فتيات من غزة المحاصرة يغنّين للحب والحياة... ولإيصال قصص بلدهنّ إلى العالم

الأربعاء 31 يوليو 201905:47 م



رغم ضيق مساحتها، بقيت غزة تنبض بحب الحياة ولا يزال يخرج من رحمها عشرات المبدعين والموهوبين بالفن والموسيقى والغناء.

نسلّط الضوء في هذا التقرير على 3 فتيات فلسطينيات عايشن لسنواتٍ عدّة أجواء الحروب والدمار والحصار وتوالدت في داخلهنّ الجراح على مدار إثنى عشر عاماً، إلا أنهنّ استطعن الخروج من معاناتهنّ من خلال العزف على أوتار الآمال والأحلام وسط جمهورٍ متعطش لسماع أصواتهنّ العذبة.

لغة المحبة والسلام

بلغة المحبة والسلام تهزّ رهف شمالي إبنة الـ 16 ربيعاً بصوتها معالم الطرب الأصيل.

في سن مبكر بدأ مشوار رهف مع الموسيقى ، وعن هذه المرحلة تقول لرصيف 22 :"بداية رحلتي الموسيقية كانت مع جدتي عندما كنا نجلس في حديقة البيت ونغني لأم كلثوم وهدى سلطان، وفي عمر الثامنة إنتقلت للمشاركة في مركز القطان للطفل ، كانت نقلة نوعية بالنسبة لي، إذ تعلمت هناك الموسيقى والغناء واستطعت كسر حاجز الخوف والرهبة والوقوف على خشبة المسرح لأول مرة حيث غنيت أغنية (ستّي إلها ثوب وشال) بإتقان، الأمر الذي أثار إعجاب ودهشة من حولي".

وتتابع رهف حديثها بالقول:"من بعدها تأهلت إلى مدرسة سيد درويش الموسيقية في العام  2018وبدأت أستقر وأتمعن في اللون الطربي القديم الذي كان سبب اكتشافي لموهبتي حينما كنت ادندن أنا وستي في سن الطفولة وتعلمت عزف الايقاع وشعرت حينها انني قد اقتربت من تحقيق حلمي في الغناء".

فلسطينيات عايشن لسنواتٍ عدّة أجواء الحروب والدمار والحصار وتوالدت في داخلهنّ الجراح، إلا أنهنّ استطعن الخروج من معاناتهنّ من خلال العزف على أوتار الآمال والأحلام وسط جمهورٍ متعطش لسماع أصواتهنّ العذبة

في العام 2019 انضمت رهف شمالي كعضو نسائي وحيد إلى فرقة صول الموسيقية، وهي فرقة من قطاع غزّة مكوّنة من 4 شباب، جمعهم حب الموسيقى لتشكيل فرقة تهدف إلى إحياء الفنّ والموسيقى التراثيّة فكان حُلمهم وطموحهم واحد وهو إيصال صوت فلسطين إلى العالم أجمع.

وشاركت رهف مع هذه الفرقة في أول حفل غنائي لإحياء يوم اليونسكو العالمي لموسيقى الجاز في رام الله والقدس.

وعن علاقتها المتينة باعضاء الفرقة الشبابية، تقول رهف:"بدأت صحبتي مع افراد فريق صول باند وتبادلنا الحب والصداقة والخبرة والموهبة بخاصة بعد مشاركتنا في حفل خارج حدود قطاع غزة" .

تعبّر شمالي عن مدى سعادتها حين التقت بجمهورٍ كبيرٍ لأول مرة في مدينة رام الله:"كان احساسي لا يوصف عندما صعدت خشبة المسرح ورأيت الفخر في عيون الفلسطينيين الذين شجعوني وقاموا بالغناء معي وأنا بعمر صغير اسافر لاول مرة الى رام الله، فبالرغم من قرب المسافات لكن الاحتلال كان يمنعنا من الحصول على تصاريح لدخول الضفة الغربية".

ومن خلال تجربتها، لاحظت رهف أن هناك اختلاف بين جمهور رام الله وجمهور غزة، وتشرح ذلك بالقول:"كان الاختلاف كبير جداً بين جمهور رام الله الذي يقدر الفن والإبداع ويغني للحب والسلام وبين جمهور غزة الذي لم يتقبل فكرة كوني فتاة غير محجبة أغني وسط 4 شباب".

وبالرغم من الانتقادات الكثيرة التي طالتها بهذا الشأن ورغم منع فريقها من قبل حماس والغاء حوالي 40 حفلة موسيقية في غزة، إلا أن شمالي تؤكد لرصيف22 أنها مستمرة في الغناء:"في بعض الأوقات يتم الضغط علينا من أجل إلغاء الحفلات لكنني كنت ارتدي الحجاب حتى لا نخسر فرصتنا في الغناء"، مضيفة:" إن حبي للغناء والموسيقى أكبر من كل القيود الموجودة في غزة وانتمائي لفريقي وموهبتي ورغم هذا كنت أحلم وأرى رهف تغني على مسرح كبير أمام ملايين من الجماهير بصوتها وتهتف للسلام والحب، تغني لغزة التي تحتاج لمن بإمكانها أن يوصل صوتها إلى العالم".

غذاء الروح ودواء الجسد

بدورها انخرطت الشابة نجلاء حميد  (16 عاماً) وهي عازفة عود في مشوار الغناء وأغرمت بأغاني فيروز.

عن حبها للموسيقى ودخولها في هذا المجال، تقول لرصيف 22: "الموسيقى جزء لا يتجزأ من حياتي وأبدع في تأدية أغاني فيروز".

لاقت حميد دعماً كبيراً من عائلتها والتي اكتشفت موهبتها في الغناء خاصة وأنها أكدت لها أن خامة صوتها تساعدها على الغناء لفيروز بالدرجة الأولى، فالتحقت بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى وهي في السادسة من عمرها وبدأت في تعلم العزف على آلة العود والغناء.

وتتابع حميد: "من خلال المعهد سافرت إلى القدس لأول مرة عندما كان عمري 10 سنوات، أما التجربة الغنائية الثانية فكانت في بريطانيا حيث قدمنا عدة عروض مقابل الجماهير التي كنت استمد من عيونها القوة والحب والتي زودتني بالتفاؤل  والشجاعة".

تعبّر نجلاء حميد عن حبها للموسيقى بالقول:"الموسيقى هي غذاء الروح"، مشيرةً إلى أن حلمها ان تتخصص في الطب وبأن تكون الموسيقى في يوم من الأيام هي الدواء الشافي للمريض:" تخيّلوا مثلاً أن أغني واعزف بصوتٍ هادئ حتى يتمكن المريض من استعادة عافيته وصحته النفسية"، وتتابع حديثها بالقول: "لن أنسى زيارتي إلى ملاجئ النازحين في الحرب الإسرائيلية على غزة في العام 2014 حيث كنت أغني ولاقيت الفرحة في عيون الناس، فشعرت في هذه اللحظة كيف أنه من خلال مبادرة صغيرة مني فرحت قلوب الكثيرين... وقتها تأكدت أن الموسيقى هي فعلاً بمثابة الدواء".

طموح نجلاء أن تستمر في الغناء وأن تصل من خلال صوتها إلى العالم للتأكيد على أن غزة "مليانة بالحب والسلام والإبداع وليس غارقة في الحروب والدمار والدماء...فالغناء يستخدم حتى يعرّف العالم على مواهب فلسطين"، على حدّ قولها.

يكشف الدكتور اسماعيل داود، مدير معهد ادوارد سعيد الوطني للموسيقى، أن اقبال الفتيات على التسجيل في معهد الموسيقى أكبر من اقبال الشباب بنسبة 60% ، مشيراً إلى أن أغلب الفتيات اللواتي يدرسن الموسيقى يتمتعن بخامة صوت جميلة جداً خاصة العازفات على الآلات الموسيقية اللواتي لديهن قوة في الشخصية الفنية وقدرة على المشاركة في العروض والمهرجانات ولقاء الجمهور.

وعن موهبة نجلاء حميد، يعتبر داود أن هذه الصبية هي العمود الفقري لمعهد الموسيقى، شارحاّ ذلك بالقول:"نعتمد عليها في الكثير من المناسبات والاحتفالات وهي حاضرة دوماً في العروض الموسيقية، لكونها بدأت في الغناء وبعدها تعلمت العزف على آلة العود بهدف أن تثقل موهبتها وتطور امكانياتها في الغناء والمقامات ونحن نفتخر بها وهي قد تكون  في المستقبل مشروع أستاذة في معهد الموسيقى".

ويتابع الدكتور داود حديثه لرصيف22 بالقول:"غزة ليست الصورة الي مرسومة بخيالهم من قتل ودمار وحروب وتخلّف ولا يوجد بها حضارة ولا ثقافة ، في غزة هناك الموهبة والعباقرة والإبداع لدى الكثير من أبنائها، نحن بحاجة فقط إلى استقرار سواء على المستوى الإقتصادي أو السياسي لأنه لدينا إمكانيات ومواهب نتحدى بهم العالم بأجمعه وحتى تزدهر الموسيقى في بلدنا أيضا يجب أن تكون لها مادة تعليمية من الأساس وإعادة تفعيلها في المنهاج الدراسي وفتح معاهد عليا لتعليم الموسيقى من الأساسيات".

أسافر وأطير كالعصفور

تبدع وفاء النجيلي (23 عاماً) في الغناء وتقدم أغاني باللغتين العربية والانجليزية، أما والدها فهو الذي إكتشف موهبتها وفق ما كشفته لموقع رصيف22:"والدي اكتشف موهبتي لأنه عازف عود وبغني اللون العراقي فعلمني مقامات الموسيقى"، مشيرة إلى أن الفن والتعامل مع الآلات الموسيقية والمقامات العربية هو أمر يسري في عروق أسرتها.

وعن الصراع بين هويتها العربية والأغاني الأجنبية التي تجذبها، تقول:"عندما كان عمري 17 عاماً شعرت أنني اميل أكثر لللأغاني الكلاسيكية الغربية وكان لي مشاركات عديدة في حفلات محلية ودولية في إيطاليا والقاهرة، ولكن الأمر يختلف عندما أشارك في حفلات غزة إذ كنت أشعر بالخوف حين أصعد خشبة المسرح واقوم بتأدية أغاني أجنبية وافكر كيف ستتقبل الناس سماع أغاني أجنبية من فتاة عربية، بالرغم من هذا الخوف كنت بغمض عيوني وأنا على المسرح وأغني من إحساسي".

وتوضح النجيلي أن سبب إطلاق أغنية عصفور نابع من إحساسها الداخلي، فتقول: "كانت أغنية عصفور أول تجربة لي، فقبل 6 شهور جاء المنتج الايرلندي جون كيتنج وتمت ترجمتها لتكون النسخة العربية من أغنية (Black Bird) لفرقة "البيتلز" الشهيرة".

وتؤكد وفاء أن هذه الأغنية هي بمثابة مرآة لأفكارها وأحاسيسها:"أكثر اغنية بتمثل كل كلمة جوايا"، وتشرح ذلك بالقول: تقول كلمات الأغنية (عصفور عم بغني بنص الليل بجناح صغير كتير بحاول يطير طول حياتنا بستني اللحظة الي فيها بكرا عشان تصير) معنى هذا المقطع إنني عايشه في مدينة مغلقة ما في حدود ولا معابر (عصفور نفسه يطير) وأنا نفسي أسافر وأطير".

هذه عيّنة من المواهب الفلسطينية التي إجتمعت في غزة المحاصرة، حلمها الوحيد إيصال رسالة قوية ومؤثرة مفادها أن غزة التي تعرف الحرب والدمار تعرف الحياة والإبداع والفن أيضاً

وتضيف النجيلي:"أطمح في  المستقبل أن ادرس الموسيقى والفن في المعاهد المتخصصة في بلاد تدعم الفن وتقدره وأن أعمل على تطوير صوتي في الغناء لأني عندي موهبة ممكن تفيد العالم، وأيضاً نفسي أكون مثل العصفورة أطير من دون حواجز... لهذا السبب أصبح طموحي متعلق في نافذة صغيرة موجودة خارج  قطاع غزة".

هذه عيّنة من المواهب الفلسطينية التي اجتمعت في غزة المحاصرة، حلمها الوحيد إيصال رسالة قوية ومؤثرة مفادها أن غزة التي تعرف الحرب والدمار تعرف الحياة والإبداع والفن أيضاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard