"من سيدفع الفاتورة يا حبيبي؟"... عن المواعدة والارتباك في فكّ رموزها

السبت 27 يوليو 201903:03 م

مع تغير أشكال المواعدة والتعارف بفضل تطبيقات المواعدة، بتنا في مواجهة أسئلةٍ محوريةٍ مرتبطة بأدوارنا الجندرية، فالموعد الأول الآن يجمع غريبين، يحاول كل منهما قراءة مدى رغبة الآخر من خلال فك رموز مبادراته وردّات أفعاله. ومع تبدل الأدوار الجندرية، صار فك شيفرة التوقعات يخلق حالاتٍ من سوء الفهم والغرابة غير المرغوبة. وضمن هذه التحولات يأتي السؤال الفجّ المتمثل بعلامة استفهام حول "من سيدفع فاتورة عشاء الموعد الأول؟"، كسؤالٍ محوري برغم محاولتنا تجاهله.

تشكّل إجابتنا عن هذا السؤال علامةً فارقة ترتبط بثقافتنا وطبقتنا الاجتماعية ودورنا الجندري. فتوقعاتنا وفهمنا للاستجابات الجنسية قد يتغيّر بحسب الإشارات والإيحاءات المرتبطة بالعمر والمظهر وبتصرفاتٍ أخرى، كمن يقوم بالدفع للموعد الأول وبمكان هذا الموعد. وما يثير اهتمامي في هذا المقال هو قراءة آراء عددٍ من النساء والرجال العصريين والمنفتحين، ممّن يسعون بشكل دائم إلى التحرر من القيود الاجتماعية والأدوار الجندرية.

ترى زينة (30 سنة)، وهي سورية تعيش في الدنمارك، أن مبادرة الرجل بالدفع في الموعد الأول تعكس مدى اهتمامه وتقديره للسيدة التي يرغب بمواعدتها، فهذا يدل على أنه "جنتلمان". وهي تعتقد بأن الرجل يحب التحديات ويرغب بالمرأة كلما بذل مزيداً من الجهد للحصول على ودِّها. ورغم كونها نسوية لا تتردد في المشاركة بالدفع، إلا أنها تشعر بخيبة الأمل من ردّات الفعل الذكورية التي تُظهر استسهال الرجل للعلاقة التي تُبدي فيها المرأة تعاونها المادي. وحيث أن الأدوار الاجتماعية وبحسب ما تفرضه الميديا حول صورة المرأة الجذابة، تفرض على النساء إنفاق الكثير من الوقت والجهد المادي والمعنوي للوصول لتلك الصورة التي تستولي على عقول الرجال. ولذلك، فهي تستنكر عدم قيام الرجل ببذل جهدٍ مقابل، يتمثل بالدفع لموعده الأول مع تلك السيدة التي يطالبها بملاقاة معيارٍ محدد للجمال، يخلق للمرأة عبئاً وضغطاً نفسياً. وكما ترى أن إعجابها بكرم الرجل وبتعبيره عن الحب بتقديم الهدايا لا يتعارض مع نسويتها، فهي بالمقابل لا تتوانى عن القيام بالمثل للتعبير عن حبها.

ومع تبدل الأدوار الجندرية، صار فك شيفرة التوقعات يخلق حالاتٍ من سوء الفهم والغرابة. وضمن هذه التحولات يأتي السؤال: "من سيدفع فاتورة عشاء الموعد الأول؟"، كسؤالٍ محوري برغم محاولتنا تجاهله

في الضفة الأخرى، ترى كارمن (31 سنة)، من الأردن، أهمية تشارك فواتير المواعيد. ومع تطور العلاقة والحب، يمكن لأيٍّ من الطرفين أن يبادر بالدفع عن الآخر، وتشعر بعدم عدالة فرض الأمر على الرجال بحسب العلاقات الاجتماعية البالية التي تشكّل حالةً وصائية وشراءً للآخر باهتمامٍ يُترجم بشكلٍ مادي. وكما ترى بأن الحالات التي تصرُّ فيها النساء على الدفع دائماً لإثبات الذات، هي ردة فعلٍ غير مجدية ولا تقود إلى التغيير.

يعتقد همام من الأردن (29 سنة)، كشاب عصري، بإمكانية المبادرة من الطرفين بالدفع، ولكنه يظهر اهتمامه وتقديره بالتعبير عن ذلك من خلال الإسراع بدفع فاتورة الطعام أو الشراب، ولكنه يقدّر إصرار السيدة على تشارك الفاتورة. ويوضح عامر (32 سنة)، من سوريا ويعيش في فرنسا، بأن اختلاف أشكال المواعدة وأسبابها يحدد طبيعة هذه الأسئلة: فإن كان موعد تندر كـ Hook up (لأجل ممارسة الجنس فقط)، فيرى بأن الشخصين المعنيين عليهما تقاسم الدفع. وإن كان موعداً يرسم تفاصيل لتطور عاطفي، فإنه يبادر بالدفع للشراب وليس للطعام. ويتابع عامر بأن النساء غالباً ما يرفضن مبادرات الدفع من قبل الشاب على اعتبار أنهن يفضلن التشارك. ويرى إياد (25 سنة) من لبنان في حال كان الموعد عبر تطبيق Tender فإن المبادر إلى طلب الموعد من ذات الجنس هو من يبدي اهتمامه بالمبادرة بالدفع أيضاً، بينما يشعر أنه من المحبذ تقاسم الفاتورة في حالات الإعجاب المتبادل.

رمزية دفع فاتورة العشاء

وفي المقابل، ومع رغبة الجنسين بالتحرّر من قيود الشكل التقليدي للعلاقات، تستمر رمزية فاتورة العشاء بالظهور. ففي مقالة لد. ويندي باتريك، "من يدفع في الموعد الأول؟ وما أهمية ذلك؟"، تبين إحدى الدراسات بأنه وفي العلاقات متباينة الجنس، يبقى الشكل التقليدي هو المسيطر، إذ يقوم أغلب الرجال بالدفع بالرغم من قناعة معظم الأزواج العصريين بأنه من المناسب لأي من الطرفين المبادرة بالدفع ولكن في الواقع، لا يزال معظم الرجال يفعلون ذلك. توضح ذات الدراسة بأن الرجال لديهم توقعات جنسية أعلى من النساء، ويتجلى هذا بخاصة في الحالات التي تبادر فيها المرأة لدعوة الرجل والدفع في الموعد الأول، حيث تزيد نسبة قبول rape myth ("أساطير الاغتصاب"؛ زيادة احتمالية تعرّض الآخر للاعتداء الكلامي أو الجسدي بناء على توقعات تُبنى بسبب ملبسه أو تصرفاته دون الأخذ بشرطية قبول ورضى الضحية عن الفعل الممارس ضدها. كما تبرير الاعتداء على الضحية ولومها بسبب ملبسها أو هيئتها)، بالمقارنة مع الحالات التي يبادر فيها الرجل بالدفع، حيث يظن الرجال أن المرأة التي تبادر للدفع هي امرأة سهلة المنال.

وبالنظر إلى رموز المواعدة التي تنتهي بقيام الرجل بدفع فاتورة العشاء، تتبدّى هيكلية اجتماعية توضح المستفيدين من هذه البنية. فعندما يتسنى للرجال المبادرة بإبداء الإعجاب وإظهار الرغبة، تصبح فاتورة العشاء كدلالةٍ على هذه الرغبة وكاستحقاقٍ للمطالبة بما يتبع هذا من توقعاتٍ جنسية.

لطالما شعرت كامرأة بالغبن لعدم قدرتي، ضمن التوقعات الجندرية، على المبادرة بالتعبير عن مشاعري، وخاصة مع سيطرة أفكار "أساطير الاغتصاب" على عقول الرجال، كنت أشعر باستسهال الرجال للمرأة التي تظهر انفتاحها وتعبر عن رغباتها. فالمنظومة التقليدية ترى أن الأفضلية للرجل، فله اليد العليا كمورّد الرزق الأساسي. وبرغم تغيير الحياة في عصرنا وبرغم عمل المرأة ومساهمتها في الإنفاق، يستمر التوقع الذي ينصّ على مبادرة الرجل بالدفع ليلغي المساحة التي يمكن للمرأة فيها التعبير عن ذاتها. وبالمقابل وكإنسان يسحرني الكرم كصفةٍ إنسانية، أشعر بالغبطة عندما أعبر عن مشاعري بالهدايا، وأتوقع من الشريك المثل، دون أن أرى تعارض هذا مع حقنا المشترك بالتعاون المادي وبالتعبير الحر عن مشاعرنا.

بالنظر إلى رموز المواعدة التي تنتهي بقيام الرجل بدفع فاتورة العشاء، تتبدّى هيكلية اجتماعية توضح المستفيدين من هذه البنية. فعندما يتسنى للرجال المبادرة بإبداء الإعجاب وإظهار الرغبة، تصبح الفاتورة كدلالةٍ على هذه الرغبة وكاستحقاقٍ للمطالبة بما يتبع هذا من توقعاتٍ جنسية

أؤكد على أهمية التشارك المادي بين الجنسيْن وعلى رفض قوالب المواعدة الجاهزة. من المهم أن تتحدى النساء علاقات القوى التي تضعها في خانة الطريدة التي تعجز عن إبداء مشاعرها وتساق ضمن لعبة يرسم مجرى أحداثها الرجل

تطبيق مواعدة نسوية

وضمن هذه التحولات، تأتي تطبيقات المواعدة النسوية لتغيير قوانين اللعبة. ففي تطبيق مثل Bumble، تتولى النساء زمام المبادرة ويقمن باختيار الرجل الذي يفضلنه، وخلال أربع وعشرين ساعة إن لم ترسل السيدة رسالة للشخص المعني، يتم محو هذا الـ match (التطابق بين شخصين) بشكل نهائي. إن اختيار الرجال للمواعدة عن طريق هذه التطبيقات، من المفترض أن يعطي مؤشراً على كون الرجل نسوياً، وبالتالي يغلب انفتاحه على قبول تعبير المرأة عن رغباتها الجنسية دون أحكام مسبقة أو دون rape myth. وفي حالات كهذه، ترى ميرا من لبنان بأن مبادرتها بالتقاط الفاتورة ينسجم مع حقها بالتعبير عن رغباتها، دون شعور بالوصمة، ودون استسهال الطرف الآخر للعلاقة.

وبهذا أرى أن تطبيقات المواعدة النسوية تعطي للمرأة مساحةً كي تعبر عن مشاعرها بحرية. هذا ما يدفعني إلى التأكيد على أهمية التشارك المادي وعلى رفض قوالب المواعدة الجاهزة التي ترسم لنا تصورات تحدّ من حقنا في التعبير عن ذاتنا وعن رغباتنا. من المهم أن تتحدى النساء علاقات القوى التي تضعها في خانة الطريدة التي تعجز عن إبداء مشاعرها وتساق ضمن لعبة يرسم مجرى أحداثها الرجل.

ويظل أن حقبتنا هذه في حالة من التبدّل والتغيّر فيما يتعلق بالأدوار الجندرية وما يرتبط بها من توقعات جنسية ونفسية ومادية. وتستمر مُسألة التنميطات الجندرية كوسيلةٍ لابد منها لمحاربة التمييز على أساس جندري (sexism) وخطاب الوصاية. لذا تأتي أهمية عدم التردّد في قراءة علاقات القوة وخطابها التي تتجلى بجميع الأشكال، ابتداءً بعدم تساوي الأجور بين الجنسين، وانتهاءً بهدايا الحب الملفوفة بورق أحمر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard