"مش حنسهّل الدعارة"... الطريق إلى "منتجعات سيناء" مفروش بكمائن الشرطة

الأربعاء 21 أغسطس 201903:01 م

بعد شهورٍ من العمل المتواصل، الضغط المستمر، التلوث المناخي والبصري والسمعي الذي تختبره كل يوم في القاهرة، اتخذت هدى عبد الرحمن قراراً بالذهاب برفقة صديق إلى جبال سانت كاترين، جنوب سيناء، بحثاً عن الهدوء والسلام النفسي والراحة.

ولكن الأمور غالباً لا تسير كما خُطط لها.

صادفت مضايقات كثيرة من كمائن الشرطة في الطريق، لم تكن تتخيلها، هذه المضايقات بحسب من تحدثوا لـرصيف22 لا تقتصر على المصريين كما تظن هدى.

من حظر الفنادق للإقامة، وفرض قيود على بعضها، وحتى الإجبار على العودة في منتصف الطريق بزعم مخالفاتٍ قانونيةٍ غير موجودة في غالب الأحيان، أو رفض لأسباب غير مفهومة.

"مافيش سياحة خلاص"

كان للأمن رأي آخر في مساعي هدى (27 عاماً)، والتي تعمل في مجال كتابة وصناعة المحتوى الإلكتروني، حيث روت لرصيف22 قصة منع الأمن لها وصديقها من دخول المدن السياحية بجنوب سيناء، بدون أي أسباب، وإجبارها على العودة من جديد للقاهرة بعد قطع ما يقرب من 300 كيلومتر.

تقول هدى: "تحرّكنا فجراً بواسطة أتوبيس إحدى شركات السياحة، وبعد ساعات طويلة والعديد من الكمائن، وقفنا في كمين وبعد نظرات ممتدة من الأمن والتفتيش، طُلب منّا أنا وصديقي النزول والانتظار خارج الأتوبيس، بدون إبداء أي أسباب".

وأضافت هدى: "انتظرنا طويلاً في الشمس بعد السماح للأتوبيس بالمغادرة بدوننا، مع أسئلة كثيرة عن علاقتي بالصديق الذي كان برفقتي، وأسئلة ذات تلميحات جنسية بشكلٍ فج".

"يقربلك أيه؟ تعرفها منين؟ رايحين تعملوا أيه لوحدكم؟ واشمعنى سانت كاترين يعني؟ ومعاكم حاجة ولا نضاف؟"، كانت هذه أغلب الأسئلة التي طرحها رجل الأمن، مع نظرات وتلميحات تكشف ما وراء الأسئلة، بحسب تصريحات الفتاة.

أنهى الشرطي الأمر بقراره: "ارجعوا، مفيش سانت كاترين خلاص، قفلوا خلاص"، تبع ذلك محاولات من الفتاة والشاب للعبور وقضاء الإجازة كما خططا لها، ولكنها محاولات فاشلة، وفي النهاية عادوا للقاهرة بعد استيقاف سيارة وافقت على إقلالهم.

تصف هدى شعورها بما حدث لها: "إحساس بالإهانة والغبن، لا يوجد أي شيء يدعو لإجبارنا على العودة، وشعور الإهانة مصدره الأسئلة التي طرحها الشرطي وتلميحاته".

في 13 يونيو الماضي، تداول نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، فيديو يوثّق منع فتاة وشاب من دخول إحدى القرى السياحية في مدينة العين السخنة، بدعوى "عدم وجود صلة قرابة".

الفيديو يظهر فيه موظف أمن يطلب من الفتاة إظهار هوية مرافقها والسماح بإظهار هويته، ولكنها ترفض، فيردّ عليها الموظف قائلاً: "السماح بدخولكم بدون إثبات صلة القرابة يُعتبر تسهيل دعارة"، تغضب الفتاة وتهدّد الموظف بالحبس، ويصرّ الأخير على موقفه.

الفيديو أثار جدلاً بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتسبب في طرح أسئلة: "هل يجوز منع شاب وفتاة من قضاء إجازة طالما لم يرتكبا أي مخالفة قانونية؟ أم يجوز منعهما من باب الاحتياط بدعوى عدم تسهيل الدعارة كما قال الموظف؟".


لبنانية وشقيقها "رايحين تعملوا إيه؟"

آمال أبو سعد، لبنانية (35 عاما)، حقوقية، تحكي قصتها مع "تكديرة" الأمن لأكثر من 5 ساعات، بعد أن استوقفها قبل مدينة شرم الشيخ بعشرات الكيلومترات، ووجد في السيارة فتاتين و3 شباب.

تقول آمال لرصيف22: "نصفي مصري والنصف الآخر لبناني، وكالعادة أحب زيارة مصر وقضاء الإجازات فيها، وقررنا هذه المرة مع الأصدقاء أن نزور مدينة شرم الشيخ، توجهنا إلى هناك بسيارة خاصة، وعبرنا على جميع الكمائن، حتى وصلنا لكمين مدينة الطور".

اضطر حسام شرف في رحلته مع أصدقائه إلى شرم الشيخ أن يبرر لـ"الكمائن" صداقاته بصديقاته، وأنهم ليسوا "في شقة دعارة"، ولكن الفندق تعنت في الحجوزات، وخضعوا لمراقبة مستمرة.

وتضيف الفتاة: "كل الكمائن التي مررنا عليها منذ مغادرة القاهرة وحتى الوصول للطور، لا تخلو أبداً من التلميحات والأسئلة الشخصية المستفزّة التي لا علاقة لها بالأمن ولا بالإجراءات الأمنية، حتى كان أفراد كمين الطور، الذين سألوا صراحة (أنتم مش هينفع تعدّوا وأنتم شباب وبنات من غير أوراق رسمية)".

"أبلغته بأن شقيقي معي، وأن جميع حجوزات الفنادق تؤكد أن لكل منّا غرفته المستقلة، إلا أنه تعنّت واستولى على جوازات السفر الخاصة بنا، ورفض إعادتها".

"إما أن تسمح لنا بالمرور أو إعادة جوازات السفر، والسماح لنا بالعودة، ولكن أن نظل هكذا كل هذه المدة، فهذا شيء غير قانوني"، صديق قال هذه الجملة للشرطي، قبل أن يتدخل آخر ويسمح لنا بالمرور لشرم الشيخ، ولكن بعد تصوير جوازات السفر وتسجيل فندق الإقامة في سجل كان لديه.

"أنتم مش هينفع تعدّوا، وأنتم شباب وبنات من غير أوراق (زواج) رسمية"

تقارن آمال ما حدث لها في مصر، وبين الإجراءات الأمنية بلبنان قائلة: "الأمر جديد علينا، لا نمر بأي من هذه التضييقات في لبنان، طالما ليس هناك أي مخالفة للقوانين، كان عليهم احترامنا، وألا نكون مصدراً للشبهات في المطلق".

قصة أخرى يرويها حسام شرف، (32 عاماً) مهندس، عن المواقف التي تواجهه خلال السياحة الداخلية، والمشكلات التي تواجهه وتواجه الأصدقاء الذين يسافرون معاً بسبب النظرة السلبية للسياح المصريين.

يقول شرف: "من أسوأ الأوقات التي نمر بها، تلك التي نكون علينا فيها أن نبرر للجميع لماذا نسافر معاً في جروب به صديقات وأصدقاء، دون أن يتعامل معنا أحد على أننا في شقة للدعارة".

ويتابع: "في مرة ذهبنا إلى شرم الشيخ، جروب مكون من 3 فتيات و4 شباب، جميعنا أصدقاء عمل ودراسة، وحجزنا غرفاً مزدوجة وواحدة مفردة، وما كان من موظفي الاستقبال في الفندق الشهير إلا نظرات وتلميحات بالمنع من الإقامة حال زيارة أي شاب لأي فتاة في الغرفة أو العكس".

"انزعجنا كثيراً، وكدنا أن ندخل في مشكلة مع إدارة الفندق، ولكن نظرا لمعرفتنا السابقة بأن الأمن نفسه محافظ وقد يأخذ صف الفندق، قررنا ألا نصعّد الأمر ونكتفي بالتأكيد على عدم وجود زيارات أو شيء من هذا القبيل".

ويكمل شرف: "لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، ولكننا كنا نلاحظ تتبع أحد الموظفين أحياناً لتحركاتنا أثناء الصعود للغرف أو التوجّه إلى حمامات السباحة، كان الأمر مزعجاً جداً، ولكن تأكدنا أن هناك أزمات حقيقية تواجه المصريين الباحثين عن الانبساط في بلدهم، لمجرد أنهم جروبات مختلطة".

"الأمر كله يتوقف على نظرة من الشرطي للسائح، إذا شك فيك أو اختارك دوناً عن المسافرين، سيطلب منك الكشف عن تفاصيل رحلتك، وإذا لم يقتنع، سوف يصدر قراره بعودتك للقاهرة" مصدر بشركة سياحة في القاهرة

"السفر إلى شرم رحلة عذاب"

قررت إيمان عمران (25 عاماً)، باحثة، ألا تعيد محاولتها للسفر سياحة داخل بلدها مصر، وذلك منذ عام، بعد "رحلة عذاب"، بحسب وصفها، مرت بها خلال السفر إلى إحدى منتجعات جنوب سيناء.

تحكي الفتاة: "كنا 4 فتيات تحرّكنا إلى جنوب سيناء بسيارة خاصة، لم يمر كمين إلا وتم توقيفنا والتحقق من بطاقاتنا الشخصية، ولأن بعضنا عنوانه في البطاقة من الأقاليم، كنا نواجه أسئلةً وتلميحات سخيفة".

"من بين هذه التلميحات، كانت حول أسباب السفر بمفردنا بدون رجل، وهل إحنا متعودين على كده؟ وهل تعرفون القانون المجرم لتهمة الدعارة وهكذا"، هنا عرفنا أنه يقصد أننا في طريقنا إلى ممارسة الرذيلة مع الأجانب، وبعد كلام وحديث طويل، سمح لنا بالذهاب إلى هناك، ولكنها كانت المرة الأخيرة التي نفكر فيها في الذهاب إلى هناك".

أما شذى أبو خالد  (اسم مستعار) فلسطينية الأصل ألمانية الجنسية (33 عاماً) لم تكن تتصور أنها ستستغرق يوماً كاملاً البحث عن غرفة للإقامة في أكثر من فندق، في أحد منتجعات البحر الأحمر، لمجرّد أنها بصحبة صديقها المصري.

تروي الفتاة لـرصيف 22: كنت في إحدى الزيارات إلى مدينة ساحلية بالبحر الأحمر، وكنا نجهز لإجراءات الخطوبة، فقررنا التوجه إلى أي مدينة ساحلية للاستجمام قليلاً، وكانت المفاجأة، رفض الفندق منحنا الغرف التي قمنا بحجزها مسبقاً.


"سلطة تقديرية لأمن الكمائن"

علق مصدر يعمل في شركة سياحية تتخذ من منطقة وسط القاهرة مقراً لها: "لا نستطيع القول إن التضييق على البعض يمثل ظاهرة، ولكنه يحدث، وهذا ما نسميه: السلطة التقديرية لقوات أمن الكمائن".

وأضاف المصدر (رفض ذكر هويته لأسباب متعلقة بطبيعة عمله): "الأمر كله يتوقف على نظرة من الشرطي للسائح، إذا شك فيك أو اختارك دوناً عن المسافرين، سيطالب منك الكشف عن تفاصيل رحلتك، وإذا لم يقتنع، سوف يصدر قراره بعودتك للقاهرة".

وتابع المصدر: "عندما تكرّر الأمر أكثر من مرة في رحلات الشركة، بدأنا في وضع طلبات مقابل الحجز لدينا، خاصة وإن كانت الرحلة في منتجعات جنوب سيناء صاحبة العديد من نقاط التفتيش، من بين هذه الطلبات أن يكون هناك صلة قرابة إذا كان الجروب به فتيات وشباب، أو نسخة من عقد الزواج".

المصدر أكد حدوث الأمر أحياناً مع رحلات تنظمها شركته، التي تتخذ من منطقة شبرا بالعاصمة القاهرة مقراً لها، حيث قال: يحدث أحياناً أن ترفض السلطات مرور سائح أو سائحة.

وأضاف المصدر: ننسّق مع الأمن في أغلب الأحيان، خاصة وأن هناك قراراً بعدم السماح بمرور أي سائح إلا بعد الكشف عن حجز الفندق للشرطة على الطريق، بالطبع هذا القرار لا يطبق في أحيان كثيرة، ولكن مع أتوبيسات الرحلات الكبيرة، يشدّدون على الأمر وإجراءات التفتيش.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard