النوبة ومشاكل النوبيين... الحكاية من أولها

السبت 10 أغسطس 201903:40 ص

يقول النوبيون إن حظهم سيء لأن التهجير وكل ما لحق بهم حصل قبل ثورة الإنترنت، وإلا كان العالم سيعرف تفاصيل ما جرى لواحدة من أقدم ثقافات العالم، منذ البداية وحتى اليوم الذي باتت تواجه فيه خطر الاندثار. وفي الحديث عن الحظ السيء وخطر الاندثار معاً، تحضر سياسات الدولة المصرية النابعة من نزعة عروبية تعالت وتتعالى على الأصل الإفريقي، نزعة تبناها أيضاً النظام السوداني السابق فأدت إلى انفصال جنوب السودان، وكانت أحد أهم أسباب الثورة الحالية.

ولأن "ترسيخ المواطنة" و"دعم السلم المجتمعي" لا يراهما الجميع بالشكل نفسه، قوبل تقدّم الأديب حجاج أدول، ممثل النوبة في لجنة الخمسين المكلفة كتابة الدستور والمشكّلة عام 2013، بمشروع مادة تعترف باللغات المصرية (الأمازيغية والقبطية والنوبية) كلغات محلية، بهجوم من مثقفين كثر، كان أبرزهم الشاعر عبد الرحمن الأبنودي، والفنان حمدي أحمد الذي هاجم عودة النوبيين إلى أماكنهم الأصلية أساساً.

أدلة على سوء النية

لم يقتصر استهداف النوبيين على ما شهدته نقاشات لجنة الخمسين في ما خصهم أو على مقالات بعض المثقفين والسياسيين، بل وصل حدّ سن قوانين وإصدار قرارات رسمية.

حين قررت الدولة المصرية عام 1933، أي في عهد الملكية، تقنين عملية إغراق عدد من قرى النوبة، استحدثت حكومة إسماعيل صدقي "قانوناً خاصاً" لانتزاع ملكية أراضي النوبة، متجاهلة وجود القانون 27 لسنة 1906 المختص بتنظيم عملية نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة.

وتبقى كلمة وزير الأشغال محمد شفيق باشا أمام مجلس الشيوخ دليل إدانة للحكومة والدولة التي أرادت وقتها استعجال التنفيذ دون احترام القانون.

قال: "أنفقت مصر الملايين على إنشاء خزان أسوان وتعليته وكل حضراتكم متشوق إلى زيادة المياه وآمالنا الآن تنصب على طريقة تخزينها، فلو انتظرنا خمس سنوات إلى حين إتمام إجراءات نزع الملكية بالطريقة العادية لحرمنا إذاً مصر من المياه حرماناً مادياً بدون مبرر، فاتباعنا القانون العادي في إجراءات نزع الملكية هو حرمان مصر من المياه طول هذا الزمن، وإذا مكننا القانون المذكور (27) من وضع اليد على الأطيان فإنه لا يمكن للقضاء ولا الخبراء ولا أصحاب الشأن حينها معرفة معالم الأرض بعد أن تغمرها المياه في نوفمبر المقبل".

وفي عهد الجمهورية، شهدت البلاد تهجير أهالي مدن القناة بسبب الحرب وتهجير ما تبقى من أهالي النوبة لبناء السد العالي. ومع انتهاء الحرب، فتحت الدولة باب العودة أمام مهجري مدن القناة، وأطلقت ما عُرف وقتها باسم معركة التحدي وإعادة البناء.

أقامت الدولة مشروعات سياحية في الإسماعيلية وأعلنت بور سعيد منطقة حرة كما أعادت بناء المنشآت البترولية في السويس، ما وفر سبل العيش وفرص العمل للعائدين وصارت المدن الثلاث أماكن جذب لمواطنين من خارجها.

في المقابل، لم تقم الدولة بالمثل في النوبة عندما استقر منسوب المياه في البحيرة، خلف السد العالي، وانتفت أسباب التهجير، حتى عندما توفرت الأموال اللازمة للعودة بفضل مصادر للتمويل بعيداً عن خزانة الدولة. ومن هذه المصادر مشروع العون الغذائي الممول من "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" (الفاو)، وصندوق إنقاذ آثار النوبة، أحد أكبر الصناديق الخاصة والذي يعتمد في أبرز مصادر تمويله على تحصيل 2 دولار عن كل تأشيرة دخول للبلاد منذ عام 1964.

وبقيت الدولة على تجاهلها لفتح باب العودة أمام أهالي النوبة برغم مقترحات من الدول التي شاركت في عملية "إنقاذ آثار النوبة" لتخصيص نسبة من موارد ما حصلوا عليه من آثار نوبية لصالح عملية إعادة الإعمار وضمان توفير تمويل مستقبلي لعملية التنمية المستدامة.

أرض السمك... والذهب

ما حصل في النوبة لم يكن محركه النزعة العروبية فقط، إنما كانت هناك مصالح اقتصادية كبرى متعلقة بالمنطقة. ونحن نتحدث هنا عن رقعة زراعية واسعة شديدة الخصوبة وعن "بحيرة ناصر" وثروة سمكية تصل إلى آلاف الأطنان.

وتصل المساحة الكلية للأراضي الزراعية إلى حوالي 68 ألف كيلومتر مربع، بالإضافة إلى حوالي 150 ألف فدان للزراعة الشاطئية. أما البحيرة فتبلغ مساحتها حوالي 5.250 كيلومتراً مربعاً بطول 500 كيلومتر لذا تعد أكبر بحيرة صناعية في العالم، وقد أُنشئت عام 1970 بعدما تكونت نتيجة المياه التي تجمعت أمام السد العالي ولذلك أطلق عليها اسم "بحيرة ناصر" نسبة إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وتعد البحيرة مصدراً هاماً للإنتاج السمكي، إذ بلغ حجم إنتاجها هذا العام نحو 20 ألف طن من الأسماك مقارنة بـ12 ألف طن في العام الماضي. وتعتبر "بحيرة ناصر" المركز الوحيد لتجمع حصة مصر من التماسيح الوافدة من البلدان الإفريقية.

إضافة إلى الأرض الزراعية والثروة السمكية، توجد في النوبة ثروة تعدينية لا يُستهان بها هي الذهب، وكلمة "نوب" في اللغة المصرية القديمة تعني ذهب، كما يُطلق على بلاد النوبة "أرض الذهب".

تكفي الإشارة إلى أن منجم الذهب الأشهر في مصر، منجم السُكري، يقع في صحراء النوبة، وأغنى المناطق بالذهب هي منطقة جبل العلاقي نسبة إلى قرية العلاقي النوبية.

الحكاية من أولها

بعد توحيد محمد علي لمصر تحت قيادته، بالقضاء على المماليك شمالاً وتأديب أمير الصعيد وزعيم قبائل الهوارة شيخ العرب همام جنوباً، ضمّ عسكرياً إمارات وممالك جنوبي وادي النيل مثل النوبة والفور وسنار والفونج. كان ذلك قبل أن تضعف دولته تدريجياً ويسيطر المحتل الإنكليزي عليها عام 1882.

شهدت حقبة غرق القرى النوبية موجات نزوح واسعة، فظهر في القاهرة والإسكندرية أُناس سود البشرة وجدوا أنفسهم في أسفل السلّم الاجتماعي للمدينة... حكاية النوبة والنوبيين وتاريخ طويل من التهجير والعنصرية وخطر الاندثار
تعرّض النوبيون للتمييز طوال عقود. هاجمتهم مقالات مثقفين وسياسيين، بل وصل الأمر حدّ سن قوانين وإصدار قرارات رسمية مجحفة بحقهم... حكاية "بلاد الذهب" التي ظلمتها "النزعة العروبية" ولم تنصفها "المصالح الاقتصادية"

عام 1899، تم ترسيم الحدود بين مصر ومستعمراتها الجنوبية، تحت مسمى "اتفاقية الحكم الثنائي" التي وقعتها الحكومة البريطانية مع الحكومة المصرية.

هكذا عُينت الحدود الجنوبية لمصر وتشكلت دولة جديدة باسم "السودان"، أما النوبيون فقد وجدوا أنفسهم مقسمين إلى قرى مصرية كالفاجيكا والماتّوكية وعرب العليقات، وأخرى سودانية كالدناقلة والمَحَس والسَكّوت والحَلّفَوية.

عصر الهجرات

قررت بريطانيا الاستفادة من مياه الفيضان وتخزين كميات منها، وبالفعل تم افتتاح "خزان أسوان" عام 1902، وتمت تعليته عام 1912 ثم تعليته مرة ثانية عام 1933، وفي كل مرحلة كانت قرى من النوبة تغرق.

في مراحل تعلية الخزان المختلفة، تم إغراق 28 قرية نوبية وفيها أراضٍ ونخيل، سواقٍ وآبار، بيوت ومدافن، مزارع وبهائم، ذكريات وآثار… كل هذا ابتلعه النيل، وترك الأهالي دون تاريخ وبلا مصدر للرزق.

بين العوز والتنميط

شهدت حقبة غرق القرى النوبية موجات نزوح واسعة نحو الشمال بحثاً عن مصدر للرزق، ولم يبق في المنطقة سوى النساء والأطفال والعجائز الذين استوطنوا أماكن تصلح بالكاد للسكن وزراعة الكفاية.

خلال تلك الفترة، ظهر في القاهرة والإسكندرية أُناس سود البشرة بلكنة عربية مكسّرة، وأغلبهم بدوا غرباء عن المدينة وأساليب الحياة والعمل فيها. هكذا، وجد الكثيرون من النوبيين أنفسهم في أسفل السلّم الاجتماعي للمدينة، ولم يجدوا مؤسسات تحتويهم بل وجدوا آلة سنيمائية ساهمت، ولا تزال، في رسم صورة نمطية للنوبي الذي لا يمكن أن يكون سوى "عثمان"، صاحب اللكنة الكوميدية الذي يعمل بواباً أو "سُفرَجياً" (نادلاً).

بعد الاستقلال... كقبله

بعد إسقاط الملكية وجلاء القوات البريطانية وبناء "دولة وطنية" في شطري وادي النيل، قررت الدولة المصرية إحداث تغييرات كبيرة كدخول مجال الصناعة بدل الاعتماد الاقتصادي على الزراعة وتغيير نمط الأخيرة من موسمية إلى زراعة طوال السنة وتوصيل الطاقة الكهربائية ومياه الشرب لأكبر عدد من المواطنين.

لتحقيق كل تلك الفوائد شمالاً، كان لا بد من بناء السد العالي، ما يعني المزيد من الغرق جنوباً؛ فالسد سيخزن المياه حتى منسوب 183 متراً والنتيجة غرق كافة أراضي "النوبة المصرية". لم يبق أحد من تلك الأراضي في مكانه -نظرياً- إلا من اعتصم في الجبال، وعليه أصبح هناك ما يُعرف الآن باسم "قرى الشلال".

كان ذلك من الجانب المصري. كذلك أُغرقت منطقة حلفا من "النوبة السودانية"، وحوالي 20 في المئة من مساحة بحيرة السد داخل السودان، ويعرف هذا الجزء هناك رسمياً باسم "بحيرة النوبة".

ولأن التهجير نُفّذ باستعجال ومن دون دراسات متخصصة كافية للعمل على أساسها، تسبب بكوارث عدة، فمثلاً تم بناء القرى البديلة في صحراء كوم أمبو باستخدام الإسمنت وبلا قباب، ما كان يعني بناء مقابر جماعية.

خلال السنة الأولى من التهجير وبسبب التغير الفجائي والعنيف في المناخ، مات عدد كبير جداً من كبار السن، ومات جيل كامل من حديثي الولادة، حاملي الأمل المفترضين، بضربة واحدة.

أسطورة التعويض

جاءت التعويضات بخسة، فقُدّر سعر النخلة من "بريزة" بنصف جنيه، طبقاً لكتاب أصدرته إدارة المعلومات والعلاقات العامة لتسجيل عملية التهجير.

هذه الأرقام هي أقل من القيمة الحقيقية للمفقودات بكثير، وهو ما يوضحه التفاوت بين تقدير الممتلكات التابعة للمصريين وبين تلك التابعة للسودانيين. كما لم يتم دفع تلك التعويضات بالكامل، بدليل حديث الدولة حالياً عن صرفها.

وعلى سبيل المقارنة بين التعويضات من الناحية المصرية وتلك المقابلة من الناحية السودانية، يُذكر أن ثمن النخلة في تعويضات مصر كان يتراوح من 10 قروش إلى نصف جنيه مصري، فيما ثمنها في تعويضات السودان تراوح من 15 إلى 43 جنيه مصري.

مشاكل عملية الحصر

في خضم التعلية الثانية للخزان، تم العمل على حصر عدد النوبيين، فسجلت اللجنة المواطنين الموجودين في القرى وقتها لكنها لم تأخذ بالاعتبار المهجرين في الشمال بسبب الخزان وتعليته الأولى، وتجاهلت كذلك متضرري التهجيرين الأول والثاني.

عند الاستعداد لبناء السد العالي، ولأن حصر "المغتربين" تمّ في عجالة، افتقدت النتائج للدقة. أما الآن فعملية الحصر - بشكلها الحالي - عبثية لأنها حق لكل النوبيين، فكل النوبيين الموجودين الآن هم أبناء وأحفاد النوبيين الذين تم تهجيرهم خلال القرن الماضي.

لا يوجد يوم يُذَكِّر المجتمع بدور النوبيين رغم الاحتفال سنوياً بإنشاء السد العالي، وكل عام تعود حكاية السد إلى الواجهة، وفيها يحضر الكفاح في سبيل السد ولا ذكر للتضحية من أجله.

كل تلك الأضرار والتضحيات لم يُكتب عنها سطر في مناهج التعليم، واللغة النوبية التي ساهمت في النصر العسكري للقوات المسلحة يُرفض الاعتراف بها، ونادراً ما تظهر الثقافة النوبية في الإعلام الرسمي.

لا يوجد يوم يُذَكِر المجتمع بدور النوبيين رغم الاحتفال سنوياً بإنشاء السد العالي، وكل عام تعود حكاية السد إلى الواجهة، وفي الحكاية يحضر الكفاح في سبيل السد ولا ذكر للتضحية من أجله.

مرحلة المناورات

مؤخراً، تعالت أصوات تطالب الدولة بتوطين النوبيين في أماكنهم الأصلية، تم تتويجها بإقرار المادة 236 في الدستور وتنص على حق النوبيين في العودة إلى مناطقهم الأصلية.

لكن الدولة انتهجت سياسة خلط الأوراق واستهلاك الوقت والمجهود في تفاصيل غير منطقية وغير مناسبة للخطة مثل:

- طلب أوراق ملكية من الراغبين في العودة، وهذا كلام غير منطقي إذ أن تهجيرات الخزان تمت قبل إنشاء مصلحة الشهر العقاري، ومن البديهي أن كل نوبي الآن هو حفيد نوبي تم تهجيره. والنوبيون شعب أصلي ينطبق عليه إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.

- إصرار الدولة على الخطاب الذي يردده محافظ أسوان عن "الانتهاء من موضوع التعويضات"، مع أن ما يحتاجه النوبيون هو العودة وإعادة بناء قراهم، والعودة حق لعموم النوبيين كما كان التهجير جبراً على عموم النوبيين.

والحديث هنا عن إثبات الضرر أو بناء نفس عدد البيوت الغارقة هو حديث لو لم يكن خبيثًا فهو عبثي تماماً. فمن هاجر وقتها صار جداً كبيراً لعائلة ممتدة، فكيف يتقاسم كل هؤلاء الأبناء والأحفاد منزلاً واحداً؟

- إصدار القرار الرئاسي رقم 444 لسنة 2014، الخاص بتنظيم الحياة في المناطق الحدودية، والقرار بصيغته الحالية يحوّل مساحات شاسعة من الأراضي النوبية إلى مناطق عسكرية يُمنع التواجد فيها أو يتطلب أقله تصريحاً عسكرياً. وبقراءة مواد القرار، يظهر كذلك كما لو أنه مُعد خصيصاً لتقويض مشروع العودة النوبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard