رغم المبادرات الحكومية وانتقاد السيسي... المصريون يكافحون للعثور على أدوية "منع الحمل"

الخميس 8 أغسطس 201909:00 م
Read in English:

The Struggle for Contraceptives in Egypt

أخفقت نانسي رؤوف، في العثور على دواء منع الحمل "ياسمين"، من صيدليات عدّة في منطقة وسط البلد والزمالك عقب نفي غالبية الصيادلة توفر الدواء منذ أسابيع.

منذ نهاية شهر مايو 2019، بدأت أزمة نقص أدوية منع الحمل المستوردة في السوق المصرية، ما دفع البعض للذهاب إلى السوق السوداء للعثور عليها.

تقول نانسي (31 عاماً) لرصيف22، إنها تشتري الدواء الجديد قبل أن ينفذ القديم بأيام، وأول مرة تشعر بتفاقم الأزمة، مشيرةً إلى أنها تطلب من معارفها البحث عن الدواء في الصيدليات المجاورة لسكنهم وعملهم.

تكرّر الأمر ذاته مع محمود سيد، (27 عاماً) يسكن في حي الهرم بالقاهرة، الذي اعتاد شراء "جنيرا"، وهو من أشهر أدوية منع الحمل، لزوجته منذ عام، لتأجيل إنجاب طفل أول عامين، إذ أنه لم يعثر على الدواء منذ أسبوعين، وقرّر اللجوء إلى أصدقائه للعثور على الدواء من السوق السوداء، مؤكداً لرصيف22 بحثه في الصيدليات الصغيرة جداً داخل الأحياء المتوسطة والفقيرة، لأن الطلب عليها يكون ضعيفاً حتى عثر على شريط واحد.

النقص لطلب الزيادة

صباح الخميس 3 نوفمبر 2016، حرّرت الحكومة المصرية سعر صرف العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري، فنتج عن ذلك ارتفاع حاد في سعر العملات الأجنبية، خاصة الدولار الأمريكي، مقابل الجنيه المصري، إذ وصل سعر الدولار 18 جنيهاً تقريباً، بعدما كان مستقرّاً عند سعر 8.88 جنيهاً.

أثّر ارتفاع سعر الدولار على شركات الأدوية التي تستورد المواد الخام بالدولار، لذلك طلبت من الحكومة رفع سعر الدواء حتى لا تتعرّض للخسارة.

شهدت سوق الأدوية، في عهد الدكتور أحمد عماد الدين، وزير الصحة الأسبق، موجاتٍ عدة لرفع سعر الدواء، وتُعدُّ أكبر عملية زيادة في تاريخ الدواء المصري في يناير 2017، بعدما وافق عماد الدين على زيادة سعر 3 آلاف صنف من الأدوية دفعة واحدة، لكن دون نقص في الصيدليات. وتكررت عملية الزيادة في أسعار الدواء عدة مرات، وفي كل مرة يرتفع السعر بين 30 إلى 50 في المائة.

لكن في وقتنا الحاضر، تتخذ الشركات طريقاً غير شرعي للضغط على الحكومة للموافقة على رفع سعر الدواء، وذلك عن طريق تقليل نسبة المعروض في السوق، إما تدريجياً أو خفضه بشكلٍ مفاجئ، وسريعاً يُثار الرأي العام وتحدث مطالبة بتوفير الدواء حتى لو تضاعف سعره.

أخفقت نانسي رؤوف، في العثور على دواء منع الحمل "ياسمين"، من صيدليات عدّة في منطقة وسط البلد والزمالك، عقب نفي غالبية الصيادلة توفر الدواء منذ أسابيع.

في عام 2019 تعاظمت أزمة نقص أدوية منع الحمل التي تتكرّر كل عام، والنقص الحاد في الأدوية المستوردة المستخدمة في تنظيم النسل يمكن أن يتكرر مرة أخرى.

يقول محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، لرصيف22 إن أسباب نقص أنواع معينة من الأدوية بين الحين والآخر في السوق يرجع إلى عدم تفكير الحكومة في الدواء المسعَّر جبرياً، قبل تحرير العملة، كذلك عدم وجود سياسات طويلة الأمد في وزارة الصحة.

مصدر داخل الشركة المصرية لتجارة الأدوية، قال إن شركات أدوية منع الحمل لم تتعمّد تقليل المعروض في السوق لرفع سعره، وإن القصة كلها تتمحور حول نقص المواد الخام، أو سوء تقدير في الخطة الإنتاجية.

على الرغم من ذلك، لم ينف المصدر رغبة الشركات في رفع سعر الدواء، قائلاً: "كلنا عارفين أن الأدوية هتغلى، وبدأت بالفعل، كل شركات الأدوية لقطاع الأعمال تقدم طلبات لرفع سعر الدواء لأنها تخسر، ومعروف أن الأسعار هتزيد هتزيد، وده على مراحل، وكل أربع أشهر سيزيد سعر 5 أنواع أدوية، بخلاف الوزراء السابقين".


تبنّت الحكومة المصرية منذ أكتوبر 2017، مبادرة "كفاية2"، على مستوى الجمهورية عامة والصعيد خاصة، وذلك للتصدي للزيادة السكانية التي تواجهها مصر، إذ سجلت الساعة السكانية وصول عدد سكان مصر بالداخل إلى 99 مليون نسمة.

شركات أدوية منع الحمل لم تتعمّد تقليل المعروض في السوق لرفع سعره، وإن القصة كلها تتمحور حول نقص المواد الخام، أو سوء تقدير في الخطة الإنتاجية.

لا يرى مدير المركز المصري للحق في الدواء، وجود رابطٍ أو صلةٍ بين مبادرة "كفاية 2" التي تروّج لها وزارة التضامن الاجتماعي لتنظيم الأسرة والاكتفاء بطفلين، وبين نقص أدوية تنظيم النسل، ويرجع ذلك لأن الدواء تستورده شركات خاصة، ويعتقد أن الإشكالية في نقص المواد الخام.


البديل أم المثيل؟

لا يوجد جهة في مصر تعلم احتياجات النساء داخل مصر من أدوية منع الحمل، يوضح فؤاد: "محدش يعرف كام سيدة تأخذ دواء منع الحمل، وكم عدد الزيادة السنوية، إذا عرفنا العدد يمكننا توفير المطلوب، لكن عدم معرفتنا بالمطلوب بيخلي الأزمة تتكرر".

كذلك نفى مدير "الحق في الدواء" أن يتم حساب رقم تقريبي من نسبة مبيعات شركات أدوية منع الحمل، لمعرفة حجم المطلوب ومن ثم توفيره، الأمر الذي يُحدث أزمة عقب اقتراب المعروض من الانتهاء.

لا يفضل المريض أن يشتري الدواء المثيل أو البديل، فالدواء "المثيل" هو دواء يملك المادة الفعالة ذاتها، لكنه يباع باسم تجاري مختلف، أما "البديل" يعني دواء بمادة فعالة أخرى لكنها قريبة من المادة الفعال المطلوبة، وتؤدي الوظيفة ذاتها أو بنسبة أقل.

يقول فؤاد: " الدواء البراند العالمي له 12 مثيل، بذات المادة الفعّالة، لكن المواطن لا يفضل إلا الدواء الذي ذكره له الطبيب والصيدلي لا يصرف البديل المماثل".

الأزمة متكرّرة وليست حديثة، يقول المصدر ذاته من الشركة المصرية لتجارة الأدوية لرصيف22، مشيراً إلى اجتماع نقابة الصيادلة مع وزارة الصحة على توفير حصص (كوتة) للصيدليات، على أن تقوم الشركات المصرية للأدوية بتوزيعها على الصيدليات.

وأضاف المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، عملت الدولة على توفير بدائل محلية الصنع من قبل شركة صناعة الدواء "أكاديما"، وذلك للأصناف الأشهر التي يكتبها الأطباء "جنيرا، وياسمين، سيكوبرجنوفا"، ومن المتوقع أن تتوفّر بسعر يقلّ عن المستورد 50%.

عقب تحرير الحكومة المصرية سعر صرف العملة، طالبت غالبية شركات الأدوية "المزمنة والمؤثر" في سوق الدواء الحكومة برفع سعر الأدوية نتيجة ارتفاع سعر المواد الخام المستوردة من الخارج، إلا أن الحكومة أرجأت الرفع، وبين الحين والأخر ترفع أنواع معينة من الأدوية المهمة. 


وقد تجاوز عدد سكان مصر 100 مليون هذا العام، ويُقدَّر متوسط الزيادة السنوية بين 2 إلى 4 مليون نسمة، وتؤدي الزيادة السكانية إلى انخفاض نصيب الفرد من مياه النيل، وانخفاض حصة المواطن من الأرض الزراعية، والاعتماد على الاستيراد لسد احتياجات المواطنين من الغذاء، فضلًا عن التسرب من التعليم بسبب الكثافة العددية للفصول، وعدم وجود عدد مشاريع تنموية توازي الزيادة السكانية.

ولطالما صرح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن الزيادة السكانية تقف عائقًا أمام تقدم الدولة، وتتسبَّب في إهدار دعم الدولة، وتمثل بالنسبة له وجهاً من وجوه لإرهاب، قائلًا: ""في حالة استمرار الزيادة السكانية بهذا المعدل، لا يمكن أن تنجح أي جهود لتنمية في تحسين حياة الناس".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard