أئمة المذاهب الأربعة والخلفاء... علاقات قلقة تركت أثرها على الفقه السياسي الإسلامي

الأربعاء 7 أغسطس 201908:31 م

على الرغم من أن الإسلام لم يقر بوقوع حالة تمايز وانفصال كامل بين السلطتين الزمنية والروحية، كما حدث في الغرب الكاثوليكي على صورة مشاطرة السلطة بين الإمبراطور والبابا، إلا أن التاريخ الإسلامي شهد في الكثير من فتراته نوعاً من التنافس المبطن بين سلطة الخلافة من جهة وسلطة رجال العلم والدين من جهة أخرى، إذ نُظر إلى الطرفين على أنهما معاً أولي الأمر الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم والخضوع لهم.

وأسفرت العلاقة القلقة بين أئمة المذاهب الفقهية السنّية الأربعة وبين السلطة الحاكمة عن حدوث عدد من التأثيرات الفقهية والأصولية المهمة، والتي تأثر بها المذهب السنّي بشكل عام، واستمرت على حالها من التأثير والفاعلية حتى اللحظة الراهنة.

أبو حنيفة... ساند الثورات العلوية

ولد الإمام أبو حنيفة النعمان عام 80هـ، وعاش في الكوفة حتى توفى عام 150هـ، وحظي في النصف الثاني من عمره بمقام كبير وبمكانة معتبرة في الأوساط السنّية تحديداً، إذ نُظر إليه على كونه الإمام الأعظم وصاحب الجهود المتميزة في ميدان الفقه والأحكام التشريعية.

يمكن القول إن أبا حنيفة، والذي عاصر الفترة الأخيرة من عمر الدولة الأموية، كما كان حاضراً في فترة حكم الخلفاء العباسيين الأوائل، كان أقرب في توجهاته السياسية إلى الحزب العلوي، وظهر ذلك بشكل واضح في موقفين مهمين، أولهما كان ثورة زيد بن علي بن الحسين على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 122هـ، وثانيهما كان مع ثورة محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم على الخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور عام 145هـ.

يذكر محمد بيومي مهران في كتابه "الإمامة وأهل البيت" أن أبا حنيفة قال لمّا بلغه خروج زيد وثورته: "ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر"، كما ذكر الزمخشري في "الكشاف" أن أبا حنيفة كان "يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه".

تأييد أبي حنيفة للعلويين ظل قائماً في العصر العباسي. يذكر ابن عنبة في كتابه "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب"، أن أبا حنيفة ساند ثورة النفس الزكية بالمال، ولما قتل، أرسل برسالة تأييد إلى أخيه إبراهيم بن عبد الله، قال فيها: "إني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك".

من هنا نستطيع أن نفهم سبب العداء المستحكم بين أبي حنيفة وبين السلطة، والذي تسبب في التنكيل به وتعريضه للتعذيب مرتين، الأولى عندما رفض قبول منصب قضاء الكوفة الذي عرضه عليه والي العراق ابن هبيرة، والثانية عندما رفض عرضاً مشابهاً قدمه له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور.

إجمالاً، يمكن القول إن المذهب الحنفي هو أكثر المذاهب الفقهية السنّية الأربعة المعتمدة رفضاً للتماهي مع السلطة الحاكمة والخضوع المطلق لها.

ويشير عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه "أئمة الفقه التسعة"، إلى أن ما عُرف به أبو حنيفة من جنوح للقياس والاعتماد على الرأي، كان في حقيقة الأمر شاهداً على اجتنابه للسلطة، إذ رفض الاعتماد بشكل كامل على الأحاديث النبوية، لكونه كان متأكداً من أن الكثير منها اختُلق ووُضع وزُيّف من جانب السلطة نفسها.

مالك... من طلاق المُكره إلى اعتزال السياسة

على الرغم من ولادة الإمام مالك بن أنس الأصبحي عام 93هـ، ما يعني أنه عاش لما يقرب من الأربعين عاماً في كنف الدولة الأموية، إلا أن المصادر التاريخية لم تحتفظ لنا إلا بأخبار علاقته بالخلفاء العباسيين، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بأنه لم يصل في العهد الأموي إلى الدرجة الكافية من الشهرة والتأثير التي وصلها في العصر العباسي.

مالك كان مثله مثل أبي حنيفة، صاحب هوى علوي، وإنْ لم يصل إلى الدرجة التي وصل إليها الفقيه الكوفي العراقي.

الميول السياسية لمالك تبدت مع اندلاع ثورة النفس الزكية في المدينة المنورة، إذ أفتى بسقوط بيعة أهل المدينة للعباسيين، فحررهم بذلك من قيد الطاعة العباسية، ومهد الطريق أمامهم للانضمام إلى صفوف العلويين الثائرة.

صفحة من موطأ مالك

فتوى خلع الطاعة العباسية تماهت مع فتوى أخرى شهيرة للفقيه المدني، وهي تلك التي أفتى فيها بعدم وقوع طلاق المُكره، أي عدم وقوع طلاق الرجل المكره على طلاق زوجه تحت تهديد جهة خارجية، إذ ربط الناس بين الأمرين، واعتبروا أن بيعة المنصور إنما وقعت تحت التهديد ومن ثم فهي غير شرعية ولا تسري أحكامها.

بعد فشل ثورة النفس الزكية، عرف المنصور ما في فتوى طلاق المكره من خطر مباشر على سلطته، فبعث إلى الإمام مالك وأمره بترك تلك الفتوى، ثم دس له في مجلسه مَن يسأله عنها، فلما قال مالك بالفتوى مرة أخرى، استدعاه المنصور وضربه وجلده حتى انخلعت كتفه من شدة الضرب، بحسب ما يذكر الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك".

يمكن القول إن تلك الحادثة كانت الحدث المفصلي الذي غيّر في علاقة مالك بالسلطة، إذ مال بعدها إلى الركون والخضوع للحكم العباسي، واعتزل الناس خوفاً من التعرض للشأن السياسي.

يذكر ابن سعد في "الطبقات الكبرى": "كان مالك يأتي المسجد، فيشهد الصلوات والجمعة والجنائز، ويعود المرضى، ويجلس في المسجد، فيجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس، فكان يصلي وينصرف، وترك شهود الجنائز، ثم ترك ذلك كله، والجمعة...". كما يذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أنه "لم يشهد مالك الجماعة خمساً وعشرين سنة، فقيل له: ما يمنعك؟ قال: مخافة أن أرى منكراً، فأحتاج أن أغيره".

موقف مالك لم يقتصر على الحياد فحسب، بل صار في الكثير من الأحيان ميالاً إلى السلطة منقاداً لأوامرها، ويشهد على ذلك ما ذكرته الكثير من المصادر التاريخية، ومنها الكامل لابن الأثير، والتي ذكرت أنه صنف مؤلفه الأشهر "الموطأ"، استجابة لطلب الخليفة المنصور، الذي أراد أن يجمع جميع المسلمين على كتاب حديث واحد، بحيث يجري العمل وفق أحكامه الفقهية.

الشافعي... التحوّل الكامل إلى الصف السنّي

ولد محمد بن إدريس الشافعي في غزة عام 150هـ، وتوفى في مصر عام 204هـ، وترجع أصوله إلى المطلب بن عبد مناف، ومن هنا فإنه الوحيد من بين أئمة الفقه السنّي الذي يتمتع بأصل عربي قرشي قح.

هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة الانتماء المذهبي الأول للشافعي. نقلت المصادر التاريخية أنه تلقى علومه على يد اثنين من كبار علماء المعتزلة في عصره، وهما إبراهيم بن أبي يحيى المديني، ومسلم بن خالد الزنجي، كما ذكرت بعض المصادر أنه كان يقرأ بعض الآيات القرآنية بقراءة المعتزلة، ومن ذلك ما ورد في سورة الأعراف {عذابي أصيب به من أشاء}، وكان الشافعي يقرأها من أساء، بحسب ما يذكر الفخر الرازي في كتابه "الإمام الشافعي: مناقبه وعلمه".

أسفرت العلاقة القلقة بين أئمة المذاهب الفقهية السنّية الأربعة وبين السلطة الحاكمة عن حدوث عدد من التأثيرات الفقهية والأصولية المهمة، والتي تأثر بها المذهب السنّي بشكل عام، واستمرت على حالها حتى اليوم
كان الإمام أبو حنيفة أقرب في توجهاته السياسية إلى الحزب العلوي. أيّد ثورة زيد بن علي بن الحسين على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ونُقل عنه لما بلغه خروج زيد وثورته: "ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر"

هذا الأمر دفع عدداً من الباحثين المعاصرين للقول إن الشافعي بدأ حياته معتزلياً، ومن هؤلاء الباحثة التونسية ناجية الوريمي في دراستها "الرشيد ومصادرة الاختلاف الفكري: محاكمة الشافعي وتحوّله المذهبي/ الشافعي معتزليّاً".

البداية الأولى لاتصال الشافعي بالسياسة وقعت عندما تولى بعض الأعمال الإدارية لوالي اليمن في أرض نجران، والظاهر أن الشافعي في تلك الفترة تحديداً كان على اتصال بمجموعة من العلويين الذين يدبرون للثورة على الدولة العباسية، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً في إصرار الكثير من المصادر التاريخية على إظهار تهمة التشيع التي لاحقته، وفي حرص تلك المصادر على تبرئته منها، ذاكرةً بيت الشعر الأشهر المنسوب له: "إن كان رفضاً حب آل محمدٍ... فليشهد الثقلان إني رافضي".

يذكر الفخر الرازي في كتابه أن أحد الحساد سعى إلى هارون الرشيد "فكتب إليه يخوّفه من العلويين وذكر في كتابه: إن معهم رجلاً يقال له: محمد بن إدريس الشافعي يعمل بلسانه ما لا يقدر المقاتل عليه بسيف، فإن أردت أن تبقي الحجاز عليك فاحملهم إليك، فبعث الرشيد إلى اليمن وحملوا الشافعي مع العلوية إلى العراق".

ويذكر ابن حجر العسقلاني، في "توالي التأسيس"، أن قدوم الشافعي إلى الرشيد وقع عام 184هـ، وتختلف المصادر التاريخية في ذكر أحداث اللقاء بين الفقيه والخليفة، غير أنها جميعاً تتفق على أن الشافعي استطاع الإفلات من عقاب العباسيين، وأنه أيضاً استطاع أن يتحصل على موافقة الرشيد على منحه جزءاً من سهم ذوي القربى، وهو المال المخصص للإنفاق على قرابة الرسول والهاشميين، ثم تجول بعدها في الحجاز والعراق، حتى استقر به المقام أخيراً في مصر.

يمكن القول إن الأثر الفقهي السياسي الأكبر الذي نتج عن اتصال الشافعي بالسلطة العباسية تمثل في تحول الشافعي بشكل كامل من الصف المعتزلي-العلوي إلى الصف السنّي المحض، وهو ما ظهر في ما بعد في مسألتين مهمتين في الفكر السياسي عند الشافعي.

المسألة الأولى، هي التأكيد على شرط قرشية الخليفة، إذ ذكر ذلك بشكل واضح في كتابه "الأم"، أما المسألة الثانية فهي التنظير والتقعيد لنظرية الحاكم المتغلب، والتي يكاد أهل السنّة ينفردون بها دوناً عن بقية المذاهب الإسلامية، إذ ينقل شمس الدين الشربيني في كتابه "الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع"، عن حرملة تلميذ الشافعي قول أستاذه "كل قرشي علا الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس فهو خليفة".

ابن حنبل... التأسيس التاريخي للتيار السلفي

ولد الإمام أحمد ابن حنبل الشيباني عام 164هـ، وتوفي عام 241هـ، وعاصر ستة من الخلفاء العباسيين، أولهم هارون الرشيد وآخرهم المتوكل على الله.

اتصال الفقيه البغدادي بالسلطة العباسية وقع منذ فترة مبكرة من حياته. يذكر ابن الجوزي في كتابه "مناقب الإمام أحمد بن حنبل"، أنه عمل في شبابه لفترة مع أحد أعمامه، وكان عمه هذا يعمل على نقل أخبار الناس إلى الخليفة، فلما عرف الفقيه الشاب بهذا الأمر، رفض المشاركة فيه، وأتلف ما يحمله من رسائل.

علاقة ابن حنبل الوطيدة بالسلطة العباسية بدأت مع محنته الشهيرة، والتي عُرفت باسم "محنة خلق القرآن"، وهي التي عانى فيها الفقيه المُحدث من بطش السلطة العباسية لمدة 15 عاماً. يذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية"، في أحداث 218هـ، أن الخليفة المأمون كتب إلى نائبه في بغداد، ليأمره بامتحان القضاة والمحدثين بالقول بخلق القرآن، بحيث يتم انتزاع اعتراف صريح منهم بأن القرآن هو كلام الله المخلوق.

حاولت الكثير من الدراسات أن تقدم تفسيراً موضوعياً لإصرار المأمون على المُضي قدماً في تنفيذ هذا الإجراء التعسفي، فربطته أغلبية الآراء بميوله الاعتقادية المعتزلية، بينما فسرته أبحاث أخرى، ومنها ما طرحه فهمي جدعان في كتابه "المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، بمحاولة المأمون فرض سلطته المطلقة على المؤسسة الدينية في دولته.

رفض ابن حنبل الانصياع لرؤية الخلافة المؤيدة للقول بخلق القرآن، وأصر على أن القرآن هو كلام الله فحسب، ودخل بعد سجنه في العديد من المناظرات العقائدية مع علماء المعتزلة الموالين للسلطة، وحافظ على موقفه في عهدي المعتصم والواثق بالله، رغم كل الممارسات العنيفة التي مورست بحقه وقتها، والتي تم تضخيمها وتعظيمها في المدونات التاريخية السنّية في ما بعد.

محنة ابن حنبل انتهت مع وصول المتوكل، صاحب الميول السنّية، إلى الخلافة عام 232هـ، إذ تم إطلاق سراح الفقيه البغدادي، وقُدمت له الهدايا والأموال، وقربه الخليفة وأعلى من شأنه ومنحه الحق الكامل في التعبير عن آرائه العقائدية.

ورغم أن التأثير المباشر لمحنة خلق القرآن لم يكن عميقاً أو ذا تأثير مباشر في تغيير بنية السلطة السياسية الإسلامية، إلا أن التفاعل الجدلي الذي وقع وقتها بين السلطة والفقهاء، والذي كان ابن حنبل في طليعتهم، تسبب، وبطريقة غير مباشرة، في إنتاج اتجاه فكري عقائدي جديد داخل الحيز السنّي، هو ذلك الاتجاه الذي سيعرف في ما بعد باسم أصحاب الحديث، وهو التيار الذي سيصبح واحداً من التيارات المهمة والفعالة على الساحة السياسية والفكرية في القرون التالية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard