للمرأة السودانية حقّ… لماذا تُهاجَم النسوية؟

الثلاثاء 30 يوليو 201907:11 م

بدا لافتاً تصدّر المرأة السودانية في الاحتجاجات التي أسقطت الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وفي طليعة هؤلاء الناشطات، آلاء صلاح، التي غنّت الثورة، مؤكدةً أن صوت المرأة لا يمكن أن يكون سوى ثورة مجنونة غاضبة لا تنطفئ نارها حتى تتحقق أهدافها.

ولكن كيف تفاعل البعض "افتراضياً" مع تصاعد الأصوات النسائية في السودان الذي يشهد في الوقت الحالي ولادة نسويات لم يكنّ على الساحة من قبل؟

اعتبر شاب سوداني يُدعى ياسين أحمد أن هناك "سوء فهم" لمعنى النسوية، أو كما يطلق عليها "الأنثوية"، مؤكداً أن أحد أهم مضامين هذه "النظرية"، هو "الخصوصية والتحرر من السلطة الأبوية والدينية والمساواة بين الرجل والمرأة والمطالبة بحقوق المرأة بكل حرية، بما في ذلك الإجهاض والمعاشرة أو الزواج من الجنس نفسه"، مشيراً إلى أن النسوية هي بمعنى أدق "انحلال أخلاقي وجنسي".

اللافت كان استياء بعض النساء من "الخطاب النسوي"، ومنهن الإعلامية السودانية رفيدة ياسين التي قالت في تغريدة أثارت جدلاً على "تويتر": "عزيزتي النسوية، دفاعك عن قضايا المرأة لا يتطلب أن تكوني 'مسترجلة' أو صوتك عالياً أو غير مهندمة أو غريبة الأطوار بل عليكِ الاعتزاز بأنوثتك التي هي سر قوتك الناعمة".


وقوبلت تغريدة ياسين بعاصفة من الانتقادات بسبب الأفكار النمطية التي تطرحها، فنبرة الصوت لا تُحدد الجنس، والمطالبة بالحقوق لا توجد لها طريقة أنثوية وأخرى ذكورية.

وردت على ياسين شابة تدعى نداء بالقول: "عزيزتي رفيدة، الدفاع عن حقوق المرأة يتضمن حقها في الملبس والمظهر والتصرف بما يتماشى مع ذاتها، من دون الرضوخ لمقاييس الأنوثة المعدة مسبقاً. علّت صوتها، لبست من قسم الرجال، تمشي خطوتين وتقفز في الثالثة، تتدحرج فوق الكنب ستبقى أنثى".

"مطلوب أنثى متحررة"

وإن تابعنا قليلاً التغريدات التي تُكتب بحق النسويات بشكل عام والسودانيات بشكل خاص، لرأينا كماً هائلاً من الأفكار النمطية المجحفة التي يُعاد نشرها عشرات المرّات.

بتغريدة تمزج السخرية والجهل، قال شاب سوداني يدعى بدوي: "مطلوب أنثى متحررة تؤمن بمساواة الرجل والمرأة للعمل (طُلبة) تنقل 95 شوال اسمنت إلى الطابق السادس"، وسرعان ما جاء الردّ من شاب سوداني يدعى خواجة: "في إقليم دارفور في السودان خاصة وفي الأقاليم، المرأة تعمل طلبة، نقل الماء، تربية المواشي وحلبها، وزراعة وعزق ونظافة أرض بالإضافة لتربية الأطفال والمنزل".

وتابع خواجة يقول: "حقوق المرأة ليست في العاصمة فقط... المرأة تعاني كما يعاني عموم الشعب من استغلال وقمع موجه من النظام إلى المجتمع ثم إليها خاصة"، مؤكداً أن المساواة ليست فيزيائية بحتة، ولا تحدياً جسدياً، بل هي في الحقوق والواجبات.

من جهتها، شرحت الفنانة التشكيلية السودانية آلاء ساتر، التي انتشرت رسومها النسوية على الجدران بشكل واسع مُنذ انطلاق الثورة السودانية، أن مشاركة المرأة السودانية محدودة جداً، لا تتعدى التظاهرات والوقفات الاحتجاجية، مشيرةً إلى أن المرأة السودانية بدأت تشعر بالمكانة التي أُجبرت على البقاء فيها.

ولفتت ساتر، في حديثها لرصيف22، إلى أن نسبة كبيرة من المجتمع السوداني، رجالاً ونساءً، تهاجم أي محاولة لإطلاق المرأة في مجالات أوسع من حدود المنزل، لأنها ترى في محاربة هذه المفاهيم، محاربة للعادات، التي تأتي قبل الدين.

وأشارت إلى أن هناك من لا يعرف مفهوم النسوية وشعارها الأشهر "يسقط النظام الأبوي"، ويعتقد أنها دعوى للمثلية الجنسي وكارهة للرجال وتريد إبادتهم.

#النسوية_المتطرفة

يقول البعض إنه "ضد الخطاب النسوي"، لا النسوية في ذاتها، معتبراً أنه "خطاب كراهية وكأن هناك تحدياً تاريخياً وحرباً بين الجنسين".

من هنا، أطلق بعض روّاد تويتر هاشتاغ "#النسوية_المتطرفة"،وفيه وردت العديد من العبارات المهاجمة للمرأة التي "خُلقت لتتبع المعايير المفروضة عليها، وإذا غرّدت خارج السرب، تكون متطرفة، مسترجلة، وخطراً على المجتمع".

"عزيزتي النسوية، دفاعك عن قضايا المرأة لا يتطلب أن تكوني 'مسترجلة' أو صوتك عالياً أو غير مهندمة أو غريبة الأطوار "... تغريدة لإعلامية سودانية أثارت الجدل، فكيف تفاعل البعض مع ولادة نسويات لم يكنّ على الساحة في السودان من قبل؟
"انزعاج البعض من النسوية يعود إلى تهديد صورة العائلة كما نعرفها، ودور الأديان في التضييق على النساء والأقليات، ودور الدولة..."، نسويات يتحدثن لرصيف22 عن النسوية ومفهومها وسبب الهجوم عليها 

في مقال لها، قالت الكاتبة السعودية حليمة مظفر إن النسوية المتطرفة مسيسة وتشكل خطراً على كرامة المرأة، مضيفة أنها "اتخذت من حقوق المرأة بوابة تشريع سياسي لوجودها المزيف، ركزت فيه على ما ترتديه من ملابس قصرت أو طالت في حين عرّت عقلها وسطّحت ثقافتها"، مشبّهة إياها بـ"النسوية الداعشية".

أما الكاتبة والعضو في مجلس الشورى السعودي كوثر الأربش فقدّمت نكتة لوصف النسويات قائلةً: "يقال إن أحمقاً يحاول أن يكون أنيقاً، بتناول الزيتون بشوكة، وكلما حاول غرس الشوكة هربت الزيتونة، ضجر الشخص الآخر، فقام بالتقاط الزيتونة وأطعمها للأحمق. قال الأحمق: أصلاً أنت قدرت تمسكها بسرعه لأني أنا دوختها". وأضافت الأربش: "هذا بالضبط ما تفعله النسويات".

وأكدت الأربش، في سلسلة تغريدات لها، أنه "لا بد من التفريق بين المساعي الجادة لتمكين المرأة وإثبات أهليتها الكاملة وبين النسوية"، معتبرةً أن الأولى واضحة الأهداف، تنطلق من حس مسؤول وإنساني، والثانية، أي النسوية، "هوجاء، غوغائية، عنيفة، تتقنع بالحقوق وتهدف لتحقيق أجندة سياسة خبيثة لتفتيت الوطن والمثل والأخلاق".

لماذا كل هذا؟

في حوار مع رصيف22، عرّفت النسوية الفلسطينية سارة قدورة مفهوم النسوية بـ"المنظار لتحليل طبيعة وأسباب وكيفية اضطهاد المرأة والفئات المقموعة الأخرى المتضررة من الأبوية والتمييز الجنسي"، لافتةً إلى أنها وسيلة لمقاومة تلك الأنظمة.

وقالت إن "انزعاج" البعض من النسوية يعود إلى "تهديد صورة العائلة كما نعرفها، ودور الأديان في التضييق على النساء والأقليات، ودور الدولة في استغلال قضايانا واستخدام أجسادنا كمعارك حرب".

أما الذين يعارضون "الخطاب النسوي"، فتقول إنهم يريدون نسوية مُعدّلة تراعي مشاعرهم ولا تمس مقدساتهم، "ليخبرونا كلما تنفسنا أنهم نسويون لكننا 'زودناها'"، على حد تعبيرها.

ولفتت إلى أن النساء المعاديات للحركة النسوية، يعاودن إنتاج الأنظمة القاهرة كالذكورية والعنصرية والتمييز عبر تمريرها للأجيال المقبلة، ولذلك تقول: "مهمتنا كنسويات ألّا نقصي اللانسويات فوراً، بل أن نعمل على زيادة وعيهن النسوي". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard