وطن ومدير أمن ودرع واقٍ... الصديق في بلاد القمع والحبس

الثلاثاء 30 يوليو 201907:47 م

يقولون "الأصدقاء وطن، إن غابوا شعرنا بالغربة"، فكيف الحال الآن ونحن نعيش في مجتمعاتنا العربية؛ في ظل أنظمةٍ رجعيةٍ وقامعة، ونواجه تحديات وأزمات عديدة.

الصداقات الجيدة في هذا الزمن، حسبما يرى السالك زيد (29 عاماً)، وهو كاتب من موريتانيا، تكون نادرة في الغالب، بالنسبة له من الصعب أن تجد صديقاً حقيقياً، خاصةً في مجال الإعلام، ملفتاً إلى أنَّ الأنانية والحقد يسيطران في كثير من الأحيان على هذا المجال.

يحكي زيد لرصيف22: "أخذت الكثير من الوقت لكي أكوّن صداقات، فقد قضيتُ سنوات دون أصدقاء بعدما فرّقتني الظروف مع أصدقاء الدراسة والطفولة"، لكن الآن أصبح لدى الصحافي الاستقصائي الشاب أصدقاء يمكن أن يصفهم بـ"الإخوة"، يقول: "اخترتهم بعنايةٍ جداً، وأثبتوا لي أنهم فعلاً أصدقاء رائعون".

استطاع زيد أيضاً أن يكوّن صداقاتٍ من دولٍ عربية وأجنبية، خاصة من الصحفيين، وأصبح يلتقيهم في بعض الملتقيات وتجمعهم بعض الأعمال الصحفية.

وعن الأثر النفسي لتجربة الصداقة يقول:"الأصدقاء جعلوني أعرف أنه من المستحيل أن يعيش الشخص دون أصدقاء حتى وإن كان ناجحاً في مجاله وليست لديه مشاكل".

منذ العام 2011، يحتفل العالم في الثلاثين من يوليو/ تموز من كل عام باليوم الدولي للصداقة، بسبب التحديات والأزمات التي تعمل على تقويض السلام والأمن والتنمية والوئام الاجتماعي في شعوب العالم وفيما بينها،  حيث رأت أنَّ الصداقة أحد أبسط صور تعزيز روح التضامن الإنساني المشتركة والدفاع عنها، التي تُمكّن من المعالجة الأسباب الجذرية للأزمات والتحديات التي يواجهها عالمنا مثل الفقر والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان.

ضحك أكثر، خوف أقلّ

يرى حمزة الترباوي، صانع محتوى من المغرب (28 عاماً) أننا نعيش في مجتمعٍ يقمع ويضغط الفرد كلما حاول أن يكون على طبيعته، وجاهز لإصدار أحكام ضده، ولكنه ليس جاهزاً دائماً لمساعدته، وهنا يأتي دور الأصدقاء.

يملك "الترباوي" مجموعة أصدقاء تعب كثيراً في اختيارهم، ويقول لرصيف22: "كنت أودهم قريبين لي في القيم لكن مختلفين في الأفكار، قيمي مثلاً أن السعادة قرار وأن يكون للإنسان خطة حياة وأن يحب التطوع والتواصل مع الناس، بينما اختلاف الأفكار يصنع جواً مشاكساً وقت المزاح ومخزوناً من الأفكار المختلفة بغنىً وقت الجد".

وفق صانع المحتوى المغربي، يشكل أصدقاؤه "درعاً ضد المجتمع"، لأن المجتمع في رأيه لا يساعد دائماً لذا هم السند والدعم وقت الشدة، يقول: "مشاكلهم هي مشاكلي والعكس صحيح.. يمكنني أن أضعهم في ظهري ولا أخاف من أي هجوم أو غدر".

يكون "الترباوي" على طبيعته أكثر مع أصدقائه ويبوح لهم بأسراره ومشاعره، حيث يجد معهم "مساحة أكثر أماناً" ويشعر بخوف أقل من المجتمع وانتقاداته وأحكامه الجاهزة.


عبر الإنترنت خلق الترباوي صداقاتٍ مختلفة في غالبية الدول العربية. يقول: "بعضهم قابلته في تعليق على بوست صديقي وآخرون أحببتهم عندما نشروا منشوراً ألهمني"، واليوم يتبادل معهم المعلومات والأفكار والآراء على مدار الساعة، ويؤكد أنه لن يسمح لأول فرصة بأن تمر من دون أن يلتقي بهم في بلدانهم أو يستضيفهم في المغرب، "صحيح إن المسافات أبعدتنا لكن الأفكار قربتنا بفضل الانترنت".

"نعيش في مجتمعٍ يقمع ويضغط الفرد كلما حاول أن يكون على طبيعته، وجاهز لإصدار أحكام ضده لكنه ليس جاهزاً دائماً لمساعدته، وهنا يأتي دور الأصدقاء"

الكثير من أفكار الترباوي تغيرت حول بعض القضايا العربية بسبب أصدقائه من خارج المغرب، لكن الأمر يصبح "أهم وأشد وطأة"، حسبما يقول، عندما يكون صديقك من بلد الأزمة "تتوتر وتتواصل معه وترفع له الدعاء ويهتز قلبك، ثم تحتفل معه وقت نصر في بلده كأنه نصر بلدي".

كان والدا الترباوي يرفضان خلال مرحلة الطفولة والمراهقة فكرة الصداقات، حيث يقول لرصيف22، إنهما كانا يعتبران أن "الصداقة غير موجودة ولا توجد إلا المصالح"، وعزز ذلك حالة التنمّر التي تعرضت لها بكثافة في المدرسة ما جعلني لا أكون صداقات حقيقية.

مع زيادة عمره، وجد صانع المحتوى المغربي، أنه بحاجة إلى الاصدقاء "كأي إنسان عادي"، وصات يختار أصدقاءه بعناية، ويقول "اليوم لدي أصدقاء بما تحمله الكلمة من معنى"، ويُضيف ضاحكاً: "النكتة أن أمي أيضاً صارت لها صديقة عزيزة وهي نفسها تخلت عن الفكرة".

تشبه الأحلام والثورات

قيمة الصداقة في وجهة نظر الشاعر المصري الشاب عبد الرحمن مقلد (33 عاماً)، هي القيمة الإنسانية الأسمى، لذا يعتبر حياته مجموعة من الصداقات ولا بد أن تقوم كل علاقاته على الصداقة، حتى مع زوجته وأبنائه.

ويرى مقلد في تصريحات لرصيف22، أن علاقة الندية في الصداقة هي الأقوم، والأهم، والقائمة على الصدق والقدرة على المواجهة والنصح. أما عن دوائر الصداقة فيقول: "هي كبيرة كبر الأحلام والثورات والأحداث التي نعيشها في عالمنا العربي وفي بلدنا مصر".

وبحكم جمعه بين كونه شاعراً وعمله في مجال الصحافة، لدى "مقلد" دوائر كبيرة من الأصدقاء تتقاطع بشكلٍ كبير وتتكامل، لذا يجد نفسه محاطاً بصداقات كثيرة وهو ما يحسده عليه كثيرون، حسبما يذكر، واختتم حديثه قائلا: "أعتبر محبة الأصدقاء نعمة من الله لا بد أن يشكر الله عليها".

"هي كبيرة كبر الأحلام والثورات والأحداث التي نعيشها في عالمنا العربي"

"الصديق الصدوق قد يكون أقرب لك من الأخ"، بحسب الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، الذي يقول لرصيف 22، إن الصديق هو الذي يساعده على تجاوز ضغوطات الحياة، ويكون السند في وقت الشدة، مشيرا إلى أن الصديق "طبيب نفسي، ومدير أمن، ووزير إسكان، ووزير مالية" لصديقه.

ووفق "فرويز" قد يكون الصديق أعظم من الأخ، موضحاً أن الأخ ليس من اختيار الفرد، لكن الصديق من اختيار الإنسان، لذا إذا كان صديقاً وفياً لصديقه وهناك تقارب روحي وفكري بين الاثنين، مع وجود تباين في شخصيتهما ربما يكون أفضل من الأخ، مشدداً على أن التباين مهم جداً لاستمرار الصداقة.

وشدد استشاري الطب النفسي على أهمية الصديق في مجتمعاتنا العربية التي يعاني بعضها من أنظمة رجعية وقامعة، قائلاً إن "الظروف الصعبة تُبين الصديق الوفي"، فالفرد عندما يتعرض لضغوط وأزمات يبحث في قائمة أصدقائه عمن يقف بجانبه، وهنا يظهر المعدن الحقيقي للصديق.

"الصداقة شيء مهم جداً للإنسان لأنه لا يستطيع أن يعيش بمفرده، ولهذا تكون العقوبة القاسية في السجون هي "الحبس الانفرادي"

أما الدكتورة سامية خضر صالح، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس،  فتقول لرصيف22، إن الصداقة شيء مهم جداً للإنسان لأنه لا يستطيع أن يعيش بمفرده، ولهذا تكون العقوبة القاسية في السجون هي "الحبس الانفرادي".

ويُقال في علم الاجتماع إن "الإنسان حيوان اجتماعي" ما يعني بحسب صالح، أن الجانب الاجتماعي مهم.

وشددت أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، على أهمية "انتقاء الصديق" فالأصدقاء قد يكوّنون جانباً هاماً وعظيماً من بناء الفرد، وقد يكونون سبباً في فشل الفرد في الحياة؛ ولهذا أكدت ضرورة أن يساعد الآباء أبنائهم في مرحلة الطفولة على اختيار الصديق بشكل سليم، حتى يستطيع الابن في المستقبل اختيار أصدقائه بشكل سليم.

وأكدت صالح أهمية أن تُولي الأسر اهتماماً بمسألة اختيار الأبناء في مرحلة الطفولة لأصدقائهم، وعدم التقليل من قيمة الصداقة، لأن اختيارات الطفولة تعكس طريقة الاختيار في المستقبل، والتي ستؤثر على حياتهم، مشيرة إلى أن "أصدقاء السوء" قد يأخذون الفرد إلى طرقٍ سيئة مثل تعاطي المخدرات، ولهذا نقول دائماً: "اختر الرفيق قبل الطريق".

وكشفت دراسة أمريكية بعض أسرار التواصل النفسي بين الأصدقاء، حيث يتواصل الذين تربطهم صداقة "لاسلكياً" غالباً عبر موجات متشابهة الطول.

بحسب الدراسة التي أجرى خلالها الباحثون مسحاً لوظائف المخ لدى 42 شخصاً من الرجال باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، أثناء مشاهدتهم 14 فيديو قصيراً، تراوحت موضوعات المقاطع من نظرة فلكية على الأرض، مروراً بتأثير صناعة المواد الغذائية والكرة، ووصولاً إلى إيواء حيوانات صغيرة يتيمة، ومقاطع عن مواقف حرجة لأشخاص.

وأثبتت الدراسة الأمريكية أن ردود فعل أنماط الدماغ لدى الأصدقاء عند مشاهدة بعض الأفلام كانت متشابهة بشكل خاص في مناطق المخ المهمة بالنسبة للتحفيز والتعلم ومعالجة المشاعر وتخزين الذكريات. وكانت أنماط الدماغ التي تعكس نشاطاً واضحة جداً، لدرجة أنها يمكن أن تستخدم للتنبؤ بمدى قرب الأشخاص من بعضهم البعض، عند وضع مؤشر للسلوك الاجتماعي. وفي المقابل لم تظهر هذه الأنماط ترابطاً بين الأشخاص عندما قل التشابه بينهم في المواقف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard