الحميمية في السردية الفلسطينية... أرشيف رقمي يوثّق ذكريات الأشخاص العاديين

الخميس 1 أغسطس 201905:27 م

من بلدة بيرزيت الفلسطينية، أعلن المتحف الفلسطيني قبل أيام عن انتهائه من أرشفة 70 ألف وثيقة ضمن مشروعه "أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي"، وعن استعداده لإطلاق المنصة الإلكترونية للمشروع في منتصف آب/ أغسطس 2019.

منذ افتتاح المتحف، أخذ مشروع الأرشفة ونشر الأرشيف الرقمي، عبر منصةٍ إلكترونية متوفّرةٍ للجمهور وقابلةٍ للتحديث دوماً، حيزاً أساسياً من عمله.

صورة غير ملونة للفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور محاط بأطفاله في بيته في القدس عامَ 1987. مجموعة جُس رِاي  

الأرشيف المذكور يضمُّ صوراً فوتوغرافية، وثائق تاريخية، كتباً، أفلاماً، تسجيلاتٍ صوتية ومواد أخرى، ويسعى لتوثيق تطوّر المجتمع الفلسطيني، وحياة الفلسطينيّين منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى عام 2005.

وفي بيانٍ صحافي أصدره، ذكر المتحف الفلسطيني "أن مشروع الأرشيف الرقمي يهدف إلى حماية الموروث التاريخي الفلسطيني المعرّض للخطر، كما والمحافظة عليه، واعتماد التوثيق الرقمي كأداةٍ لمواجهة أية مخاطر أو تهديدات قد تتعرّض لها الوثائق أو القطع المختلفة، إضافةً لحفظ الذاكرة الجمعية وتوثيقها ونشرها، وتطوير مرجعٍ لتاريخ فلسطين السياسي والاجتماعي والثقافي، كما يهدف لتوفير مرجعٍ معرفي للباحثين والمهتمّين والفنّانين وغيرهم، ليكون نواةً لأبحاث أو مشاريع فنية، وتعزيز الوعي العام بأهمية الموروث الفلسطيني البصري والفوتوغرافي والمكتوب، خاصة لدى الأجيال الجديدة".

نسخة من العدد الأول من جريدة الاتحاد كما نُشر في الرابع عشر من أيار 1944 محرراً على يد المؤرخ، والصحافي، والروائي الفلسطيني إيميل توما. مجموعة زياد يوسف 

في حديثٍ لرصيف22، تقول المديرة العامة للمتحف الفلسطيني د. عادلة العايدي هنية، إن "عمل المتحف يرتكز بالأساس على أنه يقدّم ويساهم في إنتاج روايات عن تاريخ فلسطين وثقافتها ومجتمعها بمنظورٍ جديد، كما يوفّر بيئةً حاضنةً للمشاريع الإبداعية والبرامج التعليمية والأبحاث المبتكرة".

وتضيف: "من هنا أخذنا على عاتقنا العمل على مشروعين بحثيين وهما رحلات فلسطينية، وهو منصة رقمية لاستعراض التجربة الفلسطينية بجوانبها المتعددة، بالتعاون مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومشروع الأرشيف الرقمي الذي يقدّم تاريخ فلسطين، من خلال الأرشيفات الشخصية وأرشيفات المؤسسات إلى الفلسطينيين وكل العالم".

صورة غير ملونة لأفراد من أسرة فلسطينية من قرية برهام في باحات الحرم الشريف في القدس إثر حصولها على لم شمل عام 1973. مجموعة زياد يوسف 

تأخذ الأرشفة حيزاً مهماً في حياة الفلسطينيين ونضالهم من أجل الحرية والحياة الكريمة ويصبّ هذا الاهتمام في مشاريع ثقافية وفنية وسياسية عديدة على مدار 72 عاماً، إيماناً بدور الأرشيف في حفظ السردية الفلسطينية.

عن أهمية الأرشفة في سياق السردية الفلسطينية حول تاريخ الفلسطينيين، التهجير والنكبة المستمرة، قالت العايدي هنية: "للفلسطينيين الحق مثل كل الشعوب في جمع وكتابة تاريخهم والتعرّف عليه، وهذا لا يشمل فقط تاريخ النخب، بل كذلك التاريخ الجماهيري والفردي الموثّق بالممارسة الحياتية اليومية".

نُسخة طبق الأصل عن لفيفة ورقية لإحدى وقفيات البلدة القديمة في القدس، حُبِرت وحرُرت في 20 تشرين الأول 1934. مجموعة أميمة المهتدي 

برأيها، "حتى يتمكّن الفلسطينيون من تقرير مصيرهم لا بد لهم من أن يتمكنوا من شرح أساسات كينونتهم، وظروفهم الحالية وتطلعاتهم. وأصدق ما يعبر عن هذا، أرشيف بلسان الناس، يبحث في تاريخهم المنسي".

قصّص الناس قبل أن تكون القضية سياسية

تاريخ الفلسطينيين ليس منسياً فحسب، بل أيضاً يقع ضحية محاولات الطمس الدائمة من قبل إسرائيل التي تحاول محو السردية التي تقاومه، وبالتالي، فإن هاجس الأرشفة لم يأتِ من فراغ، بل هو ناتج عن عمليات السطو الإسرائيلية على مواد "الأرشيف الفلسطيني" منذ نكبة عام 1948.

صورة غير ملونة لِنهاية محمد تُدرب مجموعة نسوة فلسطينيات على تفكيك وتركيب بندقية الكلاشينكوف خلال أحد تدريبات التأهيل العسكري في معسكر بيت نايم في مقرات منظمة التحرير الفلسطينية في الغوطة، دمشق عامَ 1976. مجموعة نهاية محمد 

تقول الباحثة الفلسطينية المقيمة في برلين، ضمن زمالة ما بعد الدكتوراه في مؤسسة "EUM" الألمانية، همّت زعبي، لرصيف22: "الهاجس الفلسطيني تجاه الأرشفة بدأ من النكبة مروراً بسرقة الأرشيف، خلال اجتياح لبنان في الثمانينيات من القرن الماضي، وأرشيف الأورينت هاوس في القدس في التسعينيات، وغيرها من عمليات السطو على المستندات والوثائق الفلسطينية. ولكنه ينبع أيضاً وبالأساس من محاولات إسرائيل المستمرّة لنزع الشرعية عن الرواية الفلسطينية فيما يتعلّق، ليس فقط بالنكبة، إنما في تاريخ الشعب الفلسطيني ما قبل النكبة، والذي ترغب إسرائيل في محوه واستبداله بتاريخٍ آخر، تاريخ يقفز عن الوجود الفلسطيني العربي في فلسطين ويحاول بشكلٍ متواصلٍ تصوير تاريخها كتاريخ يهودي، توراتي، إسرائيلي، وفي أفضل الأحوال، يتعامل مع وجود الفلسطينيين كعابرين وليس كأصحاب المكان والوطن".

صورة غير ملونة لفريق كرة قدم ومدربه على أرض الملعب. مجموعة بسام الشكعة 0050.01.0459 

في خطوةٍ جديدة نوعاً ما، يعتمد المتحف في مشروعه على أرشفة قصص الأفراد، وإعادة الاعتبار لقصص الفلسطيني الفرد الخاصة، كجزءٍ من الموزاييك الشعبي والعام. فمنذ انطلاقة مشروع الأرشفة الرقمية، دعا المتحفُ الفلسطينيين إلى إرسال منتجات من حيواتهم الخاصة.

في إجابةٍ عن السؤال حول أهمية الذكريات الخاصة في أرشفة قصة شعب كامل، قالت زعبي: "هذه مبادرة مهمة جداً وخاصة كونها لا تعتمد فقط على المستندات الرسمية التي تراكمت لدى النخبة والفصائل الفلسطينية المختلفة، على الرغم من أهمية جمع كلّ هذا".

وأضافت: "أعتقد أن تجميع منتجات خاصة من حيوات الفلسطينيين جاء على أثر النقد النسوي ونقد المجموعات الفلسطينية "المهمّشة" لنخبوية عملية كتابة التاريخ الفلسطيني، كما أشارت إليه العديد من الباحثات الفلسطينيات".

صورة غير ملونة لـجنازة رمزية لـجمال عبد الناصر دَلِفت لشوارع القدس في الأول من تشرين عام 1970. مجموعة أمين الخطيب 

وبالعودة إلى فكرة أهمية الذكريات الخاصة، تقول: "تربط أهمية هذا أولاً بأنها تتعدى فكرة تحدي الحدود الجغرافية و/أو نخبوية عملية التأريخ الفلسطيني، وترتبط بفكرة أنسنة القضية الفلسطينية والتأكيد على العدالة للفلسطينيين، والخطاب الغربي الحداثي لا يحقق العدالة لفلسطين لغياب "الوثائق" والحجج الدبلوماسية، وعلاقات القوة التي تحكم هذا الحقل. أما الجانب الآخر فيتعلق بما ذكرته سابقاً، حول طمس الرواية الصهيونية للوجود الفلسطيني أصلاً".

وتخلص إلى أن "توثيق الذكريات الخاصة يُعيد الاعتبار الى أهمية التاريخ الاجتماعي وإلى كون روايتنا الجماعية هي مجموع حيوات أفراد شعبنا قبل أن تكون قضية سياسية".

تأخذ الأرشفة حيزاً مهماً في حياة الفلسطينيين ونضالهم من أجل الحرية والحياة الكريمة ويصبّ هذا الاهتمام في مشاريع ثقافية وفنية وسياسية عديدة على مدار 72 عاماً، إيماناً بدور الأرشيف في حفظ السردية الفلسطينية

يعدّ مشروع الصور العائلية والأرشيفات الخاصة وكل ما وُثّق، لحظات ثمينة تحولت اليوم إلى ذاكرة جمعية للفلسطينيين، وتكوّنت من الذكريات الخاصّة، وكلها "من شأنها أن تجعل الأرشيف حياً في يوميات الناس"

الأرشيف كسعي متواصل لخزن وحفظ التجربة البشرية المُعاشة

يمتدُّ خيار أن يكون الأرشيف رقمياً من ركيزة أساسية خُلق منها المتحف الفلسطيني، وهي أن يكون مؤسسةً عابرةً للحدود السياسية والجغرافية، وبالتالي أن يخلق حلقة وصلٍ بين فلسطينيي الداخل وفلسطينيي الشتات، تتجسّد في منصةٍ رقمية تحتوي على التاريخ الشخصي والجمعي العابر للحدود. ويرى المتحف أن هذه الخطوة تعزّز الصوت الفلسطيني في إنتاج المعرفة عن الفلسطينيين، وتمنحه القوة للتعبير عن الهوية الفلسطينية.

صورة غير ملونة لمجموعة من تلامذة المرحلة الابتدائية يحاولن الجمع بين الاندماج في أحد الأنشطة الصفية مع معلمتهم وأخذ وضعية أمام عدسة الكاميرا في مدارس الفرندز، رام الله في القرن العشرين. مجموعة مدارس الفرندز/رام الله 

أن يكون الأرشيف رقمياً، له أبعاد عديدة. مشاريع أرشفة كثيرة ظهرت مؤخراً ترتكز على منصات رقمية للنشر، انطلاقاً من مبدأ حق الوصول إلى المعلومة.

وحول أهمية الأرشيف الرقمي في الزمن الذي نعيشه، وفي سياق تاريخ سرقة الأرشيف الفلسطيني، يقول الأديب الفلسطيني علاء حليحل لرصيف22، إن "الأهمية كبيرة جداً وهي مصيرية في نظرة مستقبلية للأمام. إذا أخذنا بعين الاعتبار تحوّل كل معلومة أو تجربة أو فعل بشري إلى أفعال رقمية في جوهرها، يمكننا عندها فهم مصيرية الأرشفة الرقمية".

يواصل المتحف الفلسطيني فتح أبوابه لاستقبال كل ما يصب في تركيب موازييك السردية الفلسطينية، خاصة تلك التي تضفي طابعاً "حميمياً" إلى الأرشيف

ويتابع: "الأرشيف كمحلٍّ مركزي لجمع المواد وعرضها والتنقيب فيها، شكّل ويشكّل في عصر الحداثة، سيفاً ذا حدين: الحد الإيجابي الذي يعتمد على الجمع والحفظ والصون، والحد السلبي الذي يقوم على الاستثناء والطمس. فاختيار مُبرز ما يأتي دائماً على حساب اختيار مُبرز آخر، ولذلك نرى هذه الازدواجية دائماً في عمل الأرشيفات، طبعاً عدا الانتقائية في الاختيارات والتأثيرات الأيديولوجية على الفرز والتصنيف والتبويب، وهو ما تفعله عادةً الأرشيفات الإسرائيلية الرسمية".

ويضيف: "لذلك لا يخلو أي أرشيف في العالم من منظومةٍ أيديولوجية تحكمه وتديره، ولا ننسى أيضاً أن معظم الأرشيفات الهامّة في العالم قامت على النهب والسلب".

صورة غير ملونة لتوفيق زيَّاد يُلقي خطاباً في ذكرى يوم الأرض في ثمانينيات القرن العشرين. مجموعة توفيق زيَّاد  

وعن ارتكاز الأرشيف الرقمي للمتحف الفلسطيني على ذكريات الناس ومنتجاتهم، مقارنةً بالأرشفة الأوسع للوثائق وأعمال النخب الاجتماعية والسياسية والثقافة، يقول حليحل: "نحن معتادون على رؤية الأرشيف كمخزنٍ كبير للمستندات والوثائق، لكن الأرشيف بمفهومه الواسع أكبر من ذلك بكثير. إنّه سعي متواصل لخزن وحفظ التجربة البشرية المُعاشة".

ويضيف: "بهذه الناحية علينا الحذر أيضاً: فلو رغبنا بجمع أرشيف صور من نهايات القرن التاسع عشر ليافا أو حيفا أو نابلس، عندها نكون محكومين باضطرارات تقنية وطبقية: سيحوي هذا الأرشيف تجربة وحياة أولئك الميسورين الذين كانوا قادرين أصلاً على شراء كاميرا في ذلك الوقت، من دون الخوض في خصوصية حيواتهم وتوجهاتهم الاجتماعية والثقافية التي قد تختلف عن معظم الناس".

تباعاً لهذه الفكرة، يضيف حليحل: "لكن في المحصلة علينا التعامل مع الجهد الأرشفي في سياق أوسع وأشمل: لو حرصنا على حفظ وعرض وثيقة هي رسالة استرحام مثلاً من فلسطيني إلى الحاكم العسكري بطلب تصريح للعمل في حيفا... علينا عندها أن نسعى إلى عكس مجمل جوانب الحياة المرافقة لهذا المُبرز للوصول إلى ما يمكن تسميته بالتجربة الفلسطينية الحقيقية: مستوى المعيشة الاقتصادي والاجتماعي وقتها، نوع الملابس، نوع الأثاث، طرق البقاء المبتكرة أثناء الفقر والعوز، الأغاني الشعبية عن الحاكم العسكري وعن الصمود، وما إلى ذلك. عندها يمكن لهذه الرسالة العادية بمفاهيم تلك الفترة أن تصبح جزءاً حياً وهاماً في سياق الأرشيف الفلسطيني".

يستمرّ العمل على تجميع المنتجات للأرشيف، ويواصل المتحف الفلسطيني فتح أبوابه لاستقبال كل ما يصب في تركيب موازييك السردية الفلسطينية، خاصة تلك التي تضفي طابعاً "حميمياً" إلى الأرشيف.

يعدّ مشروع الصور العائلية والأرشيفات الخاصة وكل ما وُثّق، لحظات ثمينة تحولت اليوم إلى ذاكرة جمعية للفلسطينيين، وتكوّنت من الذكريات الخاصة بكل منهم، وكلها "من شأنها أن تجعل الأرشيف حياً في يوميات الناس"، حسب تعبير مديرة المتحف د.عادلة العايدي هنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard