كيف ننقذ سفينة العالم من القباطنة "المجانين"؟

الجمعة 9 أغسطس 201912:03 م

ثمة حاجة ملحة الآن لواحد من عيار الفرنسي الشهير، ميشيل فوكو (1926- 1984)، لا لقراءة ظواهر الجنون الحداثية، كما فعل مرة مع عصور بعيدة في كتابه الفذ "الجنون في العصر الكلاسيكي" (1961)، على أهمية مثل هذه القراءة، بل لتفكيك ظاهرة أخرى وتفسير تجلياتها الصاخبة والمدمرة... ظاهرة صعود كل هؤلاء الحمقى دفعة واحدة إلى الإمساك بدفة السفينة الكونية والذهاب بها إلى غامض مجهول، أو إلى الحروب المرئية والمميتة.

الحاجة إلى فوكو الآن، هي حاجة البشري لرؤية حاذقة تُفسر هذا الجنون الكلي الذي تسبح السفينة فيه ولا تعرف إلى أي شاطئ آمن قد تصل، حالها حال "سفينة المجانين" التي تحوّلت عنده إلى مدخل مركزي لتحليل ظواهر الجنون القديمة، فنحن الآن على ظهر سفينة شبيهة بتلك، نحن ركابها المسافرون بمشيئة غرائبية لثلة من القباطنة الهواة/المجانين: رؤساء الصدف اللعينة، ورثة السلطة وقادة الانقلابات العسكرية... وأمراء المال والغبار. على العكس من ركاب السفينة الأصلية التي كانت تبحر "بحفنة من المجانين" يقودهم قبطان ماهر لإبعادهم عن الحواضر والمدن، خوفاً "على العقلاء من حماقات المجانين".

في السفينة القديمة التي خلدها الرسام الهولندي، هیرونیموس بوش (1450/ 1516)، في العام 1490 عبر لوحته الشهيرة "سفينة الحمقى" (يعرضها متحف اللوفر في باريس باستمرار)، نرى مجموعة من البشر غير الأسوياء، بمواصفات ذلك العصر، الذين تم تجميعهم من أنحاء متفرقة؛ سفينة بوش تُبحر من بازل السويسرية، فوق سفينة تغادر إلى مطارح بعيدة لتنزل حمولتها من الركاب فيها! لكنها سفينة بقيادة حكيمة يعرف قبطانها إلى أين عليه أن يُبحر، ويعرف طبيعة حمولته ومخاطرها إن وجدت، فهو العاقل الوحيد بين ركابها، أو هكذا تقترح لوحة بوشالتي الذي اقتبس صاحبها فكرتها من رواية "سفينة الحمقى " للروائي الألماني سباستيان برانت (1457 / 1521)، وجاء فوكو وحوّلها إلى مدخل مدهش ومحوري في كتابه سالف الذكر.

سفينة بوش، برانت وفوكو، ليست مثل سفينتنا الحداثية هذه أبداً، هي تحمل اسمها وتقوم بما تقوم به السفن، ولكن ركابها ليسوا مثل أولئك المجانين القدامى، ولا قباطنتها مثل هؤلاء الذين صفعتنا الحياة بهم بالمجمل . هي سفينة مسالمة حين تقارنها بهذه السفينة اللئيمة.

سفينتنا هذه يقودها معتوه معمد مثل دونالد ترامب، وهو القائد "المنتخب" لأكبر قوة كونية عرفتها الأرض! يقودها زعيم حالم بأمجاد غابرة، مثل بوتين، وهو "رئيس منتخب" بدوره، على الطريقة الروسية العتيدة، لقوة كونية مزعومة ومضحكة. سفينتنا يقودها كيم جونغ أون، الإله الأبدي للمعتقل الكوري الشمالي الكبير.

يقودها حكام ينتشرون في كثير من الدول العربية المنكوبة، أولئك الذين لا نعرف عن البعض منهم غير القتل والفساد وحرمان الشعوب من حقها الشرعي والأزلي بالحرية والعيش الكريم.

يقودها اليمين الأوروبي الصاعد بقوة إلى عروش السلطة وأماكن صنع القرار والمهووس بالبحث عن الجينات والأعراق وتصنيفها بحسب السلم النازي الأثير.

سفينة ينضم واحد مثل بوريس جونسون حديثاً إلى ثلة قادتها، والمذكور هو النسخة البريطانية الأحط من ترامب وبوتين معاً، وهو الدليل الحي في هذه اللحظات على كارثية المشهد وجنونه الذي لا يُحد.

سفينتنا هذه يقودها معتوه معمد مثل دونالد ترامب، وهو القائد "المنتخب" لأكبر قوة كونية عرفتها الأرض! يقودها زعيم حالم بأمجاد غابرة، مثل بوتين، وهو "رئيس منتخب" بدوره، على الطريقة الروسية العتيدة، لقوة كونية مزعومة ومضحكة
هذه سفينة ذاهبة بسرعة ضوئية إلى خبايا المجهول ورعبه السرمدي، إلى دمار قادم يجعل الأرض غير قابلة للحياة يوماً... إلى عالم تتسع فيه المسافات أكثر بين الأغنياء والفقراء، إلى الحروب والمجاعات... إلى أشكال غير مسبوقة، عنفاً وقهراً، من الاستبداد والتوحش

هذه سفينة ذاهبة بسرعة ضوئية إلى خبايا المجهول ورعبه السرمدي، إلى دمار قادم يجعل الأرض غير قابلة للحياة والخصب يوماً، وهي الآن على الطريق إلى هناك، إلى عالم تتسع فيه المسافات أكثر بين الأغنياء والفقراء... إلى الحروب والمجاعات... إلى أشكال غير مسبوقة، عنفاً وقهراً، من الاستبداد والتوحش.

ولعلها، من سوء حظ الحياة ورغبة الآدمي باستمرارها: سفينتنا الأخيرة، فالبشرية واقفة جمعاء الآن أمام سؤال مصيرها وسرديتها القادمة، حيث لا وجود اليوم لرجال الدولة الذين عرفنا عدداً منهم إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، أولئك العقلاء الذين قادوا كوكبنا، بشيء من الحكمة المعقولة والمنطق الضروري، نحو حالة مقبولة، بحدودها الدنيا على الأقل. لا وجود اليوم لغير هؤلاء القباطنة/ المجانين، الذين يقودون السفينة إلى عدمٍ منتظر.

ثمة حاجة ملحة، أكرر ما بدأت به، لواحد من طراز فوكو لقراءة هذا التحوّل الدراماتيكي الذي جعل المجانين يقودون السفينة، على العكس مما خطّه بوش بالزيت فوق القماش. على العكس من الشخصيات الطريفة التي عرفناها في رواية برانت، حين المجانين هم الركاب آنذاك، فالحالة تستدعي مثل هذه القراءة العاجلة التي قد تنقذنا، هي وأشياء عديدة أخرى، من هذا السفر الجهنمي فوق سفينة تحملنا معاً إلى الجحيم الأكيد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard