بعد طعن شاب على يد أخويه... لماذا على المجتمع الفلسطيني أن يحتضن المثليين/ات؟

الخميس 1 أغسطس 201903:12 م
Read in English

كاد خبر طعن فتى فلسطيني يبلغ من العمر 16 عاماً على أيدي اثنين من إخوته، في مدينة تل أبيب، بسبب هويته الجنسيّة والجندريّة يمرّ مرور الكرام، كما هو حال العديد من حالات العنف المتفشّية في المجتمع العربي في فلسطين 48، بدوافع مختلفة، منها العنف الموجّه ضد المثليّين/المثليّات والعابرين/ات. إلا أنّ مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني قد عبّرت عن تضامنها مع الفتى الذي تعرض للاعتداء، ودانت، بشدة، العنف الموجّه ضد الأفراد اللا-معياريين، من ذوي التوجهات الجنسيّة المختلفة، داعية إلى وقفة احتجاجيّة اليوم 1 آب/ أغسطس، في مدينة حيفا.

ما الذي يميّز الدعوة المدنيّة للوقفة الاحتجاجيّة؟

هذه الوقفة الاحتجاجية هي الأولى من نوعها في فلسطين، إذ تعبّر عن مقولة شديدة الأهمية لدى قطاع من قطاعات الناشطين الفلسطينيين، الذين يرون في قضايا الحريات الشخصيّة، ومنها الجندرية، جزءاً لا يتجزأ من نضالهم من أجل الحرية الجمعية.

والفلسطينيون، حين يلتفون حول القضايا التي تتقاطع مع الاحتلال، والتمييز العنصري، والاضطهاد المبني على الهوية الجنسية والجندرية، لا يمكّنون، فحسب، الحركات المثليّة والنسويّة والوطنية من معركة إزالة هياكل العنف والعنصريّة، وإنما ينخرطون في هذه المعارك أيضاً.

هذا هو التغيير الحقيقي الذي يجب أن ننشط من أجله.

ما هي خصوصيّة حادثة الطعن؟ وما هي أبعادها على المجتمع؟

هذا العنف الموجه ضد المثليّات/ين والعابرات/ين ليس بجديد، إلا أنه يأخذ هذا المنحى الخطير، للمرّة الأولى، ويُنسب بشكل قاطع إلى العنف الموجه ضد أشخاص، بناءً على خياراتهم الفردية الجندرية /الجنسيّة فحسب.

وتبرز خصوصية هذه الحادثة من خلال التفاف المجتمع المدني الواسع حول قضايا الجنسانيّة والجندر واتخاذ موقف واضح وعلني ومسؤول يهدف للتصدي لهذه الظاهرة.

يُضاف لما سبق، تطرق بعض السياسيين المحليين إلى مسألة العنف الجندري الموجه ضد النساء والعابرات/ين وضرورة مواجهته. كما نشهد، للمرة الأولى، تغطية إعلامية موضوعية ومسؤولة للحدث ومشاركة إعلاميين في مبادرة أطلقها المجتمع المدني، وتتمثل في ترويج مقطع فيديو توعوي يدعو الناس إلى المشاركة في الوقفة الاحتجاجيّة ويشرح أهمية مناهضة العنف ضد المثليّين/ات والمتحولين/ات.


ما دور المؤسّسات التي تنشط من أجل تحقيق العدالة الجندرية؟

تتبنى مؤسسات المجتمع المدني التي تُعنى بالحريات الجنسية والجندرية مسؤولية قيادة الالتفاف حول قضايا الجنس والجندر وهي تنشط من أجل خلق مجتمع فلسطيني تحرري قادر على احتواء الاختلاف والتعددية الجنسية والجندرية، ويناضل ضد كل أشكال القمع والعنف والتمييز.

كاد خبر طعن فتى فلسطيني يبلغ من العمر 16 عاماً على أيدي اثنين من إخوته، في مدينة تل أبيب، بسبب هويته الجنسيّة والجندريّة يمرّ مرور الكرام لولا تحرك مؤسسات فلسطينية عدة... واليوم تُنظَّم وقفة احتجاجية هي الأولى من نوعها في حيفا
في محاولة منها لتبييض صورتها من خلال تشويه صورة العربي الفلسطيني، تلجأ إسرائيل إلى تلفيق الأكاذيب عن كيفيّة "إنقاذ" المثليين من مجتمعهم الظالم... الحال ليست كذلك بالنسبة إلى المثليين الفلسطينيّين، وحادثة الطعن تثبت ذلك 

وتسعى هذه المؤسّسات إلى تمكين كوادر نسائية وشبابية قيادية من أجل التكاتف بغرض تحدي الآراء والتصورات النمطية وتغييرها وطرح خطاب تحرري هادف إلى التغيير والعدالة الاجتماعية والسياسية.

يؤكد حادث الاعتداء المؤسف على الفتى مسؤوليتنا في متابعة عملنا ونشاطاتنا التوعويّة والتثقيفية وتوطيد الشراكات بين مؤسّسات مجتمعنا، كما يؤكد أهمية تسليط الضوء على تقاطع النضالات الاجتماعية والسياسية والربط في ما بينها لمحاربة جميع أشكال القمع والعنف.

وتظهر الحادثة ضرورة الاستمرار في توفير الدعم، والإسناد لأبناء شعبنا وبناته وترويج الحقوق الفردية والجماعية، وخلق مساحات وفرص لمناقشة الهويات الجنسيّة والجندريّة ونقلها من هامش الى مركز الاجندة الهادفة لتحقيق التغيير المجتمعي.

نحن في "أصوات"- المركز النسوي الفلسطينيّ للحرّيّات الجنسيّة والجندريّة نلتزم ربط النضالات من أجل الحرّيّات الجنسيّة والنسويّة والوطنيّة وتطوير آليّات لمناهضة جميع أشكال الاضطهاد من أجل تحقيق الحرّيّة والعدالة لشعبنا الفلسطيني كافة.

لمَ يلجأ مثلي فلسطيني لطلب الحماية في تل أبيب؟

في محاولة منها لتبييض صورتها من خلال تشويه صورة العربي الفلسطيني، تلجأ إسرائيل إلى تلفيق الأكاذيب وابتداع الأساطير عن كيفيّة "إنقاذ" الفلسطينيّين من عائلاتهم ومجتمعاتهم الظالمة التي يتفشى فيها عداء المثلية الجنسية، وتوفير الحماية لهم في تل أبيب باعتبارها "واحة الحريات لمثليي الجنس". قد تكون تل أبيب جنة بالنسبة إلى الإسرائيليين، لكنّ الحال ليست كذلك بالنسبة إلى المثليين الفلسطينيّين، وحادثة الطعن تثبت ذلك.

اقتصاد الكفاف الذي تعانيه البلدات العربية، متضافراً مع حملات التجهيل واستشراء العنف فيها، تحت مراقبة سلطويين إسرائيليين، يجعل فكرة وجود ملجأ مثيل لحماية ودعم المثليين/ات في هذه البلدات ضرباً من ضروب الخيال.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح سبيل اللجوء الوحيد المتاح لمن يرغبون في الاحتماء من الاعتداءات، هو السبيل الذي تروّجه اسرائيل من خلال حملات "الغسيل الوردي" (تبييض وجه إسرائيل بحقوق المثليّين) وتعبّده بإسفلت "الهسباراه" (التوجيه السياسي والدعائي المدافع عن إسرائيل في العالم).

ما هو دور المدارس في التثقيف حول التعددية والحريات؟

تعمل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، وهي المسؤولة عن جميع المؤسّسات التربوية، على إقصاء المدارس والجمعيات الفلسطينية من أيّ مشروع يهدف إلى تعزيز التسامح واحترام الاختلاف والتعددية في موضوع الميول الجنسية والهوية الجندرية في المدارس العربية.

الانتهاكات الفظة ترتكبها إسرائيل في مجالي حقوق الإنسان والقوانين الدولية بحق جميع الفلسطينيين، مثليين ومغايرين على السواء، وتؤكد حادثة طعن الشاب أن تل أبيب لا توفر حلاً جذرياً بوصفها ملاذاً

وفي إطار سياساتها، تعوق إسرائيل جهود المدارس العربية الساعية إلى تفعيل دورات تدريبية وأيّام دراسية حول الميول الجنسية والهوية الجندرية للمختصين ومقدمي الخدمات العاملين في المؤسسات التربويّة.

كذلك، تنفذ إسرائيل سلسلة من القواعد والإجراءات المبنيّة على التمييز، أبرزها التوزيع غير العادل للموارد لمصلحة المدارس الإسرائيلية ومؤسسات وجمعيات مثلية إسرائيلية وذلك على حساب المدارس والجمعيات الفلسطينية، وخاصة في المشاريع التي تتعلق بفلسطينيي الداخل.

لماذا على المجتمع الفلسطينيّ أن يكون حاضنة للمثليين/ات والمتحولين/ات؟

أولاً، وقبل كل شيء: لأن من حق كل فرد أن يعبر عن تطلعاته وميوله وأحلامه، ومن واجب كل مجتمع أن يضمن هذا الحق. المجتمع القادر على احتضان اختلافات أفراده، وإطلاق حرياتهم، هو مجتمع متكافل وقادر على مواجهة الاعتداء الخارجي.

يتعرض الفلسطينيون لجميع أشكال التمييز من خلال الانتهاكات الفظة التي ترتكبها إسرائيل في مجالي حقوق الإنسان والقوانين الدولية بحق جميع الفلسطينيين، مثليين ومغايرين على السواء، كما تؤكد حادثة طعن الشاب أن تل أبيب لا توفر حلاً جذرياً بوصفها ملاذاً.

الملاذ الآمن ينبغي أن يكون قائماً في حاضنة مجتمع قادر على استيعاب الاختلاف (وعلى أقل تقدير، قادر على نبذ العنف). ناهيك بكون الجهاز الشرطي القمعي ومؤسّسات الدولة يلاحقون الفلسطيني من حيث كونه فلسطينياً، من دون علاقة لهويته الجندريّة بالأمر.

وكما ورد في بيان الجمعيات: "لا مفر من أن يأخذ مجتمعنا الدور في التصدي لظاهرة العنف ضد المثليّين/ات والمتحولين/ات وتوفير الحماية، إذ لا يخفى على أحد أنّنا لا يمكن أن نعوّل على السلطات الإسرائيلية التي كثيراً ما تعرقل المبادرات والجهود المجتمعية الفلسطينيّة التي تعمل على الحد من هذه الظواهر، إضافة إلى أن الملاجئ والأطر الأخرى في تل أبيب وغيرها ليس بوسعها أن توفر الحماية التامة لجميع المهدَّدين، وهي برغم أهميتها، تعالج جانباً واحداً من بضعة جوانب ومستويات للقضية. العنف المجتمعي الجندريّ كباقي أنواع العنف الأخرى، يستوجب معالجة مجتمعية شاملة وجذرية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard