"الحزام العربي"... قصة أكبر عملية تغيير ديموغرافي في سوريا

الثلاثاء 6 أغسطس 201905:28 م

"استولى النظام السوري على كل المساحات الزراعية في قريتنا، ومن ضمنها أرضي. وحدها عائلة المختار ظلت لديها أراضٍ زراعية في القرية"، يروي "أبو زنار"، من أهالي قرية تنورية، في ريف مدينة القامشلي.

"أبو زنار" اسم مستعار، و"زنار" يعني "الحزام"، وينتشر هذا الاسم بين الأكراد السوريين، وظهر غالباً بعد الحزام العربي. يقول لرصيف22: "سلب النظام الفلاحين الأكراد أراضي زراعية يمتلكونها، ومنحها للعرب ‘المغمورين’"، أي السكان الذين تسبب سد الفرات بغمر أراضيهم بالمياه، و"منح قطع أراض أخرى لهؤلاء الفلاحين، ولكن باتجاه الجنوب، بمعنى أن الموضوع لم يكن متعلقاً بحجم الأراضي الزراعية، بل بمكانها".

أبو زنار واحد من آلاف الفلاحين الأكراد الذين سُلبت منهم أراضيهم الزراعية الواقعة على طول الشريط الحدودي بين المنطقة الكردية في سوريا وبين تركيا، عام 1974، ثم مُنحت لفلاحين عرب قادمين من محافظتي الرقة وحلب.

بدأت القصة قبل بناء سد الفرات. عام 1966، خلال المؤتمر القطري الثالث لحزب البعث العربي الاشتراكي، نصت الفقرة الخامسة من توصيات المؤتمر على "إعادة النظر في ملكية الأراضي الواقعة على الحدود السورية-التركية، بامتداد 350 كم وبعمق 10-15 كم، واعتبارها ملكاً للدولة، وتطبق فيها أنظمة الاستثمار الملائمة بما يحقق أمن الدولة".

بعد هذه التوصية، تمكنت الحكومة السورية من الاستيلاء على مساحة زراعية قدرت بـ5250 كيلومتر مربع، فصارت جزءاً من أملاك الدولة.

"الحزام العربي"

"الحزام العربي" هو مصطلح يُطلَق على عملية استيلاء الحكومة السورية على أراضٍ زراعية تعود لفلاحين وآغاوات أكراد في محافظة الحسكة، ومنحها لفلاحين عرب قدموا من محافظتي الرقة وحلب وتوطينهم في "الجزيرة"، على طول الشريط الحدودي مع تركيا.

يصل طول هذا الحزام إلى 275 كيلومتراً، بعمق يصل في أقصى نقطة إلى 15 كيلومتراً، وهو شريط كان يتميز بوجود كتلة بشرية كردية فيه، وخصوبة في الأراضي الزراعية. وتُعرف الأرض الزراعية في تلك المنطقة محلياً بـ"أراضي الخط 10".

منح النظام السوري "المغمورين" مساحات زراعية اعتماداً على النسبة المطرية، إذ أعطى مساحات بين 150 دونماً بدءاً من مدينة ديريك (المالكية) الحدودية مع إقليم كردستان العراق والمنطقة الكردية في تركيا، بينما في مدينة سري كانيه (رأس العين) الحدودية مع تركيا، أعطى كل أسرة من "أسر الغمر" 300 دونماً.

وبلغ عدد الأسر العربية التي تم نقلها من محافظة الرقة إلى منطقة الحزام العربي حتى نهايته، أكثر من 4000 عائلة عربية، انتشرت في قرى عدة أنشئت لهم، بمجموع بشري وصل إلى أربعين ألفاً، حينذاك، فشكلوا نسبة بلغت أكثر من 6% من مجموع سكان محافظة الحسكة.

المخيم المؤقت

خلال شهر حزيران/ يونيو من عام 1974، كانت الحكومة السورية قد بدأت في محافظة الرقة بإعداد قوائم سجلت فيها أسماء الفلاحين العرب الذين سيتم نقلهم من منطقة الطبقة إلى محافظة الحسكة، وبدأ تنفيذ أمر النقل، بموجب قرار صادر عن القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، رقم 521.

وكلفت الحكومة حينذاك كل من الأمين القطري المساعد لحزب البعث محمد جابر بجبوج وعضو القيادة القطرية للحزب نفسه عبد الله الأحمد بمتابعة عمليات الاستيطان وتأمين مساكن للأسر التي سيتم نقلها إلى محافظة الحسكة.

في خريف عام 1974، قامت الحكومة السورية بإنشاء مخيم مؤقت قرب مطار القامشلي الدولي، ونقلت إليه الأسر العربية القادمة من محافظة الرقة، وشددت الحراسة على مكان تواجدها، تحسباً لهجمات محتملة من أصحاب الأراضي الزراعية، ثم قامت ببناء القرى لنقلهم، وانتهت عمليات النقل والتوطين في ربيع عام 1975.

بلغ مجموع المساحات الزراعية الممنوحة للأسر القادمة من محافظة الرقة، أكثر من ثلاثة ملايين دونم في محافظة الحسكة، وكانت كلها تملكها عائلات كردية بين آغوات وفلاحين.

وقامت الحكومة السورية حينذاك بالتكفل بالتكاليف المالية لبناء القرى ونقل الأسر العربية من محافظة الرقة إلى محافظة الحسكة، وترتيب عملية إعادة توطين القادمين على الشريط الحدودي.

بالأرقام... المساحات الزراعية الممنوحة

بلغ حجم القرى الكردية المتضررة من المشروع 335 قرية، وبعضها أزيل وضُمّ إلى القرى المؤسسة حديثاً، وطالت الأضرار اللاحقة بالسكان الأكراد في محافظة الحسكة أكثر من 150 ألف نسمة.

وبلغ عدد القرى التي تم تأسيسها في الشريط الحدودي ضمن مشروع الحزام العربي (39) قرية، قسمت مناطقياً وفق الآتي:

أولاً: منطقة القامشلي، وهي العاصمة السياسية للأكراد في سوريا حالياً، وكبرى المدن الكردية، وتم بناء 12 قرية فيها، بدءاً من الشرق عند بلدة تربه سبيه (قبور بيض)، وصولاً إلى قرية غزالة على طريق عامودا، والقرى الحديثة هي:

ثانياً: منطقة ديريك، وهي المنطقة الحدودية مع إقليم كردستان العراق والمنطقة الكردية في تركيا، وتعتبر من مناطق المثلث الحدودي الكردستاني، وتم بناء 12 قرية فيها، بدءاً من ضفاف نهر دجلة في الشرق وصولاً إلى الغرب، والقرى الحديثة هي:

ثالثاً: منطقة سري كانيه، وهي المنطقة التي تم بناء قرى أكثف فيها، إذ أنشئت 15 قرية حديثة، وهي:

وبعد ذلك، تفرعت عشرات القرى من هذه القرى، وقام القادمون الجدد أنفسهم ببناء عدد كبير من القرى ضمن الأراضي الزراعية التي منحتها الدولة لهم، فتحولت كل قرية من القرى المذكورة على الأقل إلى ثلاث قرى.

محمد طلب هلال

اعتمد النظام السوري في رسم سياسات التغيير الديموغرافي والسياسة العنصرية تجاه الأكراد، في تلك الفترة، على دراسة لمحمد طلب هلال صدرت بتاريخ 12 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1963 بعنوان "دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية، الاجتماعية، السياسية".

ونوقشت هذه الدراسة في مؤتمرات حزب البعث العربي الاشتراكي، ومنها المؤتمر القطري الثالث للحزب عام 1966.

ومحمد طلب هلال هو ضابط في وزارة الداخلية السورية، تخرج برتبة ملازم أول عام 1961، واستلم مناصب عدة أهمها منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، ومنصب رئيس شعبة الأمن السياسي، وكتب خلال تلك الفترة الدراسة المذكورة.

ونصت دراسة هلال على مقترح "إسكان عناصر عربية وقومية في المناطق الكردية على الحدود، فهم حصن المستقبل، ورقابة بنفس الوقت على الأكراد، ريثما يتم تهجيرهم، ونقترح أن تكونَ هذه من ‘شمر’ لأنهم أولاً من أفقر القبائل بالأرض، وثانياً مضمونين قومياً مئة بالمئة".

وطالبت بـ"جعل الشريط الشمالي للجزيرة منطقة عسكرية كمنطقة الجبهة، بحيث توضع فيها قطعات عسكرية مهمتها إسكان العرب، وإجلاء الأكراد، وفق ما ترسم الدولة من خطة".

ودعت إلى "إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً".

قصة "الحزام العربي"... سلب النظام السوري الفلاحين الأكراد أراضي زراعية يمتلكونها، ومنحها لمواطنين عرب تسبب بناء سد الفرات بغمر أراضيهم بالمياه. وكان الهدف إبعاد الأكراد عن الحدود التركية وتشكيل "حزام" بشري عربي هنالك
وجدت أساسها في دراسة دعت إلى "إنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمالي، على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكرياً كالمستعمرات اليهودية على الحدود تماماً"... قصة "الحزام العربي" في سوريا

الفوضى المتعمدة

يروي عمار عكلة، وهو موظف سابق في مؤسسة الإصلاح الزراعي في محافظة الحسكة، وكان يعمل ضمن دائرة الاستيلاء والشؤون القانونية، وكُلف بدراسة أوضاع المالكين المتضررين من قرار لجنة الاعتماد المشار إليه، قصة حدثت عند اعتماد محاضر الاستيلاء.

يقول لرصيف22: "نظرت لجنة الاعتماد في محافظة الحسكة، في الجلسة رقم 1 لعام 1967، برئاسة محافظ الحسكة آنذاك السيد محمد حيدر، وبتت في 206 قضايا في الجلسة ذاتها على عجل، وبموجبها أُلحق ضرر بـ850 مالكاً، كانت لديهم ملكيات معترف بها قانوناً، وقد تمت دراستها، والاستيلاء على الزائد منها، ومُنح المالكون ما يستحقونه من احتفاظ وتنازل، ومنهم من آلت إليه إرثاً من الوالد أو الزوج المتوفى قبل نفاذ قانون الإصلاح الزراعي".

إلا أن لجنة الاعتماد حينذاك لم تعترف بملكيات هؤلاء وردت الملكية لمورثهم المتوفى قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي مثل المالك عبدي خلو في عامودا الذي كان متوفياً قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي وكذلك خالد الطلاع وهو أيضاً متوفٍّ قبل صدور القانون إلا أن لجنة الاعتماد أحيت الموتى واعتبرتهم المالكين ولم تعتد بالإرث. "فكانت تلك التصرفات أشبه بأعمال انتقامية حاقدة ومخالفة للقوانين وشرائع الأرض"، حسبما يوضح عكلة.

وكانت من شروط توزيع أراضٍ الاستيلاء على الأراضي. يروي عمار عكلة أن "الأرض المستولى عليها وُزّعت على أسر تبعد حوالي 300 كيلومتر عن أرض الاستيلاء، وهو مخالفة صريحة لقانون الإصلاح الزراعي لأسس التوزيع والتأجير".

إفراغ الشريط الحدودي

كان القانون ينص في أساسه على الاستيلاء على المساحات الزراعية الزائدة عن سقف حدده القانون لحيازة الأراضي الزراعية في كل محافظة. وفي بعض القرى الحدودية، انتُزعت من أكراد ملكيات مع أن مساحتها أقل من المساحة المحددة في القانون.

ويقول أبو زنار: "كنت أملك 200 دونم في قريتي التنورية، جاء الإصلاح الزراعي واستولى عليها، وتم منحها في ما بعد لعرب الغمر، ومن ثم قامت الحكومة السورية بمنحي قطعة أرض بذات المساحة الزراعية، في المنطقة الجنوبية لمدينة الحسكة".

لكن ما حصل في الشريط الحدودي أن عمليات فرز أراضي الإصلاح الزراعي جمعت وحصرت بالشريط الحدودي، وأزيح الملاكون الأكراد إلى الجنوب بعمق يراوح بين 10 و15 كيلومتراً، عن الحدود.

وبالقرب من الشريط الحدودي، كانت هنالك بعض حيازات الأراضي "بوضع اليد" على مساحات صغيرة. وبرغم أنها لم تُشمل بقانون الإصلاح الزراعي، نُقل "واضعو اليد" إلى مناطق أخرى بعيدة عن الحدود، مثلما حصل في قرية تل بوم (كركند) وغيرها، حسبما يوضح الموظف السابق في دائرة الاستيلاء.

سد النقص... الاستيلاء الثاني

بعد أن أنهت الحكومة السورية عملية الاستيلاء على الأراضي الزراعية، وجلبت المغمورين ووطنتهم في تلك الأراضي، واستقر الحال على ما هو عليه، بدا وكأن المنطقة تتجه نحو عملية تغيير ديموغرافي ثانية محدودة في مساحات زراعية ثانية.

تتميز منطقة ديريك، وجل آغا، وتربه سبيه، بوجود أحجار سوداء قديمة وكبيرة، تتوزع بين الأراضي الزراعية وقرب ينابيع المياه، وهذه الأراضي كانت غير صالحة للزراعة بسبب وجود هذه الأحجار، حتى قرر عدد من الفلاحين الأكراد الفقراء استصلاحها، وإزالة الحجارة منها، وفق قانون الإصلاح الزراعي الصادر عن النظام السوري نفسه.

لكن ما جرى أنه بعد أن أنهى الفلاحون إصلاحها، سلبها النظام السوري منهم، وتم منح قسم منها للمغمورين، تحت بند "سد النقص"، فيما استولى ضباط يتبعون للنظام السوري على القسم الآخر.

وكان كثير هذه العمليات يجري بأوامر مباشرة من مسؤولين عسكريين يتبعون للأفرع الأمنية، وأغلبهم لم يكونوا من أبناء محافظة الحسكة.

واستولى ضباط على مساحات واسعة من أراضٍ زراعية تم استصلاحها من قبل فلاحين أكراد في مناطق ديرك وتربه سبيه، وتم احتسابها ضمن الأراضي الممنوحة للمغمورين.

خلال عام 1982، استولى عرب مغموريون بالتنسيق مع ضباط من النظام السوري، على أراض زراعية تم استصلاحها في قريتي جيلكا وسرمساغ، وقام النظام السوري باعتقال عدد من أبناء القرية الذين رفضوا الموافقة والتوقيع على تسليم تلك الأراضي.

وقدرت الأسر الكردية المتضررة من عملية الاستيلاء الثانية بـ155 عائلة في منطقة آليان وديريك، وكانت كل أسرة منها تملك نحو 30 دونماً، قامت باستصلاحها وفق القانون الصادر عن النظام السوري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard