بعد اعتداء يسرا على صحافية... يتوجب على الصحافي قتل فضوله أحياناً

الاثنين 29 يوليو 201907:34 م

نعم، الصحافي محقق، ولولا الحس "البوليسي" والفضولية التي تزيد على حدّها، لما أصبح صحافياً على الأغلب، ولكن متى نُخدّر هذا الفضول؟ ومتى نطلق الرصاص على الصحافي الذي بداخلنا في بعض المواقف التي تتطلب الصمت أو المواساة، لا سؤالاً يثير العواطف ويضرب على الوتر الحساس؟

قد يتفهم الجميع حب الصحافي إثارة الانتباه، والنبش في قصص لم يسمع أحد فيها دفاعاً عن قضية ما، ولكن لن يفهم أحد سر تلذذ البعض في طرح أكثر الأسئلة حساسية، طمعاً ببعض الدموع التي يعشقها المخرجون كذلك. فسرعان ما يطلبون من أحد المصورين أن يُدني عدسة الكاميرا إلى وجه الضيف (Close-up) من أجل توثيق الانحناء والاستسلام للكاميرا.

أعادت الحادثة الأخيرة التي جرت مع الفنانتين يسرا وإلهام شاهين الحديث عن الأخطاء التي يرتكبها الصحافيون في حق مهنتهم، معتقدين أن مسمى "صحافي" يسمح لهم باختراق اللحظات الخاصة، بل التطفل عليها.

فقدت يسرا والدتها في 24 تموز/يوليو الجاري، مودعةً طفولتها مع هذا الفقد، إذ يبقى الطفل طفلاً حتى يخسر والدته، كما يُقال، ولكن هذا ما لم تراعِه صحافية في جريدة الدستور المصرية اسمها رضوى عبدالغني.

نقلت مواقع فنية اعتداء كل من يسرا وإلهام شاهين عليها بعد تغطيتها مراسم العزاء من دون توضيح الفعل الذي استفزهما. وتنتظر الممثلتان التحقيق معهما، بعدما تقدم المحامي أيمن محفوظ بشكوى رسمية للمجلس الأعلى للإعلام.

وكانت صحيفة الدستور قبل وفاة والدة يسرا بيوم، قد نشرت على فيسبوك تعليقاً بعنوان "الوجة الآخر"، اعتبره الكثيرون مسيئاً للفنان الراحل المعارض للسلطة فاروق الفيشاوي الذي تُوفي في 25 من الشهر الجاري، وهو ربما السبب الكامن وراء طرد هذه الصحيفة تحديداً.

وبحسب الشكوى التي قدمها المحامي، فوجئت الصحافية باقتراب يسرا منها ومعاتبتها بصوت مرتفع اعتراضاً على التغطية الصحافية، وهو ما دفع يسرا ومن ثم شاهين إلى طردها خارج قاعة العزاء بمساعدة الأمن.

يقول المحامي إن "جريمة" يسرا وشاهين تعاقب عليها المادة 96 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام المصري، بالحبس والغرامة، مضيفاً أنه "طبقاً للدستور من المواد 68 حتى 72، تُوفَّر الحماية القانونية للصحافي، وأن الصحافة لها ضمانات ولا بد من تفعيلها".

ولكن ماذا عن استغلال الصحافية لموقف إنساني حساس من أجل اقتناص خبر خاصة أنه خبر "لن يؤثر" في مجريات الحياة؟ فكل ما تريده يسرا في محنتها قليل من السلام لتتقبّل فكرة الفقدان، وتتعايش مع الخسارة.

يسرا وإلهام شاهين تعتديان على صحافية... متى سيميّز الصحافي بين الـScoop وانتهاك الخصوصية؟
 لماذا تتلذذ شخصيات إعلامية، مثل وفاء الكيلاني وبسمة وهبة، بإبكاء ضيوفهم على الهواء؟

"شاهد…"

إن تطرقنا لبعض البرامج التلفزيونية، فقد نرى الكثير من المواقف المشابهة التي تستغل فيها بعض الشخصيات الإعلامية ضعف ضيوفهم على الهواء في موضوع ما (يكونون على دراية مسبقة به)، سعياً لأن تتسارع الصحف بعد بث الحلقة وتكتب خبراً بعنوان: "شاهد… بكاء الفنان الفلاني على الهواء"، وهو بالطبع من الأخبار التي تثير فضولنا. فما الذي يبكيهم أمام عدسات الكاميرا؟

قد يكون أقسى ما شوهد في السنوات القليلة الماضية، بكاء الفنان المصري هاني شاكر في برنامج نورت مع الإعلامية المصرية وفاء الكيلاني، التي تتقصد إبكاء ضيوفها.

فقد شاكر ابنته دينا (27 عاماً) عام 2011، بعد صراع قصير مع السرطان، تاركةً له توأميها مجدي ومليكة. وبعد عام، استضافته الكيلاني ومجموعة من الفنانين عارضةً أغنية أهداها شاكر لروح ابنته الراحلة، فما كان منه سوى أن يمزج صمته مع دموعه ثم يسألها: "ليه كده يا وفاء؟".

ولم تُبكِ الكيلاني شاكر وحده، فضربت على الوتر الحساس حينما سألت الفنان المصري سعد الصغيّر في عام 2018: "مين اللي تروح تزوره وأنت لابس طاقية الإخفاء؟ حدا حاسس تجاهه بحنين؟ نفسك تشوفه؟ حدا بتحبه؟". أجاب أنه يتمنى رؤية والدته التي رحلت في عام 2017، وإن في منامه، قبل أن يدخل في نوبة بكاء.

كذلك سألت الكيلاني الفنانة الكويتية مرام البلوشي عن سر حبها لأغنية "يا جميل" للفنان الراحل فريد الأطرش، فأجابت مرام أنها تذكرها بوالدها الراحل. وهنا قررت الكيلاني أن تطلب منها غناءها، متجاهلةً أن المُوجع في الرحيل هو الذكريات.

ولكن البلوشي رفضت الغناء، قائلةً: "حرام عليكي، جئتي على الجرح، أتريدين أن تبكيني؟"، وبرغم هذا، بكت البلوشي.

لا تطرح الكيلاني عادةً أسئلة عشوائية. فحينما تسأل عن سر حب البلوشي بالأغنية، لديها بالطبع إجابة مسبقة، وحينما تسأل الصغير عن الشخص الذي يفتقده، فهي تعرف "أكبر" خسارة لديه.

لماذا تذهبين إلى طبيب نفسي؟

عينة أخرى من الأسئلة الخاصة التي يسمح البعض لنفسه بأن يسألها، هي: لماذا تذهبين إلى طبيب نفسي؟

هذا السؤال وجّهته الإعلامية المصرية بسمة وهبة إلى الفنانة إلهام شاهين في أيار/مايو الماضي، فأجابت شاهين أنها لم تعد تذهب، ولكن السبب يعود إلى رفضها وعدم اقتناعها بوفاة والدتها التي رحلت في عام 2008.

وقالت شاهين إنها ارتدت ملابس سوداء عشر سنين حزناً على فراق والدتها، وتابعت: "شعرت ولا أزال أشعر بضياع ولا يمكنني الاستسلام للأمر الواقع"، معربة عن عدم رغبتها في الحديث عن "ضعفها" على الهواء.

وكعادة وهبة، اعتذرت، ولكن هذه الحادثة تكررت مع الفنانة المصرية صابرين، إذ عرضت قبالتها وهبة صوراً لوالدها الراحل قائلةً لها: "حبيبك وروح قلبك وكان كل حياتك وبدأ معاكي المشوار ووقف جنبك". أجابت صابرين بعدما نجحت وهبة في إثارة عواطفها: "لم أعد أشعر بالنجاح بعد موت بابا".

وأضافت صابرين: "حافظني لدرجة أنه كان يقول لي من أول حلقة كم نسبة نجاحي في العمل"، وبعدما روت تعلّقها الشديد به وافتقادها له، اضطرت وهبة أن تعتذر وتنهي الحلقة.

إجابة غير مؤثرة؟

في عام 2015، سُئلت الفنانة جيهان عبد العظيم، عن أكثر ما تفتقده في سوريا، فأجابت: "أشتاق للهواء السوري، وأهلي واللمة الحلوة والأمان والأسواق القديمة التي تم حرقها، والقلعة، وكل حجر من بلادي".

ولكن الإجابة لم تكن كافية، والضيفة لم تتأثر. فوُجّه إليها سؤال أكثر دقة: "ما أكثر ما تحنين له؟ تحديداً في حلب؟"، لتردّ وهي تدمع: "قبر والدتي الذي لم أزره منذ قصفه قبل 5 سنوات"، فعمّ الصمت و"تم احترامها بسبب رهافة مشاعرها ورقّتها".

الفلوس أهم من بنتك؟

سمحت بسمة وهبة لنفسها في برنامجها "شيخ الحارة" أن تتدخل في خصوصية الفنانة المصرية آيتن عامر، موجهة إليها سؤالاً من خلال "شيخ الحارة": "الفلوس أهم من بنتك؟".

فرَوت عامر الموقف لتُوضح تفاصيله، قائلة إنها أثناء تصوير أحد أفلامها، اتصلت بها والدتها وأخبرتها بارتفاع درجة حرارة ابنتها، ولكنها لم تتمكن من مغادرة موقع التصوير (بسبب الخسارة التي قد يُسببها تأجيل التصوير)، وكذلك كان حال زوجها مدير التصوير محمد عز الذي لم يستطع مغادرة موقع تصوير مسلسل كان يعمل فيه، ولكن صديقتها أنقذت الموقف وأسعفتها.

وبكت آيتن على الهواء قائلةً: "عملنا لا يعرف الرحمة، قد يموت أحد، ونعجز عن إيقاف التصوير".

ولكن السؤال الذي يجب طرحه حقاً: هل هذا النوع من العمل الصحافي هو الذي يعرف الرحمة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard