أبو دلف... الرحالة والأديب الذي فضح قبائل الترك والساسانيين

الأربعاء 7 أغسطس 201904:15 م

شهد القرن الرابع الهجري انحرافًا حادًا في الشكل السياسي للدولة الإسلامية، عقب انهيار الدولة العباسية، وعلى إثرها ظهرت دويلات متناثرة تتناحر فيما بينها؛ لكن كلّ هذه النزاعات لم تمنع بروز أعمدة هامّة في تراثنا العربي والإسلامي تحفظ له هيبته، ولعل أبرزهم أبو الطيب المتنبي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري، وابن سينا.

لم تقتصر قامات ذلك العصر على الشعراء فقط، فبرز فيه اسم آخر أسس لأدب الرحلات بشكلٍ بديع سابق لعصره، وهو أبو دلف الخزرجي، الذي خضعت رسالتاه اللتان دونهما عن رحلاته لدراسات مكثفة من قِبل مينورسكي، الأستاذ بكلية لندن، والسوفيتيان بطرس بولغاكوف، وأنس خالدوف، وغيرهم من المستشرقين المهتمين بالتراث الجغرافي العربي، بحسب ما أورده الدكتور مريزن سعيد عسيري، في تحقيقه الصادر عام 1995 عن مركز إحياء التراث الإسلامي بمكة المكرمة.

من هو أبو دلف؟

اسمه مسعر بن المهلهل، الملقب بأبي دلف الخزرجي الينبعي (نسبة إلى قبيلة الخزرج، وإلى ينبع، غربي الممكلة العربية السعودية). وُلد في أواخر القرن الثالث الهجري، لكن التراجم لم تشهد أيّ تعريف بطفولته ونشأته، وفي أيّ سنة وُلد، وكلّ ما قيل بشأنه كان خاصًا بوفاته، فيقول الزركلي صاحب "الأعلام": "إنه تجاوز التسعين من عمره"، وأنه توفي عام 391هـ.

عُرف عن أبي دلف أنه كان رحالًا، وأديبًا، وشاعرًا، وطبيبًا، ومنجمًا، وقيل إنه ادّعى بأنه حفيد العالِم والطبيب والكيميائي الشهير محمد بن زكريا الرازي؛ لكن الفضل بن العميد، صاحب "بناء المدن" يُنكر ذلك جملة وتفصيلًا؛ ففي رسالته لأبي دلف نفى ذلك الاّدعاء، بقوله: "وقد شاهدت محمدًا ــ يقصد الرازي ــ وما خلّف بنتًا".

وعند الثعالبي فهو رجلٌ محمود، فيقول عنه في "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر": "هو شاعر كثير الملح والظرف، مشحوذ المدية في الجدية، خنق التسعين في الإطراب والاغتراب، وركوب الأسفار الصِّعاب، وضرب صفحة المحراب بالجراب في خدمة العلوم والآداب".

يصف أبو دُلف مساوئ القبيلة التركية، واصفًا إياها بجُمل حادّةٍ غاية في الإيجاز: "والبغي والجور بينهم ظاهر، ويغير بعضهم على بعض، والزنا بينهم ظاهر غير محظور، وهم أصحاب قمار، يقامر الواحد صاحبه في امرأته وابنته وابنه وأمّه

استقرّ مسعر في كنف الدولة السامانية، التي حصلت على استقلال ذاتيّ في عهد الخليفة المعتمد باللّه، وعاصمتها بُخارى كانت تزخر آنذاك بالأدباء والعلماء والشعراء، وتقرَّب من وزيرها، أبي عبد الله محمد بن أحمد بن نصر الجيهاني، وأصبح كاتبه الخاص، مُستغلًا ما لديه من قريحة شعرية في مدحِ ملك السامانية، نصر الثاني بن أحمد، وابنه نوح، وتقرّب منهما وعاش في بلاطهما، ويقول الثعالبي: "وكان ينتاب حضرة الصاحب، ويكثر المقام عنده، ويكثر سواد غاشيته وحاشيته، ويرتفق بخدمته، ويرتزق في جملته، ويتزوّد كتبه في أسفاره، فتجري مجرى السفاتج في قضاء أوطاره".

كواليس الرحلة الأولى

لم يهتم أبو دلف بسرد تفاصيل انتقالِه من ينبع إلى بُخارى، وقد خصّص مقدّمته لمدح ملك السامانية ووزيره الجيهاني، فقال: "إني لما رأيتكما يا سيدي ومولاي، ومن أنا عبدهما، أطال الله بقاءكما، لهِجينَ بالتصنيف، مولعين بالتأليف، أحببت ألا أخلّي دستوركما، وقانون حكمتكما من فائدة وقعتْ لي مشاهدها، وأعجوبة رمت بي الأيام إليها، ليروق معنى ما تنظّمانه السمع، ويصبو إلى استيفاء قراءته القلب".

عُرف عن أبي دلف أنه كان رحالًا، وأديبًا، وشاعرًا، وطبيبًا، ومنجمًا، وقيل إنه ادّعى بأنه حفيد الكيميائي الشهير محمد بن زكريا الرازي؛ لكن الفضل بن العميد، يُنكر ذلك؛ ففي رسالته لأبي دلف نفى ذلك الاّدعاء، بقوله: "وقد شاهدت محمدًا ــ يقصد الرازي ــ وما خلّف بنتًا"

ثم شرع في سرد كواليس رحلته الأولى إلى الصّين برفقة الوفد الذي أتى لطلب ابنة ملك السامانية، لكن أحكام الشريعة حالت دون ذلك، فانقلب الأمر إلى زواج ابنة ملك الصين، قالين/فالين بن الشخير، من نوح، ابن ملك السامانية؛ فيشرح أبو دلف ذلك المشهد تفصيلًا في رسالته الأولى بقوله: "ولما نبا عني وطني، وصل بي السير إلى خراسان ضاربًا في الأرض؛ أبصرت ملكها والموسوم بإمارتها، نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد، عظيم الشأن، كثير السلطان، يستصغر في جنبه أهل الطول، وتخف عنده موازين ذوي القدرة والحول، ووجدتُ عنده رُسُل فالين بن الشخير ملك الصين، راغبين في مصاهرته، طامعين في مخالطته، يخطبون ابنته، فأبى ذلك واستنكر من حظر الشريعة له، فلمّا أبى ذلك، راضوه على أن يزوّجَ بعض ولده ابنة ملك الصين، فأجاب إلى ذلك، فاغتنمتُ قصد الصين معهم، فسلكنا بلد الأتراك".


الوصف في رسالتي أبي دلف... دقة شديدة ولغة أدبية

في سطور موجزة، وجُمَل بليغة، وأسلوب مُشوّق، استعرض أبو دلف الملامح الرئيسية للقبائل التركية التي مرّ بها في رحلته الأولى مع الوفد الصيني، فيصف الحالة الدينية والاجتماعية لهذه القبيلة أو تلك، وكذلك وضعها السياسي والاجتماعي، وفي سلاسةٍ ينتقل إلى حكي أغرب العادات الاجتماعية، فمثلًا يقول عن قبيلة تُدعى الخرلج: "يأكلون الحمص والعدس، ويعملون الشراب من الدّخن، ولهم بيت عبادة في حيطانه صور لمتقدّمي ملوكهم، والبيت من خشب لا تأكله النار، وهذا الخشب كثيرٌ في بلادهم".

ويضيف عن نفس القبيلة، واصفًا مساوئهم بجُمل حادّةٍ غاية في الإيجاز: "والبغي والجور بينهم ظاهر، ويغير بعضهم على بعض، والزنا بينهم ظاهر غير محظور، وهم أصحاب قمار، يقامر الواحد صاحبه في امرأته وابنته وابنه وأمّه".

وإمعانًا في وصف ميلهم إلى شواذّ الأمور، يقول أبو دلف: "والجمال في نسائهم ظاهر، وكذلك الفساد، وهم قليلو الغيرة، تجيء امرأة الرئيس فمن دونه أو ابنته أو أخته إلى القوافل إذا وافت البلد، فتعترض الوجوه، فإن أعجبها إنسانًا أخذته إلى منزلها، وأنزلته عندها وأحسنت إليه، وتصرِف زوجها وولدها وأخاها في حوائجه، ولا يقربها زوجها ما دام من تريده نازلًا".

أما في رسالته الثانية التي دوّن فيها رحلاته إلى آسيا الوسطى وزياراته لمدن مختلفة من مدينة الشيز في جنوبي أذربيجان، وإلى خراسان وإيران والقوقاز وأرمينيا، فقد ركّز اهتمامه على المعادن الطبيعية، لأنّها أعظم نفعًا، بحسب قول عليان عبد الفتاح الجالودي، في تحقيقٍ للرسالة ذاتها، الصادرة عن المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، عام 2015، وفيها يشير إلى أنه يُلاحظ في الرسالة الثانية أيضًا إثقاله لخبراته في الطبّ والكيمياء عن طريق مشاهداته في بلاد فارس، فكانت رسالة تميل إلى العلمية أقرب منها إلى الأدب.

أبو دلف شاعرًا... ألفاظ لم يُدرجها القاموس في القصيدة

لم يُقدَّر لأشعار أبي دلف الخزرجي أن يضمّها ديوان كامل، لنستشف منها منهجه الشعري، باستثناء الأبيات المتناثرة عند الثعالبي الذي أورد بعضًا من أشعاره نقلًا عن تلميذه، أبي الفضل الهمذاني، ومنها: "لولا النبيُّ محمدٌ/ ووصيُّه ثم البتولُ/ لعلمت أني شاعرٌ/ أسِمُ الرجال بما أقول/ لكنّني أعرضت عن/ ذاك الحديث وفيه طولُ/ وتركت للخمر الخمار/ وحبّذا تلك الشمولُ".

لكن أبرز ما تناقل عن شعر أبي دلف، قصيدته الشهيرة باسم "الساسانية"، التي يهجو فيها جماعة تحمل الاسم ذاته، يُعرفون بالتسوّل والحِيَل، وتهدف أبياتها إلى تنبيه المجتمع إلى حيَل المتسوّلين والتعريف بطرائقهم، وتحلّل لغتهم الرمزية والاصطلاحية.

ويقول أحمد الحسين في كتابه "أدب الكِدية في العصر العباسي"، الصادر عن دار الحصاد السورية عام 1995، إن القصيدة ضمّت مزيجًا من المفردات العربية والفارسية والسريانية والهندية وغيرها، ومجموعة كبيرة من الألفاظ العامية غير القاموسية، ممّا كان في عامية العصر العباسي، ويعرّف "الحسين" ساسانَ بأنه وليّ جميع المتشرّدين أو أبناء السبيل كالمشعوذين والسائلين والحواة ومنهم أيضا الغجر، ويدخل في زمرتهم أيضا أنواع المحتالين جميعاً، وتسمى فنونهم وحِيَلهم "علم ساسان".

ويستهل أبو دلف قصيدته الشهيرة بكثرة رحلاته والغربة التي عاناها، ثم يُسهب في وصف حِيل الساسانين، فيقول: "وشاهدتُ أعاجيبًا/ وألوانًا من الدهرِ/ فطابت بالنوى نفسي/ على الإمساك والفطر/ على إني من القوم الـ/ بهاليل بني الغرِّ/ بني ساسان والحامي الحمي/ في سالف العصر، تغرّبنا إلى أنّا/ تناءينا إلى شهرِ/ فظلّ البينُ يرمينا نوى/ بطنًا إلى ظَهرِ".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard