الكتابة مهنته والتمثيل شغفه... "ملك الإيفيهات" عبد السلام النابلسي

الثلاثاء 6 أغسطس 201908:45 م

ربما تعرفه بـ"حسب الله السادس عشر"، وربما تعرفه بأي من الشخصيات الكوميدية التي قدّمها من قبل على الشاشة الفضيّة، لكنك قد تُدهش للمرة الأولى الآن وأنت تعرف أنه لمع أيضاً ككاتبٍ وأديبٍ قبل أن يكون مُمثِّلاً، كتب مقالات ذات طابع فني في المجلات الأدبية والصحف، إنّه عبد السلام النابلسي، لبناني-فلسطيني الأصل، الذي أطلق عليه الفنان الكبير يوسف وهبي "الكونت دي نابلسي"، فيما اختار له الجمهور لقب أكثر واقعية هو "ملك الإفيهات"، أي ملك الجمل والنكات ذات التأثير الكوميدي.


ضحك الجمهور على أدائه

الانطلاقة الأولى نحو عالم الفن بدأت مع المسرح، حيث عمل النابلسي مع فرقة "جورج أبيض" المسرحية، وكان أول عرض يقدمه بعنوان "يوليوس قيصر"، كان الدور تراجيدياً بامتياز.

في كتاب "الضاحكون الباكون" للكاتبة أمل فؤاد تروي بداية النابلسي مع التمثيل، ففي أول ليلة عرض، وبينما يلقي النابلسي أهم مونولوج له، فوجئ بالجمهور يدخل في نوبة ضحك، وبعد خروجه من الكواليس وجد "أبيض" في انتظاره غاضباً، ليردّ عليه بأنه لم يتعمد إضحاك الجمهور وأنه مستاء لما حدث، ومع عودته للمسرح مرة أخرى، وقبل أن يفتح فمه، وجد الجمهور يضحك ويصفق، ليخرج النابلسي من المسرح غاضباً، ويجد جورج أبيض في استقباله ناصحاً إياه بالابتعاد عن الأدوار التراجيدية وتقديم الكوميديا دون غيرها.

كان هذا الفتى الشاب الساعي حديثاً إلى هذا العالم الساحر ميالاً أكثر للأعمال التراجيدية، ربما بسبب نشأته وتعلمه في الأزهر وتربيته على قراءة التراجيديات، كما أن السائد وقتها كانت الأعمال التي تعتمد على الفواجع الإنسانية، والتي تنتهي في الغالب نهاية سعيدة يرتاح لها ضمير المشاهد، فيعود إلى بيته فرحاً، ولذا لم يمانع حين تم ترشيحه من قبل المنتجة الكبيرة آسيا داغر، ولأول مرة لدورٍ تراجيدي صغير.

فيلم "غادة الصحراء"، هو واحد من قائمة أفلام لا يعرف كثيرون أنها شهدت ظهور النابلسي، ففي سجلِّ أعماله ستجد الكثير من الأفلام التي لم يعرف الجمهور عنها شيئاً، والسبب الرئيس وراء ذلك أنها لا تُعرض بالأساس، فهي قديمة قدم السينما نفسها، ما يعنى أنها لم تعد صالحة للعرض.


نجاح النابلسي في "غادة الصحراء" جعله يقتنع بأن التراجيديا هي السبيل إلى تحقيق حلمه الفني، وبناء عليه أطلَّ في الفترة من 1932 إلى 1936، في عددٍ من الأفلام التراجيدية لو شاهدته فيها اليوم لأقسمت أنه شخص آخر غير هذا الذي عرفناه، وملأ الدنيا علينا بالضحك والإفيهات.

نهاية التراجيديا، بداية الكوميديا

كان "وخز الضمير" المحطة التي أثبتت للنابلسي فعلاً أنه سيجد ضالَّته في الأعمال التراجيدية، بحسب الناقد محمود قاسم في كتاب "تاريخ السينما المصرية قراءة الوثائق النادرة"، فقدّم: "الضحايا"، و"شبح الماضي"، و"الهارب"، و"عندما تحب امرأة"، "العزيمة"، و"ليلى بنت الريف" و"وراء الستار"، و"ليالي القاهرة"، و"بائعة التفاح"، و"الورشة"، و"ليلى"، و"انتصار الشباب"، و"الجنس اللطيف"، و"الفنان العظيم".

ولأنه أدرك وقتها أن الفن لن يعينه وحده على مصاعب الحياة وتحدياتها المادية، قرر أن يحافظ على موهبته الأساسية بكتابة الشعر والمقالات الفنية، فهي الوظيفة التي قال عنها: "اعتمدت الأدب كمهنةٍ ثانية كي أنفق على نفسي"، كذلك بحث النابلسي عن مهنةٍ ثالثة لتوفير قدر أكبر من النفقات ولتعلم المزيد من علوم السينما وأسرارها، فعمل مساعد مخرج في العديد من الأفلام وخاصة أفلام يوسف وهبي.

في عام 1938 جاءت النقلة المهمة في مشواره الفني، حينما رشحه المؤلف بديع خيري والمخرج كمال سليم لشخصية الشاب الأرستقراطي الذي يميل الى حياة اللهو والمجون في فيلم "فريحة"، أمام حسين صدقي وفاطمة رشدي وأنور وجدي.

أطلق عليه العملاق الكبير يوسف وهبي "الكونت دي نابلسي"، فيما اختار له الجمهور لقب أكثر واقعية هو "ملك الإفيهات"

كان الفيلم نقلة مهمة لعبد السلام النابلسي لأنه وضع يده على واحدة من أهم الشخصيات التي سوف يشتهر بها لاحقاً في مشواره السينمائي، بعد أن يضيف لها من طابعه الكوميدي القائم على الفطرة.

وبانتهاء الحرب العالمية الثانية جاءت الرياح بما لا تشتهى سفن النابلسي، فقد تبدّلت الأحوال واعتمدت السينما بالأساس على الأعمال الكوميدية كوسيلةٍ لتسلية الجمهور وإلهاء الناس عن الحديث في أي أمور تخصُّ السياسة.

في  عام 1939 مُنع عرض فيلم "لاشين" للمخرج الألماني فريتز كرامب، دارت أحداثه في بلدٍ مُتخيل حول حاكم غارق في ملذاته وشهواته، تاركاً إدارة البلاد لرئيس الوزراء الفاسد، وبما أن لاشين قائد وطني للجيش، يخبر الحاكم بما يجرى، فيقرر رئيس الوزراء تدبير مؤامرة له وسجنه، حتى يثور الشعب ويحرّره، وهي القصة التي اعتبرتها السلطات تحريضاً واضح ضد ملك مصر، الأمر الذي جعل أغلب المخرجين والمنتجين، إن لم يكن جميعهم، يتجهون إلى الكوميديا والأعمال الاستعراضية.


في منافسة ياسين وشكوكو

دخل النابلسي مضمار الأعمال الكوميدية في ذلك الوقت مرغماً، ليجد نفسه في منافسة شرسة مع إسماعيل يس، الذي اعتمد على شخصية الساذج كتيمةٍ أساسيةٍ لأعماله، ومحمود شكوكو الذي وجد لنفسه مساحةً خاصة بملبسه وطريقته المبهجة في الأداء، وكذلك عبد الفتاح القصري الذي استغلَّ جسده الممتلئ ليفجّر كوميديا خاصة، ولا ننسى نجيب الريحاني صاحب شخصية "كشكش بيه"، وعلي الكسار الذي أثار ضحك الجمهور بشخصية عثمان عبد الباسط.

من هنا قرّر عبد السلام النابلسي أن يستعيد شخصية الشاب الأرستقراطي التي بدأها في "فريحة" ليضيف إليها مجموعة من المفردات الخاصة به، مع طريقة جديدة في الأداء تعتمد على المبالغة، ليصنع بتلك المقادير وصفته الفنية المركبة التي ميزته عن الجميع.

وكما توقع الخبراء، برع النابلسي في الشخصية الجديدة، وفي الخمسينيات بزغ نجمه بشكلٍ لافت، وبات من أهم نجوم الكوميديا على الشاشة الفضية، كذلك زادت أفلامه التي أصبح يشارك فيها أو المرشح لها لدرجة أنه كان يقدم نحو 20 فيلما في السنة، كما انتقل في تلك الفترة ومع تألقه الكوميدي، من شخصية "السنيد" إلى الدور الثاني، والذي يصعب أن تقنع العقل بأنه يصلح لفنان آخر غير النابلسي.

بدأت السينما المصرية تتجه نحو الكوميديا بعد حظر فيلم "لاشين" عام 1939، لينافس النابلسي نجوماً مثل إسماعيل ياسين، شكوكو، نجيب الريحاني

البطولة الغامضة

خطف النابلسي القلوب والعقول في فيلم "أرض السلام" في 1956، وجسّد دوراً أسر به قلوب محبيه وجماهيره في شتى أنحاء الدول العربية، من خلال شخصية الرجل الفلسطيني الذى يعيش مع عشيرته تحت الاحتلال الإسرائيلي، ونراه طوال الفيلم متخاذلاً وجباناً لتكشف لنا النهاية أنه أول من ضحى بحياته أثناء مساعدة الفدائي المصري في عملية خلف خطوط العدو، الأمر الذى أهّله ليخوض أول بطولة من خلال فيلم "حب وإنسانية"، أمام الفنانة برلنتي عبد الحميد، وقدم من خلاله شخصية "هايص" الذى يصبح بعد موت عمِّه مسؤولاً عن تسليم ثروة العمِّ إلى بناته، غير أنه يستغل المال لنفسه لينفقه على الراقصة التي يحبها.


أمام خذلان وعزوف المنتجين عن تجربته في دور البطل، أنتج لنفسه فيلم “حبيب حياتي" في سنة 1958، وقدم فيه شخصية الناصح الأمين للصديق المتهوّر الذي يبدد كل ثروته، وخلال الفيلم يتعرض للمزيد من المشكلات التي يحاول أن يخرج منها حتى لا يعرض صديقه أو حبيبته للضرر.

من بعد هذا الفيلم قدم "حلاق السيدات" عام 1960، الذي كتبه بنفسه واستعان فيه بالنجم الكبير وقتها إسماعيل ياسين في دور ثانٍ، كنوع من رد الجميل للنابلسي الذي طالما احتل دور البطل الثاني في أفلام حملت اسم إسماعيل ياسين كنجمٍ منفرد.


قدّم عبد السلام النابلسي شخصية زيزو ابن الحلاق الفقير في حارة شعبية، من خلال دور شخصية سطحية ومغرورة، استخدم لغة ومصطلحات أرستقراطية، وقد سبق لشخصية زيزو الظهور بشكلٍ ثانوي فى فيلم إسماعيل ياسين في الجيش، غير أن النابلسي وعلى ما يبدو وقع في غرام الشخصية وقرر أن يفصّل لها فيلماً كبيراً تكون فيه البطلة، فكتب بعد 5 سنوات فيلم "حلاق السيدات"، كما قام بإنتاجه وبطولته، واستعان بنفس فريق عمل الفيلم الأول، أبو السعود الإبياري لكتابة الحوار، وفطين عبد الوهاب مخرجاً، بظهورٍ مفاجئ لنجم الكوميديا الأهم والأشهر وقتها إسماعيل ياسين في دور المساعد، وكنوع من الدعم لعبد السلام النابلسي في أول بطولة ظهرت صباح بشخصيتها كضيفة شرف، بينما قام عمر الشريف مهمة التعليق الصوتي على الفيلم لدعم صديقه القديم.

على غير المتوقع، فشل الفيلم بشهادة النقاد والجمهور على حد سواء، وفى أحد الأيام تلقى النابلسي مكالمة هاتفية من صديقه رشدي أباظة يطلب فيها أن يشترك في فيلم "عاشور قلب الأسد"، وقدم فيه شخصية "عاشور" الذي يقع في غرام صديقته، إلا إنها وبسبب ضعف بنيانه ترفضه رغم حبه الشديد لها، وفى أحد الأيام وبينما يفكر في الانتحار يتعرّف على عالِمٍ يغير مجرى حياته للأبد، حيث يخترع حقنة قادرة على منحه القوة الخارقة، وبالفعل يتحول "عاشور" صاحب الجسد الضعيف إلى واحدٍ من أمهر الأشخاص بعدها.

في النهاية، ترك النابلسي مصر لأسباب مادية، وبحسب زوجته  الفنانة اللبنانية جورجيت ثابت فإن مصلحة الضرائب المصرية طلبت منه مبلغاً كبيراً، وذلك في الوقت الذي أفلس فيه النابلسي، لذا لم يستطع أن يظل في القاهرة، ليصل إلى محطته الأخيرة، الموت، في بيروت عام 1968.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard