ديماغوجية الخطاب الديني... إغراق الحاضر والمستقبل في الرجعية والظلامية والتخلف

الثلاثاء 6 أغسطس 201901:24 م

في "لوحة الطوفان" للفنان الفرنسي، جوزيف ديزيريه، والتي تصور رجلاً عارياً يستلقي على بطنه يحاول إنقاذ شيخ عجوز من الغرق، بينما يغضُّ الطرف في المقابل عن الزَّوجة والطفل، في مشهدٍ دراماتيكي مثير للاستغراب على ما يبدو للوهلة الأولى، إلَّا أن الرجل في الواقع إنما يسعى حقيقة من أجل إنقاذ الماضي (الشيخ العجوز)، بينما يترك الحاضر (الزوجة)، والمستقبل (الطفل) عرضةً للغرق في براثن الجهل والتخلف (المياه السوداء).

فاللَّوحة من هذا المنطلق، تجسّد الوجه الحقيقي لمن يستميت بالتمسّك بالماضي رغم شيخوخته، في الوقت الذي يصمّم فيه على إغراق الحاضر، ووأد المستقبل بدمٍ بارد، ورغم أن لوحة جوزيه ديزيريه في حقيقة الأمر تعبّر عن الواقع الأوروبي قبل عصر النهضة، إلا أنها تنطبق تماماً على واقع العالم الإسلامي اليوم، الذي يغرق من رأسه حتى أخمص قدميه في وحل التخلف، ويسبحُ في بِرك الجهل، بسبب العيش في دوامة الماضي، مع ما يرافق ذلك من استماتة دعاة الخطاب الديني/السلفي في الاجتهاد من أجل بعث وإحياء التراث القديم بكل ما يحتويه من سموم.

إنَّ الخطاب الديني/السلفي في أساليبه وخطاباته وخطبه، يسعى إلى إقناع الناس استناداً إلى مخاوفهم، وأفكارهم المسبقة عن العالم الحسّي والغيبي في آن واحد

إن "لوحة الطوفان" في حقيقة الأمر ليست حكراً على الواقع الأوروبي قبل النهضة، ولكنها تطال أيضاً واقع الأمة الإسلامية الواقعة تحت تأثير دعاة الخطاب الديني/السلفي، الذين لا يألون جهداً في التمسك بالموروث الماضوي إلى حد التقديس، مع ما يصاحب ذلك من إغراقٍ للحاضر والمستقبل في لجج الرجعية والظلامية والتخلف، ما أدى إلى انتكاسةٍ حقيقية يعاني من مغبة استمراريتها الكل.

يركن الخطاب الديني/السلفي إلى تخويف الشعوب من المستقبل الآتي، ويبحث عن حلول مشاكلهم في الماضي أيام السلف، وبالضبط أيام القرون الثلاثة الأولى، أو كما عبَّر عن ذلك محمد نبي الإسلام في الحديث المذكور في البخاري ومسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فهؤلاء بالنسبة لأتباع السلفية الشرب الأول، وهم خير هذه الأمة على الإطلاق، والخير كل الخير بالنسبة لهم في اتباع نهج السلف، وهذا ما عبَّر عنه الباجوري في شرحه لـ "جوهرة التوحيد" للقاني:

فكلُّ خيرٍ في اتِّباع من سلف

                                 وكلُّ شرٍّ في ابتداع من خلف

وعلى هذا القول، فإن أي محاولةٍ اجتهادية من أجل الخروج عن نمطية السلف تواجه بالرفض، وتُقابل بالوأد في المهد، لأن الخير بالنسبة للسلفيين محصورة في السلف وأتباعهم، عدا ذلك فإن كل ابتداع - بالمعنى القدحي للكلمة - مرفوضٌ رفضا باتاً، وحجَّتهم في ذلك ما جاء في البخاري ومسلم من حديث محمد نبي الإسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد).

أمعن أتباع الخطاب الديني/السلفي في سلفيتهم، حتى عاد سلف الأمس أتباعاً لسلفية اليوم، لا العكس، بل في بعض الأحايين يمسي محمد نبي الإسلام نفسه مقتفياً للنهج السلفي، فيُقال: "لو كان الرسول حيّاً لفعل ذلك" وكأنهم اطلعوا على الأمر من قبل، أو في بعض الحالات يتفوّق أحد من السلف على محمد نبي الإسلام فيكون رأيه ملزماً له، والمرويات عن عمر مع الوحي وتصديق الأخير إيَّاه لا تخفى على أحد، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى يبلغ الحد ببعض معتنقي الخطاب السلفي حدَّ القول أن الحديث ينسخ القرآن، في محاولة لإثبات أن نهج السلف هو الصحيح، ولو على حساب ما يعتبر وحياً إلهياً منزَّلاً من السماء.

إن أي محاولةٍ اجتهادية من أجل الخروج عن نمطية السلف تواجه بالرفض، وتُقابل بالوأد في المهد، لأن الخير بالنسبة للسلفيين محصورة في السلف وأتباعهم، عدا ذلك فإن كل ابتداع - بالمعنى القدحي للكلمة - مرفوضٌ رفضا باتاً

 في أحيان أخرى، يهرع الخطاب الديني/ السلفي نحو عالم ما فوق الطبيعة (الميتافيزيقا) من أجل استثارة العواطف، وصرف النظر عن الكمّ الهائل من المشاكل عبر الحديث عن الحور العين، وعن أنهار الخمر، وملذات الجنان

إنَّ الخطاب الديني/السلفي في أساليبه وخطاباته وخطبه، يسعى إلى إقناع الناس استناداً إلى مخاوفهم، وأفكارهم المسبقة عن العالم الحسّي والغيبي في آن واحد، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه لفظ "الديماغوجية"، فديماغوجية الخطاب الديني/السلفي تتجلى في إثارة مشاعر الجماهير المتحلقة حول المنابر في المساجد أو حلقات الذِّكر، عبر اللجوء إلى استخدام أساليب السفسطة واللعب على مشاعر ومخاوف هؤلاء المستمعين لتلك الخطب والدروس الدينية معتمدين في ذلك على جهل وسذاجة هؤلاء.

وبالعودة إلى "لوحة الطُّوفان" لجوزيه ديزيريه، والتي تعبّر بشكلٍ صارخٍ عن واقع مأساوي، فإن عقليات 1400 سنة من الآن على نفس المنوال، يعضّون بالنواجذ على أيام خلت، والأدهى من ذلك أنهم يريدون مجتمعات على نفس الشاكلة، تتهرّب من الحاضر وتغضُّ الطرف عن المستقبل، مقابل إحياء الماضي التليد، بدعوى أن التشبث به طوق النَّجاة الموصل إلى بر الأمان.

وهذا لعمري، إنما هو الضحك على الذقون، إذ كيف يحسب أولئك أن العودة إلى أيام السلف كفيلة بأن تنتشل المجتمعات من براثن التخلف، بل التخلف بعينه أن يتقدم العالم أمام أنظارنا ونتأخر نحن عن الركب الحضاري والثقافي من أجل أن نستعيد ما قبل 1400 سنة.

إنَّ الخطاب الديني/السلفي باعتباره خطاباً ماضوياً يحنُّ إلى حقبة السلف لا يتوانى عن جرِّ المجتمع إلى تلك الحقبة الدارسة، وحتى إن لم يفعل ذلك يهرع نحو عالم ما فوق الطبيعة (الميتافيزيقا) من أجل استثارة العواطف، وصرف النظر عن الكمّ الهائل من المشاكل عبر الحديث عن الحور العين، وعن أنهار الخمر، وملذات الجنان حتى يصير معتنق الدين الإسلامي كائناً حالماً، أو أشبه ما يكون بكائنٍ منقرض هارب من واقع مر ومستقبل مجهول، يرنو إلى ماضٍ منتهٍ، أو إلى مستقبلٍ فوق المستقبل، خارج الزَّمان والمكان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard