب لنُكمل به ثمن البيت دون أن نحتاج إلى الديون البنكية مع الفائدة".

في هذا الصدد، يفسّر عبد الجبار شكري، أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس، الجذور التاريخية لميل المغاربة لتجميد أموالهم بالذهب أو العقار أو ممتلكات غالية الثمن كالسيارة،  في حوار له مع يومية "الصباح المغربية": "فيما مضى لم يكن هناك في المجتمع المغربي نظام بنوك يمكّن المغاربة من إيداع أموالهم لتوفيرها واللجوء إليها عند الحاجة، خصوصاً بالنسبة للنساء اللواتي لم يكن لديهن مصدر آخر يوفر لهن مدخولاً مالياً، فكانت المرأة، نظراً لسيطرة العقلية الذكورية في المجتمع المغربي، تخاف من مستقبل علاقتها مع الرجل، إذ لا تطمئن إليه ولا تأمن غدره بها، بأن يطلقها أو يتزوج بامرأة أخرى، فتفقد بذلك مصدر استقرارها المالي".

بين المسؤولية والاستمتاع بالحياة

تتردد مشاعر العديد من الشباب المغربي بعد تخرجه من الجامعة، والالتحاق بـ"سوق" العمل، ما بين الشغف بالحياة، حيث تتفتح شهيته للسهر، والسفر بحكم استقلاله المادي، وبين مسؤولياته الاجتماعية، وتوجسه من المستقبل، خاصة بعد تقدمه في العمر، وتكوين أسرة.

حذّر أكرم زيدان، الباحث السوري في مؤلفه "سيكولوجية المال، هوس الثراء وأمراض الثروة"، من أنّ الرغبات المتنوعة والمتعددة مرتبطة "ارتباطاً زائفاً" بالمال، من لديه يصاب بهوس إدارته والقلق عليه، ومن ليس لديه مهووس بالحصول عليه.

يقول عادل الأدهم ، مغربي (36 سنة) يعمل سائقاً في شركة متخصصة في نقل البضائع، وأب لطفلين، كنت أتمنَّى دائماً ان يكون مدخولي الشهري كافياً، يجعلني أو يمكنَّني "باش نعيش فوق السلك" أي أن أعيش حياة مترفة، أستطيع من خلالها أن ألبس الماركات العالمية، وأستمتع مع ابنائي بالصيف والرحلات ومباهج الحياة الأخرى، وأوفر لنفسي جميع المتطلبات دون أن أشعر بالنقص المادي، فهذا النقص يسبِّب لي في بعض الأحيان إحباطاً وحزناً.

يتذكر عادل الأدهم، راتبه الأول بشيء من الحنين، يقول لرصيف22:  "بعد الحصول على أول راتب تنفتح عيونك على الكثير من الأمور، أولها قيمة الدرهم، الذي يجب احترامه وعدم هدره".

ويضيف بأن راتبه الذي يبلغ 4000 درهماً ما يقارب (350 دولار) يصعب عليه كثيراً توفير بعضاً من المال، وذلك راجع إلى الغلاء المعيشي، وتعدد متطلبات الشباب، وهو الوضع الذي لا يساعد على التوفير إلا قليلاً، وليس بشكل منتظم ودائم.

وكانت قد أفادت المندوبية السامية للتخطيط، في تقرير لها السنة الماضية، أن توقّعات الأسر المغربية بشأن قدرتها على الادخار تعد أكثر تشاؤماً.

"المال ظاهرة نفسية"

يحذّر أكرم زيدان، الباحث السوري في مؤلفه "سيكولوجية المال، هوس الثراء وأمراض الثروة"، من أنّ الرغبات النفسية والاجتماعية المتنوعة والمتعددة والغير متناهية مرتبطة "ارتباطاً زائفاً" بالمال، حيث أضحى المال والحصول عليه هوساً لدى الأفراد، فمن لديه مال يسعى للاستزادة منه، ويصاب بهوس إدارته والقلق عليه، ومن ليس لديه مال مهووس بالحصول عليه.

ولكن ماذا يحدث عندما لا يوجد من المال ما يكفي لإشباع وتهدئة كل أفراد المجتمع؟ إجابة زيدان "الصراع بين الأفراد"،  لذلك تقع الجرائم، و أطلق الناس على هذا المفهوم (صراع البقاء) ، ولكن زيدان يفضل تسميته بـ"التنافس" وليس الصراع، الذي يؤدي إلى هوس الحصول على المزيد والمزيد من المال، وهذا يؤدى حتماً في النهاية إلى مزيد من الاضطرابات النفسية والاجتماعية.

المشكلة تكمن، بحسب زيدان، في نظرتنا للمال وليس المال نفسه، خاصة عندما يعلو ويصبح قيمة وهدفاً، وهذا يستتبع بالضرورة التناحر والصراع بين الأفراد في سبيل الوصول إلى هذه الغاية؛ فتفسد بذلك العلاقات الاجتماعية، إذ يعتقد الفرد أن الوصول لغاية المال لن يتأتى إلا على حساب الآخرين، فتظهر مشاعر مرضية من الأنانية والنرجسية وينجرف المجتمع باتجاه الرشوة والبخل والنصب والاحتيال والاختلاس والادخار القهري والإسراف والديون وكلها قائمة على قانون (أقل الجهد).

يشدّد زيدان من هذا المنطلق على أن ّالمال ليس ظاهرة اقتصادية فقط، بل هو أيضا ظاهرة نفسية واجتماعية، تعمل على مستوى الفرد والجماعة.

ويذكّر زيدان القارئ بفكرة تبدو بديهية عن المال، ولكن الأجواء التنافسية قد تنسينا إيّاها، يكتب: "إن المال يشترى الوسائل ولا يشترى الغايات، فقد يشترى المال الطعام لكنه لا يشترى الشهية للطعام، ويشترى الدواء لكنه لا يشترى الصحة، ويشترى الوسائد والأسرة لكنه لا يشترى لحظة نوم واحدة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard