"لا نتعانق بحرية"... قبلة قد تقودكم إلى السجن في المغرب

الأحد 4 أغسطس 201911:42 ص

" الناس في مجتمعاتنا لا يقدّرون الحب، لا يفهمونه.. أودّ عيشه بطريقتي، وكذلك بأسلوبٍ يتماشى مع شخصيتي وعصري"، بهذه العبارات توجز لنا ضحى، 25 عاماً، وجهة نظرها في الحبِّ والمُعيقات التي تعترض المحبين في المغرب.

على سطح منزل، 10 طوابق، مطلٍّ على مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، تحكي الشابة العشرينية لـرصيف22 قصّتها الخاصَّة مع الحبّ، قائلة: "لا شيء يُشعرنا بالسعادة، وبإنسانيتنا سوى إحساسنا بالحب، ذلك الشعور غير المفهوم كلياً يجعلنا أشخاصاً مختلفين".

وطئت قدم ضحى الدار البيضاء قبل ثلاث سنوات، جاءت إلى هذه المدينة، التي تُعد أكبر المدن المغربية، بهدف دراسة الفلسفة والبحث عن عملٍ مستقر قد لا تجده في بلدتها الصغيرة شرق المغرب.

تستأجر ضحى بيتاً في عمارةٍ قديمة برفقة مليكة، الشابة الثلاثينية، كثيرة التذمر مما تصفه بـ"جرأة" و"وقاحة" ضحى خلال حديثها مع صديقها عبر الهاتف، لدرجة أن مليكة تفكّر جدياً باستئجار منزل آخر للابتعاد عن ضحى.

ويجسّد الحوار والنقاشات وأحياناً الجدل الحادّ بين ضحى ومليكة تيارين رئيسين في المغرب، أحدهما يحاول الحفاظ على التقاليد، ويُبارك الأفكار والقوانين المقيِّدة للعلاقات بين الجنسين، والآخر أكثر انفتاحاً، وسعياً إلى المغامرة واكتشاف المشاعر.

تعلّق ضحى على موقف مليكة اتجاهها، بكونها شابّة ساذجة تفوّت على نفسها الاستمتاع بملذّات الحياة، على رأسها الشعور بالحب.

تلفت ضحى انتباهك بمجرد رؤيتك لها، بتسريحتها القصيرة وشعرها البنّي، إضافة إلى سحنتها السمراء وملابسها العصرية، تقول: "يجب ألَّا نحرق مراحل حياتنا، نعيش حياة واحدة فقط".

تواصل حديثها، بينما مليكة منهمكة في نشر ملابسها على حبلٍ لونه فضي، محاولة الاستماع لما تحكيه ضحى، قائلة: "يصرّ صاحبي على مرافقتي إلى منزل أو غرفة مستأجرة، بهدف اللقاء بعيداً عن أنظار الآخرين".

تقاطعها مليكة بشكلٍ مفاجئ: "وهل فعلت ذلك؟" لتجيبها: "لم أفعل، لكنني سأفعلها يوماً ما، عوض أن أتصل بك مستقبلاً وأنا في مخفر الشرطة".

تتابع ضحى حديثها قائلة: "على الرغم من أن الدار البيضاء مدينة كبيرة الحجم، إلا أنها مدينة صغيرة جداً على الحب، صدقاً لا مكان للعاشقين فيها".

تضيف مسترسلة: "كل شيء يتطوّر من حولنا، إلا احترامنا للحب وللعاشقين، تزعجنا قبلة ولا يزعجنا التحرّش، نتوتر عند سماعنا لكلمة كَنبغيك (أحبك)، لكن لا نتضايق عندما تتناهى إلى مسامعنا كلمة كنكرهك".

تصمت ضحى بشكلٍ مفاجئ، لتعاود رفيقتها الحديث، مليكة ذات ملامح رقيقة وشعر طويل غير مرتب، وملابس محافظة تحرص من خلالها على عدم إبراز أنوثتها: "أنت مخطئة، لا أحد يكره الحب، نحن بلد إسلامي، لن يتقبل أحد مظاهر التحرّر الذي تدعين إليه، قبلة في الشارع العام من الممكن أن تسجنك".

لا تتحدّث مليكة من فراغ، فالطالبة التي تُعدّ دراسات عليا في اللغة العربية، تعلم جيداً أن القانون في المغرب يعاقب على كل علاقة جنسية بين رجلٍ وامرأة بدون عقد زواج، إذ تعتبر علاقة فساد بحسب المادة 490 من القانون الجنائي المغربي. وهي جريمة يعاقب عليها القانون بـ "الحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2.000 درهم (حوالي 200 دولار) إلى 20.000 درهم (حوالي 2000 دولار)، أو إحدى هاتين العقوبتين".

بدورها، تعلم ضحى جيداً هذه المادة من القانون الجنائي المغربي، والتي تصفها بـ"المزعجة"، تُعلِّق على هذا الأمر بالقول: "لهذه الأسباب يصرّ حبيبي على الذهاب إلى غرفة ما أو منزل، من أجل اللقاء خلسة، عوض أن نضع أنفسنا في موقف مخجل، خصوصاً عند توقيفنا من طرف عناصر الشرطة، فيصرّون على مطالبتنا بالصعود إلى صطافيت (سيارة الشرطة) رفقة المجرمين، ومن ثم يقودوننا إلى المخفر، وتهمتنا: ممارسة الحب أو القبلة، أو حتى التأخّر ليلاً".

"لا شيء يُشعرنا بالسعادة، وبإنسانيتنا سوى إحساسنا بالحب، ذلك الشعور غير المفهوم كلياً يجعلنا أشخاصاً مختلفين".

"عاملوني كالعاهرات"

لا يترك الحقوقيون في المغرب مناسبةً إلا ويدعون إلى عدم تجريم العلاقات الرضائية بين الجنسين، مؤخراً صرّحت أمينة بوعياش، الرئيسة السابقة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، لوكالة الأنباء الإسبانية "إيفي"، بأن المجلس يدافع عن رفع تجريم العلاقات الرضائية بين الجنسين.

وتضيف بوعياش: "الموقوفون على خلفية مثل هذه القضايا، يستفيدون من مرافقة ومساعدة المجلس لدواعٍ إنسانية".

المتحدّثة اعتبرت أن مناقشة مثل هذه المواضيع ضرورية في مسار تطور حقوق الإنسان، مشيرةً إلى أن هذه القضايا لم تعد "تابو" في المجتمع المغربي، عكس ما كان عليه الأمر في السابق.

تحكي ضحى: "ذات مرة في فصل الشتاء كنت برفقة صديقي، كانت أمسية جميلة على شاطئ البحر، لم ننتبه لمرور الوقت إلا عند قدوم الليل".

تضيف ضحى: "أصرّ رفيقي على اصطحابي للمنزل، لأن الوقت كان فعلاً متأخّر، لكن عند مغادرتنا الشاطئ فوجئنا بتوقيفنا".

 "كنت مرعوبة، عاملوني كما يعاملون العاهرات، لن أنسى هذه الحادثة ما حييت"

تعلّق على هذا الأمر بغضب: "تخيلوا معي، 4 عناصر من البوليس قاموا بتوقيفنا وكأننا مجرمون، طالبونا بعقد زواج، إجابتنا كانت: نسيناه في المنزل، أحسّوا أننا غير متزوجين فأصرّوا على اصطحابنا إلى مخفر الشرطة. حاول رفيقي توسلهم ورشوتهم، رفضوا ذلك، لكن بعد ساعات تقبلوا الأمر ومرّ الحادث بسلام".

تتذكّر ضحى الحادث بالكثير من الانزعاج، تقول: "كنت مرعوبة، عاملوني كما يعاملون العاهرات، لن أنسى هذه الحادثة ما حييت".

تختم مليكة حديثها قائلة: "ستضيعين نفسك"، أما ضحى ففضّلت مخاطبتها بالقول: "وأنت ستندمين، لأنك ستصبحين عجوزاً ولن تفهمي ما هو الحب".

"لا مكان للعاشقين"

كانت الحركة في شارع محمد الخامس، في الدار البيضاء، دؤوبة، خصوصاً أننا في فصل الصيف، والمغاربة، نساء ورجال من مختلف الأعمار، يمرّون أمام المقاهي المتراصَّة بعناية على طول الشارع.

تبدو المقاهي ممتلئة على آخرها، شباب وشابات، بعضهم فضل الجلوس على الكراسي المتواجدة في الشارع.

"على الرغم من أن الدار البيضاء مدينة كبيرة الحجم، إلا أنها مدينة صغيرة جداً على الحب، صدقاً لا مكان للعاشقين فيها"

قد تجد مشهد لقاء الأحبة بشارع محمد الخامس أمراً مألوفاً، وقد يتبادر إلى ذهنك أن المغرب فيه من مظاهر الحداثة ما يكفي: شاب يمسك يد شابة، يهمس في أذنها ما يثير ابتسامتها، أمام عشرات الأشخاص، من دون أن يضايقهم أي أحد، وهذا خير دليل على ذلك.

إذاً، أين هو المشكل؟ سؤال طرحناه على فاتن ومحمد، ثنائي شاب، التقيناه في شارع محمد الخامس.

تجيب فاتن، طالبة جامعية 21 عاماً، بعد اطمئنانها بأننا لا نصوّر اللقاء بكاميرا، بهدف نشر فيديو في مواقع التواصل الاجتماعي: "الشارع العام هو الفضاء الوحيد الذي بإمكاننا أن نلتقي فيه".

لافتة الانتباه إلى أنها لا تستطيع السفر إلى مدينة أخرى، بهدف الاستمتاع مع صديقها، أو الذهاب إلى مكان خاص أو حتى عام، من دون مضايقتها من أعين الفضوليين.

أما محمد، طالب في بداية العشرينيات أيضاً، فيقول: "لا نستطيع التعبير عن حبنا، مثل العناق أو الامساك بيد بعضنا البعض بكل حرية، بالتأكيد سنجد الشرطة تتربّص بنا، أو في أحسن الأحوال، سنتعرّض لشتائم من أشخاص يعتبرون أنفسهم حراس التقاليد".

عبّر محمد وفاتن عن انزعاجهما من وضعهما، لكن الحاجة "يمنة" كانت تستمع إلى حديثنا بعناية، وصفت كلام محمد وفاتن بـ"الفارغ".

تقول السيدة الستينية لـرصيف22: "الحب في أيامنا كان له معنى، الشاب عندما كان يحب فتاة، كان صادقاً في ذلك. كلمة نبغيك من طرفه، كانت بمثابة وعد صادق بالزواج، الشاب كان يرفض بأن يلمس يد الفتاة تعبيراً عن احترامه لها، لأنه يرى فيها زوجته المستقبلية، لكن هذه الأيام نرى العكس".

ولنشطاء حقوقيون في المغرب رأي آخر، إذ يرون أن الكبت له وقع خطير على المجتمع، وقد يكون سبباً في تفشّي حوادث العنف والاغتصاب، والتي دائماً ما تكون المرأة ضحيتها.

بشرى عبدو، ناشطة حقوقية في المغرب، ترى أنَّ العلاقات الجنسية بين راشدين لا يمكن أن تكون جريمة يعاقب عليها القانون.

توضّح، بشرى عبدو، وهي مديرة جمعية التحدي والمواطنة، في حديثها لرصيف22، "كلما فتحنا الباب، وأبحنا العلاقات الجنسية بين الأشخاص الراشدين، سنمتصّ حوادث الاغتصاب والعنف التي يعاني منها المجتمع المغربي".

وأضافت الناشطة النسوية: "إن العلاقات الجنسية تمارس في الظلام وفي السر، وهذا شيء خطير".

ودافعت الناشطة النسوية عن وجهة نظرها، بالقول: "أنا أدافع عن العلاقات الإنسانية التي فيها حب وانسجام وجنس، ولا أقصد أبداً الإباحية"، وتساءلت: "لمَ لا نخرج هذه العلاقات إلى النور؟"

وترى الناشطة النسوية، أن الكبت الذي يعاني منه الطرفان له وقع خطير على المجتمع، لقد حان الوقت لرفع تجريم العلاقات الجنسية بين أشخاص راشدين.

تختلف وجهات النظر في المغرب حول أهمية التعبير الحسّي عن مشاعر الحب بين الجنسين، ولكن لاتزال المساحات ضيقة في التعبير عنها، بفعل قانون السلطة، والأعراف الاجتماعية السائدة في مناطق كثيرة، من جهة أخرى لا يهدأ نشطاء حقوقيون في المطالبة بحق الإنسان في التعبير عن أجمل ما يشعر به اتجاه الآخر  (الحب).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard