باحثة تونسية: الصحابة أشخاص عاديون تصرفوا بطريقة انتهازية

الاثنين 29 يوليو 201905:47 م

مجدداً، تثير الأكاديمية والباحثة التونسية هالة وردي ضجةً عقب تصريح لها بشأن التاريخ المبكر للإسلام وحياة النبي وصحابته. هذه المرة قالت إن الصحابة كانوا "انتهازيين" إذ منعوا النبي محمد من كتابة وصيته، وتركوا جثمانه يوماً أو يومين من دون دفن، منشغلين بـ"النقاش السياسي".

هالة وردي هي باحثة في المركز الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية، وأستاذة الحضارة في جامعة منوبة التونسية، ولها مؤلفان مثيران للجدل باللغة الفرنسية، الأول "الأيام الأخيرة في حياة محمد"، المنشور قبل 3 سنوات والثاني "الخلفاء الملعونون"، المنشور مطلع العام الجاري.

"الخلافة الإسلامية الأولى لم تكن مثالية"

وخلال ندوة ضمن الدورة الـ15 للمهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية بطنجة (ثويزا) في 27 من الشهر الجاري، قالت وردي إن "تيارات رجعية" هي التي تقدم فترةَ الخلافة الأولى على أنها فترة مثالية، مشددةً على أن "الصحابة كانوا أشخاصاً عاديين لهم طموحات سياسية، ومخاوف دفعتهم إلى التصرف حتى بطريقة انتهازية وميكافيلية، بحسب مراجع تاريخ الإسلام المبكر".

وأشارت وردي إلى تعامل الصحابة مع الرسول خلال فترة مرضه الأخير وعند وفاته، قائلةً إنهم "منعوه من كتابة وصيته"، لافتةً إلى أن هذا الخبر "ذكر بتفاصيل عدة في كتب السنة والصحة، وبعض التفاسير القرآنية، وسيرة ابن هشام".

وأضافت: "بل تُرك جثمانه (الرسول) يوماً أو اثنين من دون دفن، لأن الصحابة كانوا مشغولين بالنقاش السياسي".

واعتبرت الباحثة أن "هذه الفترة الحرجة من تاريخ الإسلام شهدت تزييفاً، واختلاق أسطورة مفبركة حولها، علماً أنه لم يكن هناك إجماع على انتخاب أبي بكر الصديق خليفة للرسول".

ثم أكدت "دليل ذلك ما واجهه من معارضة حتى في سقيفة بني ساعدة التي عرفت شتماً وضرباً وفوضى عارمة، ومواجهته المفتوحة مع عائلة الرسول، وابنة الرسول فاطمة التي لعنته وقالت له: لأدعون عليك في كل صلاة أصليها، بعد حرمانها من ميراثها وخلافته أباها".

وفي كتابها "الأيام الأخيرة لمحمد"، كانت وردي قد ذكرت أن "أبو بكر الصديق حرم أسرة الرسول من ميراثه المادي استناداً إلى حديث ‘نحن الأنبياء لا نورث كل ما تركناه صدقة"، مؤكدةً أن فاطمة بنت الرسول عارضته بشدة وغضبت غضباً شديداً ولعنت أبا بكر في "الخطبة الفدكية". وبرغم أن الخطبة ترد في النصوص الشيعية، قالت وردي إنها تثبتت من وجودها في نصوص سنية، مشيرةً إلى أن فاطمة أوصت زوجها علي بن أبي طالب ألا يحضر أبو بكر أو عمر جنازتها.

وكشفت وردي عن صدمتها حينما اطلعت على كتب التراث الإسلامي، لافتةً إلى أن "أبا بكر عاش أزمة وجودية وحالة من الإحباط إلى درجة تقديمه استقالته، لكن الصحابة تشبثوا به، وهو ما أورده الطبري في باب كامل خصصه لاستقالة أبي بكر".

حروب الردة "سياسية بامتياز"

وانتقدت الباحثة ما قالت إنه "تجميل مفرط ومبالغ فيه يصل إلى حد التزييف لفترة حكم الصحابة"، مستشهدةً بتأسيس الخلافة الأولى التي ارتبطت بحروب الردّة.

وقالت عنها "كانت حروباً ظاهرها ديني هو تطبيق الحد على من ترك الإسلام بعد وفاة الرسول، بينما لم ترتد في الواقع الكثير من القبائل، بل رفضت دفع الزكاة للخليفة لاعتراضها على شرعيته بدافع العصبية القبلية".

وأردفت: "كانت الردة غطاءً دينياً لحروب سياسية بامتياز، فرضَ بها الخليفة نفسه سلطاناً على الجزيرة العربية"، وأضافت: "هنالك اليوم التوظيف نفسه للدين باللجوء إلى الإرهاب وقول: الإسلام في خطر".

واعتبرت وردي أن "أسطَرَة الخلافة الراشدة مبنية على أسطَرَة للتاريخ"، وأن ذلك ما جعلها "نوعاً من المؤسسات المقدسة ذات الطابع المطلق التي لا يمكن لأحد التشكيك في شرعيتها"، واستشهدت بقتل ثلاثة خلفاء من أصل أربعة "قتلة شنيعة".

باحثة تونسية تدعي أن الصحابة "تصرفوا بطريقة انتهازية"، منعوا النبي من كتابة وصيته وتأخروا في دفنه لانشغالهم بالنقاش السياسي، معتمدة في ذلك على "كتب السنة والصحة" 
"الردة كانت غطاءً دينياً لحروب سياسية بامتياز"... باحثة تونسية تثير الجدل بعدما ربطت اعتراض الناس على الخلافة الأولى وامتناعهم عن دفع الزكاة بتهمة الردة التي قتلوا بسببها

دعوة إلى التنوير وإعادة قراءة التراث

وحثت الأكاديمية التونسية على "التنوير" التي ترى أنه لا يتحقق إلا بعد تحرير العقول، شارحةً أنه "تحرر ضروري من سطوة الأسطورة التي تقدم الماضي كعالم مثالي وجنة طردنا منها"، عن طريق "القطيعة المعرفية بين الواقع التاريخي النسبي والتصور الأسطوري للماضي الذي يجعله عبئاً وسجناً حكم علينا باجتراره باستمرار، كمن كذب كذبة وصدقها".

وبينت الوردي أنها تعتقد بأن "الفكر النقدي الحر خطر على من يريد إمساك الحكم بقبضة حديدية، عبر الهيمنة المطلقة على العقول"، وأن ما سطرته في مؤلفيها موجود في كتب التراث الإسلامي، مشيرةً إلى أنها لم تفعل سوى إلقاء حجر صغير في بعض المياه الراكدة بفعل "هيمنة ثقافة النقل على ثقافة العقل".

وشدّدت في نهاية حديثها على أن "إعادة قراءة نصوص التراث الإسلامي هي المخرج"، مبينةً أنه "ينبغي أن تتم هذه القراءة بالمجهر لا بالنظارة الوردية، دون قطيعة مع هذه النصوص لأنها المخرج من الأزمة التاريخية التي نتخبط فيها، ومن دون تقديس أو تحنيط لها، بل بالتعامل معها ككيان حي وإفراز لسياق حي".

اتهامات مردود عليها

اتهام  وردي للصحابة ليس جديداً، ففي كتابها "الأيام الأخيرة لمحمد" قالت إن ثمة "تساؤلات وشبهات جنائية" حول وفاة الرسول الذي ظل مريضاً قرابة أسبوعين من دون أن يحضر له الصحابة طبيباً. وتحدثت عن تجرؤ الصحابة على الرسول وزرع خلافات داخل أسرته.



تعرضت وردي لهجوم وانتقاد واسعين، وتشكيك في غرضها من مؤلفها الأول. لكنها ردت آنذاك قائلةً إن "البعد المأسوي في حياة الرسول يعطيه نوعاً من العظمة"، معتبرةً أن "نهاية الرسول كانت كسائر عظماء التاريخ إذ جاءت بعد هزيمة ومحنة شخصية (فقدان ابنه إبراهيم) ومحاولات اغتيال وشَك في أقرب الناس إليه".

وكانت وردي قد أكدت، في مقابلة سابقة، أنها لم تكن تخطط للكتابة عن تاريخ الإسلام المبكر بل كانت تقرأ مدفوعة "بحب الإطلاع الشخصي"، حتى وجدت العديد من الملاحظات التي سعت لتدوينها باللغة الفرنسية علماً أنها موجودة في مصادر عربية.

وأشارت إلى أنها "حاولت التوفيق بين نصوص شيعية وأخرى سنية تتعلق بتاريخ الإسلام"، واصفةً ما كتبته بأنه "نوع من المقاومة الفكرية التي تجعلنا نتعامل معها كفترة تاريخية ولت ولن تعود وليست كفترة مثالية".

وتفضل وردي أن تطلق على آخر مؤلفاتها "الخلفاء ولعنة فاطمة: النزاع". وتعتزم إطلاق بضع نسخ منه.

 وإثر صدور الكتاب، حدث سجال وتبادل للاتهامات بينها وبين المؤرخ التونسي هشام جعيط، الذي وصف الكتاب بأنه "تحايل فظ على التاريخ"، وكال الاتهامات لوردي بـ"الفساد والتمويه والسرقة والغباوة"، وما شابه. وردت عليه بأن اتهاماته وأسلوبه "الفظ" دليلان على "عجزه المخجل عن الجدل العلمي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard